بين خضرة الحدائق العفيّة في مدينة الإسماعيلية الوديعة، وسط لمة العائلة والأصدقاء، كان ينبغي ليومنا أن يمضي بسلام. لكن الهدوء لم يدُم؛ إذ اقتحم السكينة صخب دراجات نارية نارية باهظة الثمن، يستعرض بها أصحابها بأساليب جائرة وصوت يحبس الأنفاس من الفزع لكن العجب كل العجب، أن هذا الضجيج المزعج لم يَر فيه أصحاب “المعايير المزدوجة” أي تعدٍّ على راحة المرضى أو انتهاك لسكينة الشارع!
ولم تكد تهدا النفوس، حتى جرفتنا الخطى إلى إحدى الكافيهات، لتستقبلنا صدمة أخرى من الأغاني الصاخبة ذات الكلمات المبهمة والأنغام الهستيرية، بصوت يثقب الآذان. وحين طالبتُ “النادل” بتخفيض هذا الصخب، أدركتُ مجددًا أن هذا الضجيج يُصنف عندهم ضمن “حرية الترفيه”، ولا يجرؤ أحد على الزعم بأنه يُقلق مضجع مريض أو يزعج استرخاء الناس.
وتكتمل المأساة بدعوة لحضور زفاف أصدقاء، لتنطلق عبر الميكروفونات المدوية ما يسمى بـ “أغاني المهرجانات” -ولا أدرك كيف يُطلق اسم الفن على هذا الانحدار الذوقي صداحٌ يمزق الفضاء ويتجاوز كل حدود الاحتمال. ومع ذلك، يمر كل هذا الصخب العارم برماً برفق، دون أن يستفز مشاعر أولئك النُّقاد
لكن، ما إن يرتفع النداء الخالد: “الله أكبر
ما إن ينطلق الأذان داعيًا للصلة بالله والسكينة، حتى تستنفر أقلام وتعلوا أصوات مدعيةً فجأة حرصها الشديد على “راحة المرضى لماذا يُزاحَم الدين وحده في كل شيء؟ ولماذا تُستحضر “حقوق المرضى” فقط عندما يتعلق الأمر بشعيرة إسلامية أصيلة، بينما تُغمَض الأعين وتُصَمُّ الآذان عن كل أشكال الضوضاء التي تملأ حياتنا اليومية؟
إن المسألة ليست مسألة صوت”، بل هي مسألة “نفسية”. فالأذان في جوهره نداء طمأنينة وسمو، ولنا في التاريخ والفن عبرة؛ فقد يُنتقد “صوت المؤذن” لنشازه بحثًا عن الجمال والإتقان -كما طالبت الفنانة القديرة سناء جميل بدعم الصوت الندى احترامًا للنداء- دون أن يمس ذلك قيمة الأذان نفسه. وكما وقفت الفنانة هالة صدقي بموقف يعكس روح المواطنة والمحبة الحقيقية حين رفضت إغلاق قناة الأذان في رمضان، نجد على الجانب الآخر من يتخذون من النقد الذريعة للهجوم على الدين وأهله.كما فعلت الفنانه التي لا اعرف لها دين كل ما اعرفها عنها هو العري والسفها حينما قالت أن الاذان يزعج المرضا
إن من المؤسف أن ينساق بعض من ينتسبون للإسلام خلف هذه النغمة النشاز، يهاجمون دينهم وشعائرهم تحت ستار مدنيّة زائفة، بينما يبتلعون كل أنواع التلوث السمعي الأخلاقي والفكري الذي يحيط بهم يوميًا دون كلمة اعتراض.
إلى هؤلاء نقول: دعونا ومعتقداتنا، واتركوا لنا قيمنا وشعائرنا التي نعتز بها. إن كنتم قد اخترتم لأنفسكم الجحيم الفكري والمعياري، فلا تفرضوه على مجتمع يجد قوته ورعايته في نداء السماء. وليكن المبدأ الإنساني والأخلاقي الحاكم للجميع هو قول رسولنا الكريم ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، أو كما استقرت عليه الحكمة لدى إخوتنا المسيحيون إن لم يكن لديك ما هو أفضل من الصمت، فالصمت أوجب.
يتنفس الوجود صعداء حين يرتكز على قواعد الحق واليقين، وما العلم — في مفهومه الحضاري والإنساني الأوسع، شرعياً كان أو كونياً، طبياً أو عمرانياً — إلا السراج المنير والأمانة الكبرى التي يُطوق بها العنق؛ فالعالم في دينه حارس للعقائد، والطبيب في مهنته حارس للأبدان، والمشرف في موقعه حارس للعدل والحقوق، وكل صاحب اختصاص ائتمنه الله على مصالح عباده هو شريك في هذا الميثاق العظيم. وإن الأمة لترنو إلى أرباب المعارف والخبرات طامعةً في عدلهم وإتقانهم، فالعالم وصاحب القرار هما جناحان إن صلُحا طارت الأمة في سماء العز والتمكين، وإن فسدا هوت في أودية الضياع والشقاء.
ولقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذه الرابطة المقدسة حين قرن شهادة أولي العلم بشهادة التوحيد والعدل في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صور هذا التلاحم الوجودي بقوله: «صِنفانِ مِن النَّاسِ إذا صَلَحا صَلَحَ النَّاسُ، وإذا فَسَدا فَسَدَ النَّاسُ: العُلماءُ والأمراءُ»، ليظل استقامة المجتمع مرهونة بنزاهة العقل وقوة السلطان. غير أن أعظم ما يفتك برسالة العلم هو ابتغاء عرض الدنيا به واستبدال الإخلاص بالجاه، فحين يتخلى صاحب المعرفة عن ضميره ويبيع أمانة علمه لمصلحة زائلة، تضطرب الحياة وتعم الفوضى الأخلاقية؛ وهو ما أشار إليه ابن القيم رحمه الله مبيناً تفاوت الناس بين عالم آخرة، وعالم دنيا، وعالم فجور، ومحذر الفضيل بن عياض بقوله: «أبغض الخلق إلى الله العالم المداهن للناس».
وفي مقابل هذا الانحراف، يبقى التاريخ الإنساني ينبض بنماذج مضيئة تشهد على عظمة اليقين، وفي طليعتها الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله، الذي جمع بين سعة العلم، وجهاد النفس، والزهد العظيم، والإنفاق في وجوه البر؛ فكان تاجرًا غنيًّا استعمل ماله وجهده في خدمة أمته، رمزًا للورع والعفة، لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى قال فيه الفضيل: «ما رأيت أحداً طلب العلم للآخرة غير عبد الله بن المبارك». ومن رحم هذه القيم الشامخة، وفي حضرة هذا الوعي العميق بأمانة الرسالة، تأتي هذه الأبيات مسكاً لختام هذا البيان:
1 ـ #العنوان_ودلالته يحمل العنوان جئناك نقتبس نورا دلالة روحية عميقة فهو لا يقدم القصيدة بوصفها مجرد مدح أو وجد بل يجعلها رحلة بحث عن النور والهداية والسكينة وفعل نقتبس يوحي بأن النور ليس شيئا ماديا وإنما قبس معنوي تستضيء به الروح في عتمة الحياة ولذلك جاء العنوان مفتاحا دلاليا للنص كله
2 ـ #البناءالعام_للنص تتحرك القصيدة في مسار تصاعدي يبدأ بالغزل والوجد ثم ينتقل إلى الحكمة والمحبة ثم يرتقي إلى المدح النبوي والصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم
وهذا الإنتقال يمنح النص حركة روحية واضحة من جمال المحبوب إلى جمال المعنى ومن جمال المعنى إلى نور النبوة
#فالقصيدة : لا تبقى عند حدود العاطفة وإنما تجعل الحب سلما تصعد عليه الروح نحو الطهر والهداية
3 ـ #الموسيقى_الشعرية اختار الشاعر نغمات بحر البسيط وهو اختيار مناسب لطبيعة النص لما يمتلكه هذا البحر من مرونة موسيقية وقدرة على الجمع بين الإنسياب والتأمل كما أن تكرار القافية على الميم المكسورة في أغلب الأبيات يمنح النص وحدة صوتية واضحة ويجعل الإيقاع متماسكا في السمع
وتتردد في النص أصوات مثل النور والظلم والروح والحب والقلب وهي مفردات ذات حمولة وجدانية وروحية عالية مما يجعل الموسيقى الداخلية متكاملة مع الموسيقى الخارجية
4 ـ #جمال_الصورةالشعرية من أجمل الصور في النص قوله كأنه النور في ليل من الظلم فالنور هنا ليس مجرد ضياء وإنما رمز للخلاص والهداية في مواجهة العتمة وقوله والقلب يخلق ما يأتي من القيم يجعل القلب مصدرا لصناعة المعنى الأخلاقي وليس مجرد موضع للعاطفة
#وقوله وصير الحزن في الأرواح كالحلم صورة تقوم على تحويل الحزن من حقيقة ثقيلة إلى شيء عابر يشبه الحلم وهو تصوير ينسجم مع حضور الرحمة والأمل في شخصية)((#الرسول_صلى_الله_عليه_وسلم))
5 ـ #ثنائيةالنوروالظلام تقوم القصيدة على ثنائية واضحة بين النور والظلام النور يرتبط بالهدى والمحبة والرسالة والأمل والظلام يرتبط بالحيرة والحزن والضياع
وهذه الثنائية تمنح النص عمقا رمزيا وتجعل النور محورا مركزيا تتفرع منه معظم الدلالات
حتى أن الشاعر لا يطلب مجرد المعرفة بل يطلب نورا يضيء داخله جئناك نسأل نورا في دجى روح وهنا تتحول القصيدة نفسها إلى حالة ابتهال روحي
6 ـ #حضورالرسول_في_النص يظهر الرسول صلى الله عليه وسلم في القصيدة باعتباره مصدرا للنور والرحمة والهداية ويتدرج هذا الحضور من التوق والمحبة إلى التعظيم ثم إلى الرجاء يا سيد الخلق يا مصطفى الخلق وهذه النداءات تمنح النص حرارة وجدانية وتكشف عن تعلق الشاعر بالممدوح تعلقا روحيا يتجاوز الوصف إلى المناجاة
7 ـ #المعجم_الشعري ينتمي معجم القصيدة إلى ثلاثة عوالم متداخلة عالم الطبيعة الريم والبان والعلم والنور والليل عالم الوجدان القلب والروح والحب والشغف والحزن والمودة
#عالم_النبوة الهدى والمختار والمصطفى وطه والآل والصحب والشفاعة وهذا التداخل بين الطبيعة والوجدان والروحانيات يمنح النص مساحة واسعة من التعبير ويجعل الإنتقال بين صوره أكثر سلاسة
8 ـ #الحركةالشعورية يمكن قراءة القصيدة بوصفها رحلة شعورية من اربع مراحل المرحلة الأولى : الإنجذاب والجمال
المرحلة الثانية؛ الحب والوجد
المرحلة الثالثة: الإنتقال إلى نور النبوة
المرحلة الرابعة: الرجاء والإبتهال وهذا التدرج يمنح القصيدة بنية وجدانية صاعدة تنتهي بالرجاء بعد ان تبدأ بالتأمل
9 ـ #الجانب_البلاغي اعتمد النص على التشبيه والاستعارة والكناية والتضاد والنداء ومن ابرز مظاهر البلاغة الجمع بين النور والظلام والحزن والحلم والضيق والإنفتاح والإنكسار والرجاء
وهذه التقابلات تمنح النص طاقة دلالية وتساعد على ابراز التحول النفسي الذي يعيشه المتكلم
10 ـ #صدق_العاطفة اكثر ما يميز النص هو صدق النبرة الوجدانية فالشاعر لا يقف خارج تجربته ليمدح وإنما يدخل في قلب التجربة ويجعل ذاته جزءا منها يا مصطفى الخلق هذا القلب منكسر هذه العبارة تختصر الحالة النفسية للنص كله قلب منكسر يبحث عن النور وروح متعبة تبحث عن الهداية وانسان مثقل بالهم يبحث عن باب من الرحمة
11 ـ #خاتمةالقصيدة تأتي الخاتمة في صورة دعاء ورجاء واشفع لنا ففؤادي في محبتكم وهي نهاية منسجمة مع البناء الروحي للقصيدة لان النص بدأ بالبحث عن النور وانتهى بالرجاء في الرحمة والشفاعة وهنا يكتمل القوس الدلالي للنص من الظلمة الى النور ومن الحيرة إلى الرجاء
12 ـ #القيمةالفنيةللنص القصيدة تنتمي إلى فضاء المديح النبوي لكنها لا تكتفي بالتقليد المباشر لهذا اللون الشعري بل تحاول أن تجعل المدح تجربة وجدانية يعيشها الشاعر ومن نقاط قوتها وحدة الموضوع وضوح المسار الشعوري حضور الموسيقى كثافة المعجم الروحي الإعتماد على ثنائية النور والظلام الإنتقال التدريجي من الوجد إلى المدح ثم الابتهال
13 ـ #الرؤيةالنقدية النص يحمل روحا صادقة وصورا ذات بعد رمزي واضح وتبرز فيه قدرة الشاعر على تحويل المحبة الى حالة روحية كما إن اختيار بحر البسيط والقافية الموحدة يخدمان وحدة القصيدة ويمنحانها نغمة انشادية تناسب موضوع المديح النبوي
ومع ذلك فإن بعض الأبيات تحتاج إلى مزيد من الصقل اللغوي والعروضي حتى يظل الإنسجام قويا من أول النص إلى آخره
وهذا لا ينتقص من جمال التجربة وإنما يشير إلى أن النص يمتلك مادة وجدانية ثرية يمكن تطويرها بمزيد من المراجعة الفنية
14 ـ #الخلاصة جئناك نقتبس نورا قصيدة تنطلق من الجمال لتصل إلى النور ومن الحب لتصل إلى الهداية ومن انكسار القلب إلى الرجاء وفي جوهرها ليست القصيدة مجرد مدح للنبي صلى الله عليه وسلم بل هي محاولة شعرية للبحث عن الطمأنينة في زمن كثرت فيه العتمة ولهذا يبقى النور هو البطل الخفي في القصيدة نور يضيء العين ونور يوقظ القلب ونور يقود الروح حتى تصل في نهاية الرحلة إلى باب المصطفى صلى الله عليه وسلم قصيدة تحمل عاطفة صادقة ونبرة روحانية واضحة وتؤكد أن الشعر حين يخرج من القلب يستطيع أن يجعل من الكلمة مصباحا ومن القصيدة طريقا ومن المحبة نورا