يظن البعض أن المهمة قد اكتملت حين نجحت الحيلة. حين استطاع أن يستغل العطف، أن يحتل مساحة في خوارزمياتك بقناع مصقول، أن يصل إلى مراده بخطوة ملتوية ثم يقف أمام مرآته ويهمس لنفسه: ها أنا قد وصلت.
لكن الحقيقة أنه لم يصل. هو فقط هرب. هرب من مواجهة نقصه إلى احتلال غيره.
في علم النفس هذا التعويض الزائف. هو ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان بدل أن يبني نفسه يرمم الفراغ الداخلي بحيلة. لا يواجه ضعفه فينكر الذات، ولا يعالج وجعه فيتقمص دورا ليس له. يلبس اليوم ثوب الضحية وغدا ثوب البطل وبعده ثوب المحتاج. وحين ينكشف يلقي باللائمة عليك لأنك صدقته. يسميك ساذجا لكي لا يرى نفسه فاشلا.
وما النتيجة؟ شخصية هشة. واجهة فخمة وعمود داخلي مكسور. من الخارج يبدو متمكنا ومن الداخل خواء. الحيلة ليست ذكاء كما يظن. الحيلة اعتراف صامت يقول: أنا غير كاف كما أنا.
وفي الفلسفة الأمر أعمق. الوجود يسبق الماهية، أي أنك تصبح ما تختار أن تكونه. ومن يختار الحيلة يختار أن يكون مزيفا. والكذب هنا جريمة مزدوجة. يقتل أولا العلاقة مع الآخر فيحوله من أخ إلى هدف، فينهار الاحترام المتبادل ويصبح كل لقاء معركة صغيرة. ويقتل ثانيا العلاقة مع الذات فيدخل الإنسان في تمثيل لا ينتهي. لا يستطيع أن يخلع القناع حتى في الليل وحده.
ولهذا قالوا إن الجحيم هو الآخرون، لكن لمن يعيش بالحيلة يصبح الجحيم هو أنا حين أكون وحدي. الحيلة مرآة، لكنها مرآة مقعرة تكبر الوهم الذاتي وتجعلك ترى نفسك عبقريا بينما أنت في الحقيقة قد خرجت من نطاق الأدب الإنساني.
قد تمرر الحيلة بحرفية عالية. قد يصفق لك الناس. قد تحتل قلوبا وعقولا بلا عتاد. ولكن ماذا بعد؟
يأتي الليل ويسكت الضجيج وتهب عواصف الضمير. ذاك القاضي الداخلي الذي لا يرتشي ولا يسقط بالتقادم. يسألك بهدوء قاتل: هل بنيت أم احتللت؟ هل كنت صادقا أم كنت تاجر عطف؟ هل وصلت أم هربت؟
حينها ينهار كل شيء بلا عتاد، كما بني بلا عتاد. لأن ما أساسه الخداع لا يسنده إلا الخوف، والخوف يتعب.
الإنسان الحقي لا يحتل، يبني. لا يستغل العطف، يستحقه. لا يمثل لكي يحب، يكون لكي يحترم. الشرف لا يسرق بحيلة ولا يشترى بخطوة ملتوية. الشرف يزرع بالصدق ويسقى بالصمود.
فلا تعطيهم نفسك. حتى لو كانت لحظة واحدة. حتى لو كان الثمن مغريا وبلا عتاد. لأنك إن خسرت نفسك، خسرت كل شيء.
يظن البعض أن الجروح تأتي من الضرب أو الأذى الجسدي فقط لكن الحقيقة أن هناك جروحًا لا تُرى بالعين تتركها كلمة قاسية خرجت في لحظة غضب فتظل عالقة في القلب لسنوات.
الكلمة سلاح فقد تبني إنسانًا وتشجعه وقد تهدم ثقته بنفسه في لحظة كم من طفل فقد ثقته بسبب كلمة جارحة وكم من زوجة بكت بسبب عبارة قاسية وكم من صديق ابتعد لأن كلمة واحدة كسرت قلبه.
الكلمات المؤلمة لا تُنسى بسهولة فالقلب قد يسامح لكنه يتذكر أثر ما سمعه لذلك أوصانا الله تعالى بحسن القول فقال (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) لأن الكلمة الطيبة تنشر المحبة أما الكلمة الجارحة فتزرع الحزن والندم.
ليس الوجع الحقيقي في أن يغادرنا الناس، بل في أن تغادرنا الأوهام التي أسكنّاهم فيها.
فالخذلان لا يبدأ من فعلٍ يصدر عن الآخر، وإنما من اللحظة التي تتصدّع فيها الصورة التي بنيناها له في أعماقنا، حين تصبح تلك الصورة أكبر من قدرته على أن يكونها.
فنحن لا نرى الأشخاص دائمًا كما هم، بل كما رسمتهم حاجتنا إلى الطمأنينة، وكما زيّنتهم رغباتنا بحبر التمنّي؛ حتى إذا نطقت الحقيقة بلُغتها المجردة، خُيّل إلينا أن العالم قد تغيّر، بينما الذي تغيّر في الحقيقة هو ميزان رؤيتنا وتوقعاتنا.
فالخذلان ليس صفعةً تأتي من الخارج، بل مرآةٌ تكشف ما شيدناه داخلنا من تصورات، وتعرّي المسافة بين الإنسان كما هو، والإنسان كما أردناه أن يكون.
إنها اللحظة التي ندرك فيها أن بعض يقيننا لم يكن سوى أمنيةٍ ارتدت ثوب الحقيقة، وأن كثيرًا مما سمّيناه وفاءً كان قائمًا على جمال ظنوننا أكثر مما كان قائمًا على واقعٍ رأيناه بوضوح.
ولهذا لا يأتي الخذلان دائمًا بصوتٍ مرتفع، بل يتسلل بصمتٍ يشبه انطفاء الضوء في آخر النهار؛ لا نعرف متى بدأ الغروب، لكننا نلتفت فجأةً فنجد العتمة قد أخذت مكانها.
يبدأ بتفصيلٍ صغير، بموقفٍ عابر، أو بكلمةٍ فقدت دفأها، ثم تتوالى الإشارات حتى يتحول اليقين إلى سؤال، وتصبح الذكريات نفسها بحاجةٍ إلى إعادة قراءة؛ لا لأن الماضي تغيّر، بل لأن أعيننا التي كانت تنظر إليه تغيّرت.
وعندها يكتشف الإنسان أن أكثر ما يؤلمه ليس ما فعله الآخر، بل ما أضافه هو إلى الآخر من معانٍ لم يقلها، ومن صفاتٍ لم يَعِد بها، ومن وعودٍ لم يقطعها.
فالقلب حين يحب لا يكتفي برؤية الحاضر، بل يملأ الفراغات بحسن ظنه، ويكتب بين السطور ما يتمنى أن يجده، حتى تأتي الحقيقة عاريةً من زينة الخيال، فيظهر الفرق بين الشخص الذي كان أمامه، والصورة التي صنعها عنه.
ومع ذلك، فالخذلان ليس نهاية المعرفة، بل أحد أبوابها القاسية. فهو يعلّمنا أن المحبة لا تحتاج إلى تقديس، وأن الثقة لا تعني أن ننزع عن الآخرين بشريتهم، وأن الخطأ الأكبر ليس دائمًا في اختيار الأشخاص، بل في منحهم أدوارًا لم يطلبوها، وتحميلهم أوزانًا من التوقعات لم يلتزموا بحملها.
وفي النهاية، لا ينكسر الإنسان لأن أحدًا خالف ظنه فقط، بل لأنه يكتشف أن جزءًا من الحكاية كان يكتبه وحده، بينما كان يظن أن هناك يدًا أخرى تشاركه السطور.
وحين يستيقظ من هذا الوهم، لا يفقد الآخر فحسب، بل يستعيد نفسه من بين أنقاض الصورة القديمة؛ تلك النفس التي كانت تظن أن الحب وحده يصنع الحقيقة.
ثم يتعلم أن النضج ليس أن نتوقف عن منح القلوب ثقتنا، بل أن نتوقف عن منحها صورًا لا تحتملها. فبعض الخيبات لا تأتي لتأخذ منا أحدًا، بل لتعيد إلينا أنفسنا بعد أن أضعناها طويلًا ونحن نبحث عن حقيقتنا في عيون الآخرين.