باسم الله الرحمن الرحيم
معلقةُ العصرِ: “نشيدُ الجبِّ”
على بحرِ الكامل… لتذوبَ بها القلوب
—
قد يُطفئونَ شموسَكَ… ثمَّ يقولوا: انطفأ
ويُلقونَكَ في ليلٍ… ويهمسون: انتهى
لكنَّ الذي اختارَكَ للبئرِ… ما اختارَكَ للفناء
إنَّما نزعَكَ من ضجيجِهم… ليُسمعَكَ نداءَ السماء
{وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ}
آهِ… كم من قلوبٍ أُلقيتْ بيدِ مَن أحبَّتْ
لا جُرمَ لها إلا الوفاءُ… ولا ذنبَ إلا أنَّ اللهَ اصطفاها
فإذا الدنيا بئرٌ… والناسُ حبالُهم مقطوعة
وإذا أنتَ وحدَكَ… واللهُ معَكَ… وحدهُ يكفي
يا صاحِبَ الظلمة
لا تبكِ على القاعِ… فالقاعُ مدرسةُ العظماء
هنا تُكسرُ العصا التي كنتَ تتكئُ عليها
لتُعطى عصاً من نورٍ… لا تنكسرُ أبدا
هنا يموتُ تعلُّقُكَ بالخلقِ… فيولدُ توحُّدُكَ بالخالق
ألمٌ؟ نعم
لكنَّ الألمَ مِطرقةُ الأنبياء
والجبُّ؟ ما كانَ قبرا
كانَ دهليزَ العرشِ… وبابَ التمكين
يوسفُ دخلَهُ عبداً مبيعاً… وخرجَ منه عزيزَ مصر
وأنتَ… ستدخلُهُ مكسوراً… وتخرجُ منهُ مجبوراً
فلا تستعجلِ القافلة
هي تسيرُ الآنَ في الخفاء
نفسُ اللحظةِ التي سقطتَ فيها… كُتبَ وصولُها
لا قبلَكَ… ولا بعدَكَ… بل في ميقاتِ صبرِكَ المختوم
يا من ظنَّ أنَّ السقوطَ نهاية
اعلمْ أنَّ كلَّ هبوطٍ بأمرِ العليِّ… كانَ إعداداً لصعود
والذي سمحَ بجرحِكَ… رأى فيكَ ملكاً يستحقُّ التاج
والذي ابتلاكَ… هيَّأ لكَ خزائنَ لا يمسُّها إلا الصابرون
فاثبتْ في غيابتِكَ… وخذْ منها الدرسَ والبركة
فبعضُ الليالي المظلمةِ ما خُلقتْ لتُتعبَك
خُلقتْ لتصنعَ منكَ إنساناً… لا تُطفئُهُ ظلماتُ الدنيا بعدَ اليوم
واللهُ يراك
في قعرِ بئرِكَ… في دمعةٍ كتمتَها
وفي دعوةٍ رفعتَها بلا صوت
وهو يُرتِّبُ لكَ خروجاً… يليقُ باسمِهِ “الجبار”
يجبرُ فيهِ كسرَكَ… ويرفعُ فيهِ ذكرَكَ… ويُبكي بهِ عيونَ الذينَ ألقوك
واللهُ يقولُ الحقَّ… وهو يهدي السبيل ![]()
بقلم الاستاذ الدكتور فضيل حاج بن عدة

