في الغرفة المتسعة التي تفوح بعطر هادئ، كانت تجلسُ وفي يدها كتابٌ لم تقرأ منه سطراً واحداً منذ ساعة. عينها معلقة بحافة الستارة، وأذنها تلتقط صوت أنفاسه المنتظمة وهو يراجع جداول أعماله على شاشة حاسوبه المحمول.
كان الصمتُ يمتد بينهما كصحراء غير مرئية، صمتٌ لم يكن مرادفاً للهدوء، بل كان أقرب إلى “جريمة هادئة” تُرتكب بحق القلوب.
فجأة، وضع حاسوبه جانباً، والتفت إليها بابتسامة الواثق المنتصر، مخرجاً من حقيبته علبةً مخملية صغيرة، دفع بها نحوها قائلاً:
— “هذه لكِ.. أحدث ما نزل في الأسواق، وتلك تذاكر رحلتنا القادمة إلى تلك الجزيرة التي يرتادها صفوة المجتمع.”
نظرتْ إلى العلبة المخملية.. كانت الهدايا الثمينة تتراكم في خزانتها كدروع تذكارية، لكنها في تلك اللحظة لم ترَ فيها إلا “ضجيجاً” يُراد به ملء فراغ الروح. ابتسمت بوهنٍ، وبلسانٍ أثقله الكتمان قالت:
— “شكراً لك.. عطاؤك دائم.”
لم يلحظ نبرة الانكسار في صوتها، بل عاد إلى شاشته مستدفئاً بشعور الزوج المثالي الذي لا يبخل على بيته بشيء. لم يكن يعلم أن المأساة في بيتهما لا تكمن في غياب الاهتمام، بل في حضوره الخاطئ! هو يمنحها بصدق ما يراه قمة العطاء من عالمه الخاص، كمن يهدى الثمر لمن يبحث عن ظل، أو يمنح الضوء لمن يطلب دفء اليد. هو يرى الاهتمام في “الأشياء”، وهي تراه في “المعاني”. هو يملأ الفراغ بالضجيج، وهي تملؤه بالهمس.
تنهدتْ، وأغلقت كتابها، وقررتْ في تلك الليلة أن تكسر القاعدة الصلبة التي طالما رددتها النساء بلا تفكير: “الاهتمام لا يُطلب”. تذكرت كم من زوجة جلست تنتظر كلمة دافئة تلامس قلبها، بينما كان زوجها يعتقد أن شراء هدية ثمينة هو أعظم دليل على محبته. وكم من زوج ظن أن عمله لساعات طويلة يكفي ليشعر بالتقدير، بينما كانت زوجته تنتظر منه دقائق قليلة من الحديث الصادق والمشاركة الوجدانية.
اقتربتْ منه، جلست على حافة مكتبه، وأغلقت شاشة حاسوبه برفق. نظر إليها بدهشة، فبادرتْه بصوتٍ نابض بالأمل:
— “أريد أن نتحدث.. ليس عن العمل، ولا عن السفر، بل عنا.”
عقد حاجبيه مستغرباً:
— “عنا؟ هل ينقصكِ شيء يا هانم؟ ألسنا نعيش في رغدٍ يحسدنا عليه الجميع؟”
هنا سقط الستار، وتكلمت الأنثى الكامنة فيها:
— “نحن لا ينقصنا العطاء، بل ينقصنا الفهم. الحياة الزوجية ليست مسابقة في قراءة الأفكار، وأنت لست عرّافاً لتقرأ رغباتي الخفية. نحن معاً كشخصين جلسا إلى مائدة واحدة؛ أحدهما يريد كوباً من العصير، والآخر يريد كأساً من الماء، ولو ظل كل منا صامتاً فلن يحصل على ما يريد، رغم أن المأساة ليست في النقص، بل في غياب التعبير!”
أصغى إليها، ولأول مرة يرى في عينيها ذلك “العطش الروحي” الذي لا ترويه بحار الأموال. تابعت بوعي ونضج:
— “حين أطلب منك أن تستمع إليّ، أو حين تطلب مني أن أقدّر تعبك، فنحن لا نطلب الاهتمام استجداءً، بل تصحيحاً للمسار. نطلبه لأن الحب ليس قالباً واحداً يُلبس للجميع، بل ثوب يُفصّل بدقة على مقاس الروح التي نحب. ما قيمة أن تمنحني العالم كله، وأنت تجهل أن عالمي كله قد يكون لحظة إنصات، أو نظرة فهم صغيرة جداً لكنها تعادل عندي كنوز الأرض؟”
ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه لم يكن صمتاً مريراً هذه المرة، بل كان صمت التفكير المندهش. أدرك الزوج أخيراً أن الاهتمام الحقيقي ليس في أن يعطيها ما يملك، بل أن يمنحها ما تحتاج، وأن يفهم لغتها قبل أن يكتب رسالته.
أمسك يدها، ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن يمسكها ليقودها إلى طائرة أو سهرة، بل ليربت على روحها. ابتسم وقال: “علميني لغتكِ إذن، فما زلتُ في أول فصول القراءة.”
في تلك الليلة، أشرقت الحقيقة خلف الأبواب المغلقة: الحب لا يفشل لقلة المشاعر، بل لسوء ترجمتها. والاهتمام لا يضيع لأنه غاب، بل لأنه وصل بلغة لم يفهمها القلب.. والحوار هو المترجم الوحيد بين الأرواح.