أنا ابنةُ الجزائرِ… أحملُ في قلبي سلامًا لا يعرفُ الحدود،
وأغزلُ من حروفِ الضادِ وشاحًا أُهديه إلى كلِّ مدينةٍ عربية.
سلامٌ على القدسِ… مهدِ الرسالاتِ، ونبضِ الكرامة،
وسلامٌ على غزةَ… حيثُ يصنعُ الصبرُ من الألمِ بطولة.
سلامٌ على يافا، عروسِ البرتقال،
وعلى حيفا، حيثُ يعانقُ البحرُ ذاكرةَ الوطن.
سلامٌ على عكّا، ونابلس، وجنين،
وعلى الخليل، ورام الله، وبيت لحم، وأريحا،
فكلُّ حجرٍ هناك يروي حكايةَ شعبٍ لا ينحني.
ثمَّ أمضي إلى دمشق… فأستنشقُ الياسمين،
وأصافحُ حلب، وحمص، واللاذقية،
فأرى التاريخَ ما زالَ يسكنُ الأزقةَ والبيوت.
وأحيّي بيروت، وصيدا، وصور، وطرابلس،
حيثُ للبحرِ أغنيةٌ، وللحريةِ موعد.
ومن عمّان إلى العقبة، ومن إربد إلى الزرقاء،
يبقى الأردنُّ بابًا للكرمِ والأخوّة.
وأقفُ بخشوعٍ في بغداد،
وأعانقُ الموصل، والبصرة، والنجف، وكربلاء،
فما زالت أرضُ الرافدين تنبضُ علمًا وحضارة.
ثمَّ إلى القاهرة، والإسكندرية، والأقصر، وأسوان،
حيثُ النيلُ يروي للأجيالِ قصةَ الخلود.
وأبعثُ محبتي إلى تونس، والقيروان، وسوسة، وصفاقس،
وإلى طرابلس وبنغازي،
وإلى الرباط، وفاس، ومراكش، وطنجة،
وإلى نواكشوط، والخرطوم، وصنعاء، وعدن،
والرياض، وجدة، ومكة، والمدينة،
والدوحة، والكويت، والمنامة، ومسقط، وأبوظبي، ودبي…
ثمَّ أعودُ إلى وطني،
إلى الجزائر… أرضِ الشهداءِ،
إلى باتنة، وقسنطينة، وسطيف، ووهران، وتلمسان،
وعنابة، وبسكرة، وغرداية، والجلفة، والبليدة،
فأرفعُ علمَ الجزائرِ عاليًا، وأقول:
يا أوطانَ العروبة… قد تختلفُ لهجاتُنا، وتتباعدُ مدنُنا، لكنَّ قلوبَنا إذا اجتمعت، أصبحت الحدودُ مجردَ خطوطٍ على الخرائط.
سلامٌ من ابنةِ الجزائر، إلى كلِّ مدينةٍ عربية… من القدسِ إلى الجزائر، ومن الخليجِ إلى المحيط، سيبقى حبُّكم يسكنُ قلبي، ما دام في صدري نبضٌ، وفي لساني لغةُ الضاد.
ليس الطريقُ هو الذي يبتكرُ العابرين بل العابرون هم الذين يوقظون الطريق من نومه الطويل.
كلُّ خطوةٍ صادقةٍ تغرسُ في خاصرةِ الترابِ نبضًا، حتى تُورقَ الحجارةُ، ويستحي المستحيلُ من عناده.
أما الذين جلسوا يُراقبون الفصولَ وهي تبدّلُ ثيابها، فقد أورثهم الانتظارُ أعمارًا بلا ذاكرة، وأحلامًا أكلها الصدأُ قبل أن ترى الضوء.
فكُنْ أنتَ المطرَ إذا تأخرتِ الغيوم، وكُنْ أنتَ الفجرَ إذا طال ليلُ الجهات؛ فالحياةُ لا تمنحُ قلبَها لمن ينتظرها بل لمن يقتحمُها وفي يديه بذورُ المعنى، وفي عينيه يقينٌ يليقُ بالخلود.
كانت لمياء صبية جميلة ،عيون ملونة ،وشعر كأنه قصاصات ذهب تسترسل على كتفيها.
كانت تشبه ملاكا يمشي على الأرض ،وكانت تعرف قيمة جمالها ،وفوق ذلك هي تملك من الأراضي والأملاك ماتملك
،وبدأ الشباب يتقدمون لخطبتها ،الواحد تلو الآخر ،كل منهما يريد أن يظفر بالدرة الفريدة ،لكن لمياء لم تكن تقبل ،كل عريس تضع فيه مائة عيب وعيب.
حاول أهلها إقناعها، ونصحوها بالزواج قبل أن يفوتها القطار،وكذلك فعل الجيران ،والمقربون منها ،لكن دون جدوى، لمياء لم تهنُ ،ولم توافق، ولم تخطب ،حتى أن أخواتها وبنات الجيران تزوجن إلا لمياء.
لمياء مثل الطود الراسخ تتحدى الحب ،وتتحدى الزواج.
حزن والديها كثيرا لأجلها، فقد كبرا ، وهرما ،وأخذ العمر الجمال والصحة ،ولمياء تعتني بهما ،وتتابع عمال الأرض خطوة بخطوة ، وهي تعمل كل مابوسعها.
مرت الأيام ،وغيب الموت الوالدين ،وغدت لمياء وحيدة في بيت كبير ،قلما يزورها أشقاؤها ،حيث كل واحد مشغول بعائلته وهموم الحياة.
بدأت الغربة تنخر أيامها ،والوحدة تأكل صباها، المال في وفرة ،والعمر في ندرة.
كل يوم تأوي إلى فراشها مستوحشة الليل، وغريبة النهار،كانت تنتظر أحد اولاد أشقائها ليساعدها في بعض الأعمال التي ماعادت تستطيع القيام بعدها لوحدها ،أو للذهاب معها إلى الطبيب،في حين كل واحدة من أخواتها أو إخوتها لايحسّ بالوقت بسبب كثرة الأولاد والأحفاد .
وإن تنسى فلن تنسى كيف كانت المقربات منها ،يخفينَ عنها أولادهن ،خيفة الحسد ،وييبسملنَّ أو يقرأْن المعوِّذاتِ ،في الوقت الذي كان يعتصر فيه قلبها لاحتضان ولد أو بنت.
تهالكتِ القوة التي امتلكتها، وتكسرت على شطآن الدهر ،،وغدت خيال مآتة لاغير ،”مابيهش ولابينش”.
خسارة يالمياء ،خسارة ذلك الصّبا ،وخسارة العمر الذي مضى ،ولم تعرف كيف تستفد منه،لقد ضاع كل شيء ،وصارت ورقة خريف تذروها الريح .