أرغفة حافلة بالدفء : حين كانت البركة تسكن بيوتنا .. للكاتب أبو عادل وجيه الحاج خليفة

أرغفة حافلة بالدفء: حين كانت البركة تسكن بيوتنا 🥖❤️

ما زالت الذاكرة تحتفظ بتلك التفاصيل الصغيرة التي لم نكن ندرك حينها أنها ستصبح يوماً أثمن ما نملك في قطار العمر ⏳. أتذكر، والقلب يملؤه الحنين، كيف كنا ونحن صغار نسير في طريقنا نحو فرن الحي، ننتظر دورنا بلهفة 🏃‍♂️، حتى إذا ما ناولنا الخباز ربطة الخبز الساخنة، احتضناها بقلوبنا قبل أيدينا، وسرنا بها وكأننا نحمل كنزاً لا تقدره أموال الأرض 🥖✨. كانت رائحة الخبز الزكية المنبعثة منها تسبق خطانا إلى البيت، تملأ الزقاق والدرب وعوداً بالدفء، بالأمان، وبالبركة التي كانت تظلل أيامنا البسيطة 🏡.

في تلك الأيام، لم يكن الرغيف مجرد قُوتٍ نقتات عليه لنكمل يومنا، بل كان رمزاً للمحبة العميقة والصلة النظيفة 🤝. كانت ربطة الخبز توضع في منتصف السفرة، فنفتحها وهي ما زالت تبث دفئها في الأرجاء، وتجتمع العائلة كلها حولها 👨‍👩‍👧‍👦. سفرة لم تكن عامرة بأفخر الأطباق، بل كانت بسيطة للغاية؛ كاسة شاي يفوح منها الحب ☕️، حبات من الزيتون، قطعة جبن، وشيء مما جادت به الحياة في ذلك الحين. لكن، والله، كانت تلك السفرة تسوى الدنيا وما فيها؛ يظللها صوت أبي الحاني الذي يملأ الدار هيبة وأماناً 🤍، وتحرسها عيون أمي وريحتها الطيبة التي تفوق في وفائها كل عطور الوجود 🌸. كانت لمة تشفي الروح، وتجمع شتات الأنفس في زمن لم يعرف التشويش ولا المسافات 🕊️.

اليوم، دارت بنا الأيام وكبُرنا، وتغير من حولنا كل شيء 🍂. صار ريتم الحياة أسرع بكثير، وتوفر الأكل والخبز بشتى الأنواع والأشكال، وأصبح كل أمر بين أيدينا سهلاً وبلمسة زر واحدة 📱. ولكن، يتسلل السؤال المرّ إلى الروح: أين ذهبت تلك الطعمة الطيبة؟ أين غابت تلك اللمة الصادقة؟ وأين رحل ذلك البيت القديم بجدرانه التي كانت تتسع لنا جميعاً بالحب والرضا؟ 🤔💔

الحقيقة القاسية هي أن الخبز لم يتغير، بل نحن الذين كبُرنا، وتغيرت النفوس من حولنا، وغابت وجوه غالية كانت هي السر الحقيقي في طعم الحياة وبركتها 😔. رحلوا ورحلت معهم نكهة الأشياء الطيبة، وتركوا في قلوبنا غصة وشوقاً لا تطفئه السنين 💔 طيفهم يرافقنا، وذكراهم تملأ الفراغ.

يا ليت الزمان يرتد بنا يوماً واحداً إلى الوراء، ليت قطار العمر يقف بنا للحظات عند عتبة ذلك البيت القديم 🚪. لسنا نشتاق لربطة الخبز بذاتها، بل نحن نتوق لتلك اللمة التي لا تُعوّض، لنستنشق رائحة أمي الطاهرة من جديد 🤲، ولنسمع هيبة صوت أبي ونحتمي بظله الدافئ. يا ليتنا نعود يوماً واحداً لنشعر بصدق تلك الأيام وبساطتها، ونعيش ذلك الأمان الحقيقي الذي غادرنا ولم يعد 🩹.

بقلم: أبو عادل وجيه الحاج خليفة 🙏

أضف تعليق