رحلة الإنسان في الحياة .. للكاتبة شيرين

رحلة الإنسان في هذه الحياة ليست مجرد أرقام تُطوى على تقويم السنين، بل هي نغمةٌ إلهية تُعزف على أوتار الوجود، وتبدأ بنبضةٍ سارية في عتمة الرحم لتنتهي بنورٍ يفيض نحو الأبدية.

**فجر الطفولة**

تتفتح الحياة كزهرةٍ يندى عليها الفجر، يحلّق الطفل في فضاء البراءة بأجنحةٍ من نقيّ السحاب. في هذه المرحلة، يسكب الخالق في أرواحنا سرّ الدهشة، فتغدو أيدينا الصغيرة تحاول لمس السماء، وعيوننا تقرأ العجائب في قطرة ماء. إنها مرحلة الغرس الأول، حيث تتجذَّر في فطرتنا طهارة الشغف والقدرة على الحب دون قيد أو شرط.

**ربيع الشباب: توهّج السعي**

ثم تتسلل الشموس إلى العروق، فيستيقظ ربيع الشباب ممتلئاً بالعنفوان. هنا يتحول الإنسان إلى شراعٍ يتحدى الرياح، ويبحث عن ذاته بين طيات المجهول. الشباب هو ميقات الحركة والبناء، حيث تُصقل الروح في أتون التجارب، وتتعلم كيف تحوّل العثرات إلى جسور. في هذا الربيع، يدرك العقل أن الحياة لم تُوهب له ليعيشها هباءً، بل ليغرس فيها بصمةً يتردد صداها في أروقة الزمان.

**خريف الكهولة: حكمة الحصاد**

ومع تدفق السنين، يحلّ خريف العمر لا ليعلن النهاية، بل ليزيح الستار عن الحكمة المتفردة. تطوى أوراق الشغف الصاخب، لتفسح المجال لسكون العارفين. تجاعيد الوجه ليست سوى خريطة لانتصاراتٍ وانكساراتٍ خاضتها الروح بشجاعة، والكهولة هي مرحلة الحصاد؛ حيث تجلس النفس على عرش الطمأنينة، ترقب العالم ببعينِ المحبة والتسامح، وتفيض نضجاً وإشراقاً على من حولها.

**لماذا خُلقنا؟**

إن الدائرة لا تكتمل إلا بالإجابة عن السؤال الخالد الذي يهمس في عمق كل روح: لماذا خُلقنا؟ لم نُخلق لنكون عابري سبيل يمرون بغير أثر، بل خُلقنا لنكون خلفاء النور في الأرض؛ لنعمر الكون بجمال أفعالنا، ونطبّب جراح السائرين، ونتصل بالمصدر الإلهي الذي منه نبعنا وإليه نعود.

إن غاية وجودنا هي العبادة في أبهى صورها: عمارةٌ بالحب، وسعيٌ بالخير، وإدراكٌ متجدد بأن كل مرحلة نمر بها هي محطة لتزكية الروح وإعدادها لرحلتها الكبرى نحو السلام المطلق.

#دشيرين

أضف تعليق