مددت يدي إلى أوتار قلبي فعزفت لحنا لم يكن في الحسبان فارتجت الروح من أول نغمة وعاد وجهك من وراء النسيان
كنت أظنك غائبا عن نبضي فإذا بك تسكن أعمق أعماقي كأنك نجم خبأته السماء في عتمتها ثم اهدتني ضياءه في أشد ليالي اشتياقي
عزفتك لحنا فوق جرح قديم فصار الجرح نافذة إلى عينيك وصار الحنين نهرا لا شاطئ له كلما حاولت عبوره أعادني الموج إلى دفء يديك
يا من تركت على ضفاف القلب ظلك كيف استطاع الغياب أن يبقيك حاضرا وكيف صار الصمت بيني وبينك حديثا طويلا لا يعرف الإنتهاء
أنا لا أكتبك حروفا بل استخرجك من نبض الورق وأسقي بك دفاتري كلما جف في صدري الكلام
فأنت القصيدة حين يعجز الشعر
وأنت المعنى حين يضيق المقام
في كل وتر من أوتاري حكاية منك وفي كل نغمة سر من أسرار هواك حتى القمر حين يطل من نافذتي أشعر إنه يحمل بعض ملامحك ويجلس معي طويلا ليسمع ما عجزت عن قوله شفتاي
يا عمري ثق إنك لم تكن عابرا في حكايتي كنت الفصل الذي غير شكل الكتاب والأغنية التي كلما انتهت أعادها قلبي من البداية رغم الغياب
رحلت أنت وبقيت محطاتك في دمي كأن الزمن مر من هنا وترك حقائبه في أعماقي ثم مضى
وما زلت كلما أغمضت عيني وجدتك بين جفوني وشما لا تمحوه السنون
وكلما حاولت أن اطوي صفحة حضورك استيقظت منك قصيدة جديدة
فلا تسألني لماذا ما زالت أوتاري
تعزف فبعض الألحان لا تنتهي برحيل أصحابها وبعض العشق لا يحتاج إلى حضور
يكفيه قلب حفظ ملامح الغائب حتى صار الغياب فيه نوعا أخر من الحضور
وها انا كلما جاء الليل أشعل في روحي قنديلا وأمسك قلمي ثم أترك قلبي يعزفك من جديد
فأنت اللحن الذي لم يسدل عليه الستار وأنت القصيدة التي كلما ظننت أنني فرغت منها اكتشفت أن قلبي لم يكتب بعد أجمل سطورها
رحلة الإنسان في هذه الحياة ليست مجرد أرقام تُطوى على تقويم السنين، بل هي نغمةٌ إلهية تُعزف على أوتار الوجود، وتبدأ بنبضةٍ سارية في عتمة الرحم لتنتهي بنورٍ يفيض نحو الأبدية.
**فجر الطفولة**
تتفتح الحياة كزهرةٍ يندى عليها الفجر، يحلّق الطفل في فضاء البراءة بأجنحةٍ من نقيّ السحاب. في هذه المرحلة، يسكب الخالق في أرواحنا سرّ الدهشة، فتغدو أيدينا الصغيرة تحاول لمس السماء، وعيوننا تقرأ العجائب في قطرة ماء. إنها مرحلة الغرس الأول، حيث تتجذَّر في فطرتنا طهارة الشغف والقدرة على الحب دون قيد أو شرط.
**ربيع الشباب: توهّج السعي**
ثم تتسلل الشموس إلى العروق، فيستيقظ ربيع الشباب ممتلئاً بالعنفوان. هنا يتحول الإنسان إلى شراعٍ يتحدى الرياح، ويبحث عن ذاته بين طيات المجهول. الشباب هو ميقات الحركة والبناء، حيث تُصقل الروح في أتون التجارب، وتتعلم كيف تحوّل العثرات إلى جسور. في هذا الربيع، يدرك العقل أن الحياة لم تُوهب له ليعيشها هباءً، بل ليغرس فيها بصمةً يتردد صداها في أروقة الزمان.
**خريف الكهولة: حكمة الحصاد**
ومع تدفق السنين، يحلّ خريف العمر لا ليعلن النهاية، بل ليزيح الستار عن الحكمة المتفردة. تطوى أوراق الشغف الصاخب، لتفسح المجال لسكون العارفين. تجاعيد الوجه ليست سوى خريطة لانتصاراتٍ وانكساراتٍ خاضتها الروح بشجاعة، والكهولة هي مرحلة الحصاد؛ حيث تجلس النفس على عرش الطمأنينة، ترقب العالم ببعينِ المحبة والتسامح، وتفيض نضجاً وإشراقاً على من حولها.
**لماذا خُلقنا؟**
إن الدائرة لا تكتمل إلا بالإجابة عن السؤال الخالد الذي يهمس في عمق كل روح: لماذا خُلقنا؟ لم نُخلق لنكون عابري سبيل يمرون بغير أثر، بل خُلقنا لنكون خلفاء النور في الأرض؛ لنعمر الكون بجمال أفعالنا، ونطبّب جراح السائرين، ونتصل بالمصدر الإلهي الذي منه نبعنا وإليه نعود.
إن غاية وجودنا هي العبادة في أبهى صورها: عمارةٌ بالحب، وسعيٌ بالخير، وإدراكٌ متجدد بأن كل مرحلة نمر بها هي محطة لتزكية الروح وإعدادها لرحلتها الكبرى نحو السلام المطلق.