طواف النور .. بقلم الشاعر د. بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

« طَوَافُ النُّور »

من الكامل

سَكَنَ الوُجُودُ وَمَا سَكَنْتُ لِأَنَّنِي

أَبغِي بِبَحرِ المُكرُمَاتِ قَرَارَا

يَا نُورَ نُورِي، كَيْفَ أَخْفِي لَوْعَتِي

وَالوَجْدُ فِي قَلبِيَّ شَبَّت نَارَا؟!

أَنَا مَا أَتَيْتُكَ بِالعُلُومِ، وَإِنَّمَا

بِفُؤَادِ طِفْلٍ يَرْتَجِيكَ جِوَارَا

فَامْحُ الكَثَافَةَ عَنْ سَرَائِرِ مُهْجَتِي

حَتَّى أَرَاكَ بِخَلْوَتِي وَجِهَارَا

مَا زِلْتُ أَطْرُقُ بَابَ عَفْوِكَ بَاكِيًا

وَأُذِيبُ فِي طَلَبِ الرِّضَا الأَعْمَارَا

فَإِذَا رَحِمْتَ الحَائِرِينَ بِفَضْلِكَ

فَاجْعَلْ حَيَاتِي فِي هَوَاكَ دِثَارَا

وَخُذِ الفُؤَادَ مِنَ الوجُودِ وَأَهْلِهِ

كَيْ لَا يَرَى فِي العَالَمِينَ دِيَارَا

فَإِذَا رَضِيتَ فَكُلُّ شَيْءٍ هَيِّنٌ

وَإِذَا حَجَبْتَ فَمَا وَجَدْتُ قَرَارَا

هَذَا دُعَائِي لَا أُرِيدُ سِوَاكَ

حَسْبِي بِقُرْبِكَ يَا كَرِيمُ فَخَارَا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فَامْحُ الكَثَافَةَ عَنْ سَرَائِرِ مُهْجَتِي

أي: أزل يا رب ما تراكم على باطن قلبي من حجبٍ وأكدار وعلائق، حتى تصفو السرائر وتتجلى فيها أنوار القرب والمعرفة

فالكثافة هنا يمكن أن تُفهم على عدة وجوه متقاربة :

كثافة النفس: أي شواغل الأنا، والعُجب، والالتفات إلى الذات .

كثافة المادة: التعلق بالدنيا والمحسوسات حتى تغلب على البصيرة .

كثافة الحجاب: تراكم الغفلات والذنوب والعلائق التي تمنع انكشاف النور .

كثافة الطبع البشري: ما يقابل اللطافة الروحية والشفافية القلبية

ولهذا يقابل الصوفية غالبًا بين الكثافة واللَّطافة؛ فكلما صفا القلب من كدورات النفس ولواحق الحس صار ألطف وأرقّ وأقدر على تلقّي الأنوار الإلهية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النروج 1/11/2026

د. بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

من ديواني شطحات بحة الناي الصوفية

شكت المليحة قصائدي .. بقلم الشاعر خليل الحكمي

شَكَتِ المَلِيحَةُ قَصائِدِي

شكت المليحة قصائدي

وعمقها وسحرها

قالت عن أخيلتي جنون

وعن هوسي غموض يلفها

وأحرفي لغة من النجوى

وتعجبت كيف أصوغها

كيف أنقش

على طرف الرسائل عطرها

كيف أقول أنا ضد الشعر

وبالشعر أغزو دلالها

وأفتنها في عقر جمالها

وأصيبها جدًا

في خيالها

كيف أرسم على كفي ثغرها

و بشجني الولوع أحاصر خدرها

كيف أباعد بين عتمات دموعي

وفي حدقة العين أضمها

حارت مليحتي وما سكنت

وكالموج ثارت ثورتها

تعاتبني تسألني

تستدرج عظمة توددي

يا سيد الشعر..

والكلمات…

تلك القصائدُ …

قُل لي بربك

كيف قلتها؟

ويا عجبًا!!!

كم تتقن المطر من القوافي

وفي جهة أنت لها برقها

وهل يا ترى

تبدو مغرمًا

مظلومًا

أو وسيمًا يقول الشعر

أو عاشق يحب غنجها

وفي المعاني كيف تبحر

وبلا أسوار كيف تحيطها

وهل طال عنك يوما هجرها

وهل تشتاق لك هي … أو تظنها

وكم مرة قَلَوْتَها

وكم مرة بلا عتب عاتبتها

يا سيد الشعر ..

وهل اكتفيت

وهل بلغ نسك الهوى منازلها

أظنني يا مليحتي ..

متيمًا بغرورها

لا أقول الشعر إلا أن تبدت…

أو اذهلني مرورها

أنا لست شاعرًا ..

إنما ينطقني بعد الله قوة حسنها.

خليل الحكمي

التلاعب بالأفكار .. بقلم الكاتب عبد الرحيم الهيكي

التلاعب بالأفكار

__(-) ___(-) __

_ المقدمة..

يعد التلاعب بالأفكار من الظواهر التي تؤثر في وعي الإنسان واستقرار المجتمع فكثيرا ما يتعرض أصحاب الأفكار الناجحة لمحاولات التشكيك والتضليل بهدف دفعهم إلى التراجع عما يؤمنون به أو التخلي عن أهدافهم. وقد يكون هذا التلاعب وسيلة لإحباط الطموح وتعطيل الإنجاز بدلا من تشجيع التطور والبناء. فليس كل من يناقشك يريد تصحيح فكرتك وليس كل من يعارضك يبحث عن الحقيقة لذلك يجب أن نميز بين النقد الذي يصنع النجاح والتلاعب الذي يهدمه.

_ إشكالية البحث..

تتمثل إشكالية البحث في خطورة التأثير السلبي على تفكير الإنسان وما يترتب عليه من فقدان الثقة والتردد في اتخاذ القرارات الأمر الذي قد يؤدي إلى ضياع الفرص وتعطيل الأهداف. ومن هنا تبرز أهمية الثبات على الأفكار السليمة مع تقبل النقد البناء الذي يساعد على التطوير والتقدم.

_ مفهوم التلاعب بالأفكار..

هو استخدام التضليل والتأثير النفسي والمعلومات المغلوطة لتغيير قناعات الإنسان أو تشويش تفكيره بهدف توجيهه إلى قرارات لا تخدم مصلحته. وقد يبدأ بكلمة محبطة أو تشكيك متكرر ثم يتحول إلى وسيلة لإضعاف الإرادة وزعزعة الثقة بالنفس.

_ أضرار التلاعب بالأفكار..

لا تتوقف أضرار التلاعب عند حدود الفرد بل تمتد إلى المجتمع فهو يزرع الشك ويضعف روح المبادرة ويجعل أصحاب المواهب يترددون في تنفيذ مشروعاتهم. كما يؤدي إلى القلق وفقدان الثقة واضطراب العلاقات وقد يهدم عملا استغرق سنوات من الجهد بسبب أفكار مضللة لا تستند إلى الحقيقة.

_التوصيات..

١_عدم الانسياق وراء الأفكار الخبيثة أو المعلومات المضللة.

٢_التمسك بالأفكار السليمة مع مراجعتها بالعقل والدليل.

٣_التمييز بين النقد البناء والتلاعب الذي يستهدف الإحباط.

٤_تعزيز الثقة بالنفس وعدم السماح للآخرين بهدم الطموح.

٥_نشر الوعي الفكري وتشجيع الحوار القائم على الاحترام والحجة.

٦_المضي قدما في تحقيق الأهداف النافعة لبناء مجتمع واع وقادر على التقدم.

_ النهاية..

إن التلاعب بالأفكار خطر يهدد وعي الإنسان ويعرقل مسيرة النجاح ولذلك فإن حماية العقول مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والمجتمع والقانون. ومن الضروري وضع الأطر القانونية التي تجرم صور التضليل والاحتيال والتلاعب الضارة مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير والنقد المشروع.

فالعقول لا تبنى بالتشكيك والنجاحات لا تتحقق بالإحباط ومن أراد الإصلاح فليقدم الدليل ومن أراد التقدم فليحترم عقول الآخرين. وتذكر دائما أن الفكرة الناجحة لا تخشى النقد لكنها لا تستسلم للتضليل.

إعدادي.

الكاتب عبدالرحيم الهيكي

التاريخ ١/١١/٢٠٢٦

أخطر من الأعداء .. بقلم الشاعر عبد الغني علي سعيد محمد السامعي

أخطرُ من الأعداء

/////////

لا تقربِ اللئيمَ.. فإن لامستَهُ

أدمى يديكَ، وأقرحَ الجراحا

يقولُ أبو عاصفَ: إن جارَ الزمانُ

فالعهدُ باقٍ، مُحكمٌ مفتاحا

الصقرُ يعرفُ مجدَهُ قبلَ طرحِهِ

يأوي إلى العلياءِ، ما أدنى جناحا

شامخُ الرأسِ، ما لهُ بينَ قومِهِ

مُتكأٌ، وتُكرمُ الأرضُ ساحا

يأوي معَ الأشرافِ، يسرحُ حيثما

سرحوا، ويأنسُ حينَ يلقى الراحا

فإذا تغيَّبَ عنهمُ، غابَ السرورُ

وغابَ عنهم أُنسُهم وارتاحا

ومن يكنزُ الأصفرَ لا يربحُ بهِ

فكنزُ الرجالِ هو الذي ما طاحا

إخوانيَ الأغلى، فلا أرضى بهم

بدلاً، ولا تحلو الحياةُ بلا صاحا

والعزمُ في أخواليَ الأمجادِ، إذْ

رجحَ الميزانُ بهم، ولاحَ فلاحا

بينَ القبائلِ فزعتهم لمّاحةٌ

وعندَ الشدائدِ تُشعلُ الأفراحا

قالَ الكريمُ: أنا بكنزِ رجالِهم

أطمحُ، ومن يرتزْ بهم ما طاحا

ومن يبعْ صحباً لأجلِ دراهمٍ

فاللهُ يبتليهِ سُقماً لا صباحا

لأنهُ يصبُّ الملحَ في جرحِ الوفا

ويهينُ نفساً، ثم يخسرُ ساحا

لي في الإخاءِ تاجُ عزٍّ شامخٍ

من دونهِ لا يهنأُ القلبُ انشراحا

مرزحيَ الذي إذا اتكأتُ عليهِ

ظلَّ شامخاً، ما اهتزَّ أو أزاحا

قومٌ إذا ذُكروا، تعطرَ ذكرُهم

مسكاً، وفاحَ عبيرُهم فوّاحا

أصحابيَ الفخرُ الذي أفخرُ بهِ

قومُ الفِعالِ، إذا النوائبُ لاحا

أجوادُ من نسلٍ كريمٍ مُنقّحٍ

يُكرمْ ضيوفاً، يُطعمْ شهداً قِراحا

الصاحبُ الحرُّ كبارودٍ إذا

قرحَ، رفعكَ للسماءِ بلا جناحا

آخذُ برأيهِ، أستريحُ بقربهِ

وتطيبُ نفسي حينَ يبدو مُرتاحا

أما اللئيمُ، فمن كشوفِ الرجالِ امسحهُ

تعرفُ مكرَهُ من حنينٍ أو تنحناحا

يأتيكَ إن صدقَ الزمانُ مُتملّقاً

لا يبتغي إلا الغنائمَ أرباحا

واللهِ إنهُ أخطرُ من الأعداءِ، ولو

أبدى مزاحاً، سمُّهُ لا يُزاحا

أخطرُ من الليلِ البهيمِ، وسيلِهِ

ومن الضحى إن ألهبَ الأرواحا

يا هاجسي، قُلْ ما تراهُ صواباً

ما لي إلى ذمِّ الرجالِ جَناحا

وختمُها صلّوا على خيرِ الورى

طهَ، بهِ القلبُ استنارَ وارتاحا

بقلم الشاعر /

عبدالغني علي سعيد محمد السامعي

أبو عاصف المياس

1 نوفمبر 2026م

كيف ومتى همش الشاعر : من صوت الأمة إلى زينة المشهد .. بقلم الكاتب محمد توفيق رحال

كيف ومتى ولماذا هُمِّش الشاعر: من صوت الأمة إلى زينة المشهد

مقدمة

في سوق عكاظ، كان الشاعر يقف على منصة، والناس حوله صامتون. لم يكن صمتهم احتراماً فقط، بل كان حاجة. كانوا ينتظرون منه أن يقول ما لا يستطيعون قوله: فخرهم، تاريخهم، ألمهم، أملهم. كان الشاعر في ذلك الوقت الصوت الوحيد في فضاء لا أصوات فيه. لم يكن يحتاج إلى منبر، لأنه كان المنبر نفسه.

اليوم، الشاعر يقف على رصيف. حوله ملايين الأصوات: شاشات، منصات، إعلانات، أخبار، تسلية. لا أحد ينتظره. لا أحد يحتاجه. وحين يُستدعى، يُستدعى زينةً: يُجمّل مشهداً لا يُغيّره، يُقال اسمه في مهرجان ثم يُنسى. بين المنبرين قرون، لكن الفرق ليس في الزمن، بل في البنية: بين أمة كانت تحتاج شاعرها، وبنية لا تحتاجه إلا زينة.

هذه المقالة تطرح ثلاثة أسئلة صريحة: كيف هُمِّش الشاعر؟ ومتى بدأ ذلك؟ ولماذا حدث؟ ثم تطرح سؤالاً رابعاً لا مفر منه: ما الذي يبقى للشاعر حين لا يبقى له موقع؟ والفرضية المركزية التي تربط الأسئلة كلها: المشكلة ليست في الشعر، بل في الشروط التي كانت تحتاجه ولم تعد. والتهميش لم يكن حادثاً عابراً، بل عملية تراكمية اكتملت في القرن العشرين، وتعمّقت رقمياً في القرن الحادي والعشرين حتى صار يُفسد الإبداع نفسه، لا يظلم الشاعر فقط.

تنبيه منهجي: هذه المقالة لن تقدّم حلاً. ستقدّم تشخيصاً، ثم إطاراً اجتهادياً للإصلاح، ثم أسئلة دائمة لا تُغلق. من يبحث عن وصفة سحرية لن يجدها هنا، لأن الوصفة السحرية نفسها هي ما ننتقده.

المحور الأول: الشاعر قبل التهميش وظيفة لا مكانة

قبل أن نسأل كيف هُمِّش الشاعر، يجب أن نعرف من الذي هُمِّش. ومن الخطأ أن نختزل تاريخه في “البلاط”. الشاعر لم يكن في البلاط بقدر ما كان في الأمة. وجوده قرب السلطة لم يكن تبعية، بل كان موقع قيادة: هو حافظ الذاكرة، صانع الشرعية، ناقل القيم، مشعل الحماس، موحّد الجماعة. الملك كان يعبر، والشعر كان يبقى. من يخلّد من؟ الملك يحتاج الشاعر ليُخلَّد، لا العكس. السلطة كانت تعبر، والشاعر كان يبقى.

والدليل الحاسم على أن قوة الشاعر لم تكن من السلطة: شعراء الصعاليك. تأبط شراً، الشنفرى، عروة بن الورد كانوا خارج البلاط تماماً، متمردين على القبيلة والسلطة، ومع ذلك كانوا في قلب الأمة: صوت المهمَّشين، ضمير الجماعة، حاملو قيم الكرامة والحرية. لم يكونوا في البلاط، وكانوا أقوى حضوراً من كثير من شعراء البلاط. هذا يثبت أن قوة الشاعر كانت من علاقته بالأمة، لا من قربه من السلطة.

ولهذا كانت تقاس قوة الأمم بقوة شعرائها ليست مجازاً، بل حقيقة بنيوية. كان الشعر البنية التحتية الرمزية للأمة: كما هي اليوم الإعلام والتعليم والقانون مجتمعة. الشاعر لم يكن فناناً بالمعنى الحديث، بل كان مؤسسة بذاته. وسوق عكاظ لم يكن إعلاماً “يعمل بشق الأنفس” فقط، بل كان إعلاماً بلا بديل. الشاعر كان يُسمَع لأن لا شيء آخر يُسمَع.

الخلاصة الجزئية: قوة الشاعر لم تكن من البلاط، بل من وظيفته في الجماعة. وحين تفككت الجماعة، تفككت وظيفته. لم يسقط لأنه خسر البلاط، بل لأنه خسر الأمة التي كان يحملها.

المحور الثاني: متى وكيف بدأ التهميش؟ انتزاع الوظائف

متى بدأ التهميش؟

التهميش لم يحدث في تاريخ واحد، ولم يكن قراراً اتُّخذ في لحظة. كان عملية تراكمية على أربع مراحل:

المرحلة الأولى: مع الطباعة والتعليم انتُزعت من الشعر وظيفة حفظ الذاكرة. لم يعد الديوان وحده الحافظ للنسب والتاريخ والقيم؛ صار الكتاب المطبوع، ثم المدرسة، ثم المنهج. خسر الشاعر أول وظائفه: أن يكون أرشيف الأمة.

المرحلة الثانية: مع الصحافة والإذاعة والتلفزيون — انتُزعت منه وظيفة الإعلام. لم يعد الصوت الوحيد. صار الخبر يُنقل بغير شعر، والصورة تُغني عن الصورة الشعرية. خسر الشاعر وظيفته الثانية: أن يكون صوت الحدث.

المرحلة الثالثة: مع الدولة الحديثة والقانون المكتوب انتُزعت منه وظيفة التشريع والعلاقة بالسلطة. لم يعد الشاعر من يشرّع للحرب أو يوحّد القبيلة أو يمنح الشرعية. صار القانون المكتوب والمؤسسة الحديثة هما الفاعل. خسر الشاعر وظيفته الثالثة: أن يكون شريكاً في إنتاج الشرعية.

المرحلة الرابعة: مع المنصات الرقمية

انتُزع منه حتى احتكار الكلمة، ثم أُغرِق صوته في ضجيج لا نهاية له. خسر الشاعر وظيفته الأخيرة: أن يكون الصوت الذي يُسمَع.

اكتملت العملية في القرن العشرين، وتعمّقت رقمياً في القرن الحادي والعشرين. التهميش ليس حدثاً، بل مسار.

كيف هُمِّش الشاعر؟

هُمِّش الشاعر بثلاث آليات، لا آلية واحدة:

أولاً: انتزاع الوظائف واحدة واحدة. في كل مرة كانت مؤسسة جديدة تؤدي وظيفة كان الشعر يؤديها، كان الشعر يخسر موقعاً. لم يُطرد، بل أُعفي. وهنا المفارقة القاسية: حين كان الشاعر قائداً، كان أيضاً رهينة. قوته كانت قوة مُعارة، لا مملوكة. اليوم، حين سقط إلى التراب الجاف، صار حراً لكن حراً بلا جمهور، بلا تمويل، بلا سلطة. حرية قاسية: حرية من لا يسمعه أحد.

ثانياً: الإغراق لا المنع. لم يُمنَع صوت الشاعر، بل أُغرِق في بحر من المنصات. والفرق بين أن يُمنَع الصوت وأن يُغرَق الصوت جوهري: الأول يُقاوَم، والثاني لا يُلاحَظ. والإغراق هنا لا يصيب شاعراً واحداً ولا اثنين — بل ملايين الشعراء. وليس في هذا مبالغة: من ينظر إلى المنصات الرقمية يجد عدداً هائلاً من القصائد تُنشر يومياً، ومع ذلك لا يصل منها إلى الوعي العام إلا أقل من القليل. العدد الهائل نفسه هو الدليل: حين يصبح التهميش بهذا الحجم، فهو لم يعد سوء حظ فردي، بل نظام.

ثالثاً: الاستدعاء الزينة. حين يُستدعى الشاعر اليوم، يُستدعى زينةً: وظيفتها أن تُجمّل المشهد لا أن تُغيّره. والشاعر الذي يُستدعى ليُجمّل، يُستدعى بشرط ألا يقول ما يزعج. أي أنه يُستدعى ليكون غائباً وهو حاضر حضور شكلي، غياب فعلي. وهذا لا يحدث لشاعر واحد في مهرجان واحد، بل ظاهرة جماعية: مهرجانات تُستدعى فيها أسماء كثيرة، تُقرأ، تُصوَّر، ثم تعود إلى الهامش. العدد الكبير هنا ليس تفصيلاً، بل جوهر الحجة: الاستدعاء الزينة يحدث بالملايين، والتهميش يحدث بالملايين، والنمط نفسه يتكرر. الشاعر الفرد ليس حالة، بل عينة من قاعدة.

والفرق الجوهري الذي يجب ألا نغفله: شاعر الأمس كان داخل مشروع جماعي قائم يمدح لينهض بالجماعة، يشرّع للحرب، يوحّد القبيلة. كان يبني شيئاً خارج ذاته. شاعر اليوم لا مشروع له إلا نفسه. ومن لا مشروع له إلا نفسه، لا ينهض بأمة ينهار وحده. الأول يبدع داخل قالب. الثاني يبدع داخل فراغ والفراغ لا يُنتج نجوماً، بل يُنتج هائمين.

المحور الثالث: لماذا هُمِّش الشاعر؟ بنية السلطة والمال والإعلام

هُمِّش الشاعر لماذا؟ لأن البنية الجديدة لم تعد تحتاجه. السلطة تكفيها الإعلام، والمال تكفيه الدعاية، والجمهور تكفيه التسلية. الشاعر لم يُستبعَد لأنه ضعيف، بل لأنه غير ضروري لمن يدير المشهد.

ما يحضر اليوم ليس الشاعر، بل ما يخدم السلطة والمال. الإعلام موجود بكل أبعاده، لكن صوت الشاعر لا يُسمَع ليس لأن المنصة سُلبت منه، بل لأنها أُغرِقت. والفرق بين منع الصوت وإغراقه أن الأول يُقاوَم، والثاني لا يُلاحَظ.

وهنا يجب أن نكون دقيقين: التهميش ليس عطباً في الشاعر، بل شرط مفروض عليه من خارج قدرته. لا وصفة تُلغي شرطاً لم تصنعه. وكل الوصفات السحرية” التي تُقدَّم للشاعر حوّل جرحك إلى نص، ابنِ فضاءً بديلاً، فكّك الخطاب المهيمن، احفظ الذاكرة، قاوم جمالياً — كلها تعمل كأن التهميش عطب يُصلَح بخطوات. لكن التهميش بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية، لا حالة نفسية يحلّها الوعي.

وهنا خطر يجب تسميته: خطر “الهامش المستقر”. حين يحوّل الشاعر الإقصاء إلى هوية إبداعية دائمة، قد يقع في فخّ: يصبح التهميش شرطاً لإنتاجيته، فيصير مستثمِراً فيه بدل مقاومته. هنا يتحول “سلاح الهامش” إلى قفص مريح. والمقاومة الرمزية فردية بطبيعتها، والتهميش بنية جماعية. الفرد قد يُنتج وعياً، لكنه لا يُغيّر شروط الإنتاج.

الخلاصة الجزئية: لا يوجد مخرج فردي من تهميش جماعي. ومن يدّعي غير ذلك يبيع وصفة أخرى. لكن هذا لا يعني ألا حل — بل يعني أن الحل جماعي: بناء منابر مستقلة، تنظيم نقابات، تحالف مع حركات أخرى، تمويل بديل، تعليم، أرشفة وترجمة. هذه ليست وصفة سحرية، بل عمل طويل بطيء بلا ضمانات. لكنها الشيء الوحيد الذي غيّر شروط التهميش تاريخياً.

المحور الرابع: الإثارة — الخصم الجديد

ما يسمّيه الإعلام “إثارة” ليس محتوى، بل آلية: صدمة سريعة، مكافأة فورية، تكرار مكثف، لا أثر باقٍ. الشعر بنيته معاكسة تماماً: بطيء، متراكم، يحتاج صبراً، أثره يتشكّل على مهل. لا يمكن للشعر أن ينافس الإثارة في ميدانها — لأنه لو فعل، لصار إثارة، أي لصار غير شعر.

والمفارقة أن الإثارة تفوز لأنها رخيصة: تُنتَج بسرعة، تُنسى بسرعة، لا تطالب المتلقي بشيء. الشعر خلاف ذلك: يُنتَج ببطء، يُقرأ بجهد، يُطالب بالانتباه. والإنسان — في زمن الإثارة — يهرب من كل ما يطالبه بجهد. فليس الشاعر مهمَّشاً فقط، بل الشعر نفسه غير قابل للاستهلاك السريع — وهذه ليست نقيصة، بل طبيعته.

لكن هنا يجب أن نكون صادقين إلى النهاية: لا يجب أن نلوم الإثارة فقط. الشعر أيضاً فقد قدرته على المفاجأة. لم يعد يصدم، لا لأنه أضعف، بل لأنه اعتاد أن يكون متوقعاً: نفس الصور، نفس اللغة، نفس المواضيع، نفس العلاقة المحفوظة مع القارئ. الإثارة تفوز اليوم لأن الشعر — في كثير من حالاته — لم يعد يُفاجئ حتى من يحبه. ومن لا يفاجئ، لا يُستمع إليه، لا في الإعلام ولا خارجه.

الشعر لا يحتاج إثارة رخيصة، لكنه يحتاج الصدمة الجمالية: اللغة التي تُربك، الصورة التي تُقلق، الفكرة التي تُهدّد يقين القارئ. هذا نوع من الإثارة أعمق وأبقى — لكنه لا يُنتَج بسهولة، ولا يُسوَّق بسرعة. المشكلة ليست أن الشعر لا يثير، بل أن الشعر لم يعد يجرؤ على إثارة ما يزعج. الإثارة السائدة تُزعج ولا تُقلق. الشعر يجب أن يُقلق.

المحور الخامس: تردي الشعر التهميش كسبب للإفلاس الإبداعي

هنا نصل إلى النتيجة الكارثية، وإلى قلب المقالة. التهميش لا يُنتج فقط شاعراً منسياً، بل يُنتج شعراً رديئاً بالجملة. لأن الشاعر حين يُقصى من وظيفته، يفقد معياره: من يكتب له؟ ولماذا؟ وحين لا يكون هناك جمهور حقيقي ولا مشروع، تصبح الكتابة استجابة لفراغ، والفراغ يُنتج تكراراً.

انظر إلى المشهد: كل يوم تُكتب ألف قصيدة، وربما مليون. كلها تحمل فكرة واحدة، نفس النمط، نفس الكلمات، نفس القالب مع بعض التغييرات: حب، شوق، حنين، وصف جسدي أو حركي، وبعض الموضوعات المكررة والمملة. هذا الكم الهائل ليس دليل حيوية، بل دليل غياب المعيار. حين لا توجد سلطة نقدية ولا جمهور يميّز، تصبح الكتابة نشراً بلا فلترة. والوفرة هنا ليست غنىً، بل تضخّماً: كلمة تُقال ألف مرة حتى تفقد معناها.

ولنأخذ نموذجاً نمطياً لا شاعراً بعينه، بل القالب الذي يتكرر: قصيدة تبدأ بنداء (يا حبيبتي)، تنتقل إلى وصف الشوق، تستعير صوراً جاهزة (الليل، البحر، الدمع، الغياب)، وتنتهي بسؤال بلاغي. أين الجديد هنا؟ أين المستقبل؟ أين الآخر الذي يفرض على الشاعر أن يقول ما لم يُقل؟ القصيدة لا تكشف شيئاً، بل تُعيد ترتيب ما قيل. وهي لا تُقرأ، بل تُستهلك: تُمرّ عليها العين كما تُمرّ على إعلان.

والموضوعات المكررة ليست اختياراً، بل نتيجة. الحب والشوق والحنين ليست مواضيع سيئة، بل مواضيع سهلة. والسهولة ليست في الموضوع، بل في غياب ما يفرض الموضوع الصعب: لا قضية، لا مشروع، لا جماعة تنتظر من الشاعر شيئاً. الشاعر حين لا يُطلب منه شيء، يكتب ما يُريح والراحة تُنتج التكرار.

ثم هناك الإفراط في استهلاك اللغة والمجاز والصور. هذا الإفراط ليس غنىً لغوياً، بل إفلاس فكري: حين لا تكون هناك فكرة تستحق اللغة، تُستهلك اللغة نفسها. الصورة التي لا تخدم معنىً تصبح زينة تماماً كما يُستدعى الشاعر زينةً. الشعر يقلّد وضعه: صار زينةً لنفسه. والنتيجة: قصيدة تُقرأ ولا تُترك أثراً، لأنها تُستهلك كالإثارة: سريعاً، وبلا بقاء.

وهنا يجب أن نعود إلى وظيفة الشاعر الحقيقية: ليست وصف الحاضر ولا تكريره، بل العبور نحو المستقبل. رؤية، شكل جديد، لغة لم تُقل، سؤال لم يُطرح. الشعر الذي يكرر الحب والشوق يكتب الماضي، لا المستقبل. ومن لا يكتب المستقبل، لا يُنتج إبداعاً يُنتج استهلاكاً: استهلاك اللغة، الصور، اللحظات، ووقت القارئ. اللحظات التي تُصرف على القراءة يجب أن تُعوَّض بأثر، لا باستهلاك. القصيدة التي تأخذ منك وقتاً ولا تترك أثراً هي سرقة مؤدبة.

لكن هنا يجب أن نكون دقيقين، وإلا صرنا نُبرّر: التهميش يفسّر التردي، لكنه لا يُبرّره. الشاعر المهمَّش مسؤول أيضاً عن ألا يكرر نفسه، عن أن يبحث عن شكل جديد، عن أن يخلق معياره بنفسه. التهميش شرط قاسٍ، لكنه ليس عذراً كاملاً. ومن يقول “أنا مهمَّش إذاً لا حيلة لي” يكرر منطق الوصفة السحرية من الجهة المقابلة. الإبداع يحتاج الآخر، نعم لكنه يحتاج أيضاً إرادة الشكل، وهي لا تُمنَح، بل تُبنى.

والربط الجوهري: التهميش لا يظلم الشاعر فقط، بل يُفسد الإبداع نفسه. لأن الشاعر المهمَّش، حين لا يجد من ينتظره، يكتب لنفسه ومن يكتب لنفسه فقط، يكرر نفسه. الإبداع يحتاج الآخر: جمهوراً، ناقداً، مشروعاً، مقاومة. بلا آخر، لا يوجد إبداع يوجد صدى. إذاً الحلقة المغلقة: تهميش → غياب المعيار → تكرار → تردٍّ → استهلاك → نسيان. وتردي الشعر ليس سبباً للتهميش، بل نتيجة له. ومن يريد شعراً أفضل، لا يكفيه أن يطالب الشاعر بالإبداع عليه أن يبني الشروط التي تجعل الإبداع ممكناً: جمهوراً، نقداً، مشروعاً، معياراً.

المحور السادس: حدود المقاومة الرمزية

كل ما يُقال للشاعر عن المقاومة يبدو جميلاً: حوّل جرحك إلى نص، ابنِ فضاءً رمزياً بديلاً، فكّك الخطاب المهيمن، احفظ الذاكرة، قاوم جمالياً. وكلها أفعال حقيقية، لكنها تبقى مقاومة رمزية. والتهميش، كما قلنا، بنية مادية واجتماعية وسياسية، لا حالة نفسية يحلّها الوعي.

والمشكلة الأعمق: كل هذه الأفعال تفترض وجود متلقٍّ. لكن التهميش غالباً يُنتج انعدام المنابر والتوزيع والترجمة والنقد. الشاعر قد يكتب أفضل نص مقاوم ولا يصل إلى أحد فيبقى الحضور النصي بلا حضور اجتماعي. والاعتراف، حين يُمنَح، يُمنَح من المركز: الجوائز والنشر والتصنيف الأكاديمي تُدار بآليات المركز نفسه. الشاعر المهمَّش قد يُقبل فقط بشرط “الترويض”: أن يُقرأ كـ”صوت الهامش” الذي يريح المركز، لا كصوت يهدده.

وحتى الفعل الفردي، مهما اتسع، لا يغيّر بنية توزّع الاعتراف. وهنا يظهر الفرق بين “الشاعر المقاوم” و”الحركة الثقافية”. الفرد قد يُنتج وعياً لكنه لا يُغيّر شروط الإنتاج. وهذا يدفعنا إلى الاعتراف الصادق: الشعر لا يكفي. لا لأنه ضعيف، بل لأن التهميش ليس مشكلة نصية تُحلّ بالنص. وأصدق موقف هو القول: لا أعرف ماذا أفعل وهذا ليس استسلاماً، بل رفض لتزوير الحلول.

المحور السابع: ما الذي يبقى؟ موقع غير الضروري

إذا كان كل ما سبق صحيحاً، فماذا يبقى؟ يبقى شيء واحد لا يلتهمه التهميش: أن يرفض الشاعر أن يكون مهمَّشاً في وعيه، حتى وهو مهمَّش في الواقع. أي أن يفصل بين الموقع الذي يُفرَض عليه، والموقع الذي يختاره لنفسه. الأول لا يملكه، والثاني لا يستطيع أحد انتزاعه منه.

وهذا يفتح سؤالاً أخيراً: من قال إن على الشاعر أن يكون مفيداً؟ منطق الفائدة ينتمي إلى خطاب المركز الإنتاجي نفسه. قد يكون التمسك بمعيار الفائدة استدراجاً لقياس الشاعر بأدوات مُقصِيه. وحين لا يُغيّر النص شيئاً، يبقى فعل الكتابة نفسه شهادة على أن أحداً لم يصمت. الشهادة ليست حلاً، لكنها رفض لمحو التجربة. وقيمة الشهادة لا تُقاس بالنتيجة، بل بحدوثها.

لكن غير الضروري خطر أيضاً. الخطر أن يتحول إلى عزلة مريحة: أن يقول الشاعر “أنا غير ضروري” ثم يجلس وحده يكتب لدرج، ويسمّي عزلته مقاومة. والفرق بين الرفض والاستسلام دقيق: الرفض أن تعرف أنك غير مطلوب وتكتب رغم ذلك. الاستسلام أن تقتنع بأنك غير مطلوب فتتوقف عن محاولة أن تُسمَع.

فما الذي يجعل غير الضروري حضوراً لا غياباً؟ أن يكتب مع آخرين، لا وحده جماعة صغيرة تكفي. أن يحفظ ذاكرة لا يحفظها أحد. أن يقول ما لا يُقال — ولو لم يسمعه أحد اليوم، فهو مكتوب. أن يبني شكلاً جديداً لا يخدم منطق الفائدة: نص لا يُسوَّق، لا يُكافئ، لا يُستدعى.

لكن هنا يجب أن نعترف بحدود هذا الموقع: “غير الضروري” هو حد أدنى للنجاة، لا إصلاح. النجاة لا تبني أمة. من يقف عند “أنا غير ضروري وأكتب” يكون قد نجا فردياً، لكنه لم يُغيّر شروط التهميش لأحد. والانتقال من النجاة إلى الإصلاح هو ما ننتقل إليه الآن.

المحور الثامن:

الإصلاح ليس فردياً — خطة أخلاقية شاملة، ومنهج مرحلي

8أ – الإصلاح خطة أخلاقية شاملة

كل ما قيل عن المقاومة الرمزية والموقع الفردي هو نجاة، لا إصلاح. والنجاة الفردية، مهما تكررت، لا تُنتج أمة. الإصلاح الحقيقي أكبر من فرد، وأكبر من جماعة قليلة. هو خطة أخلاقية شاملة تبني الأمة والدولة — بل قد تتخطى الأمة إلى العالم، لأن الأخلاق لا تعرف حدوداً.

ومن يتولاه؟ قادة الفكر، بوصفهم الأهل لذلك عبر العصور. أي أن الإصلاح ليس اختراعاً جديداً، بل استئناف لتقليد قديم: تقليد من حملوا مسؤولية الفكر والأخلاق في أممهم، وبنوا الشروط التي يصبح فيها للشعر وظيفة، وللفكر موقع، وللأخلاق سلطة. الإصلاح بهذا المعنى ليس مشروعاً ثقافياً فقط، بل مشروع إعادة إنتاج الشروط.

لكن هنا يجب أن نكون ناقدين لا مجاملين وهذا الطرح يحمل ثلاث نقاط هشة:

الأولى: من يعيّن “قادة الفكر”؟ إذا قلنا “الأهل لذلك”، فمن يحدد الأهلية؟ التاريخ مليء بمن نصّبوا أنفسهم “قادة فكر” وكانوا أدوات سلطة. الخطر أن تصبح “قيادة الفكر” نخبة جديدة تُقصي من لا يشبهها — أي تهميشاً بلباس الإصلاح. والشرط الوحيد الذي يمنع ذلك هو آلية مراجعة مستقلة: من يُقيّم القائد؟ بأي معيار؟ وهل يُقبل نقده؟ خطة بلا تقييم مستقل تصير سلطة جديدة.

الثانية: كيف تُبنى خطة أخلاقية شاملة في زمن لا سلطة فيه للأخلاق؟ نحن وصفنا زمناً تحكمه السلطة والمال والإثارة. فمن يملك أدوات تنفيذ خطة أخلاقية في هذا الزمن؟ الخطة بلا سلطة تنفيذ تبقى نصوصاً جميلة. وهذا هو الفخ الذي وقع فيه كل مصلح. والجواب الصادق: لا نملك ضمان التنفيذ. نملك الشروط، لا النتيجة.

الثالثة: ما موقع الشاعر من الإصلاح؟ إذا كان الإصلاح شاملاً، فأين يقع الشاعر فيه؟ هل يعود أداة في مشروع أخلاقي (أي رهينة جديدة، ولو نبيلة)؟ أم يبقى “غير الضروري” كموقع نقدي حر؟ هذه نقطة يجب حسمها بصراحة، وإلا تناقضت المقالة مع نفسها. والجواب المقترح: الشاعر ليس أداة، بل حارس المعيار. وظيفته في مشروع الإصلاح ليست أن يُجمّل، بل أن يُقلق: أن يمنع المشروع من أن يصير سلطة جديدة. وهذا موقع نقدي داخل الإصلاح لا خارجه.

8ب لكن الخطة تحتاج منهجاً: تساؤلات دائمة، تجديد دائم، مراحل تُقاس

خطط مرحلية ليست شعاراً. كل مرحلة يجب أن تُعرَّف بأربعة أشياء، وإلا كانت أمنية لا خطة:

· الشكل: ما الذي نبنيه في هذه المرحلة؟ (منبر مستقل، مؤسسة تعليمية، تقليد نقدي، جيل جديد)

· طرق العمل: كيف نبنيه؟ (تعليم، تنظيم، تمويل بديل، تحالف، أرشفة وترجمة)

· النتائج: ما الذي يُقاس؟ — ليس الأعداد فقط، بل الأثر: هل تغيّرت شروط الاستماع؟ هل وُلد شكل جديد؟ هل انخفض التكرار؟

· التقييم: من يقيم؟ وبأي معيار؟ وهل يُقبل النقد؟ — لأن خطة بلا تقييم مستقل تصير سلطة جديدة.

وهنا شرطان لا يُتنازل عنهما:

التساؤلات دائمة. المقالة لا تُغلق سؤالها، بل تتركه أداة عمل. السؤال الدائم ليس تردداً، بل آلية تصحيح: كل مرحلة تُراجع نفسها بسؤالها. ومن يظن أن لديه كل الأجوبة، فقد أعلن نهاية عقله.

التجديد دائم. لا شكل نهائي، لا قالب مقدس. كل مرحلة تُنتج شكلها، ثم تُراجعه. التجديد ليس شعاراً، بل شرط بقاء: ما لا يتجدد يُقصى، كما قُصي الشعر حين توقف عن التجديد. والخطة التي لا تُراجع شكلها تصير هي نفسها ما ننتقده: زينة.

والاعتراف الأخير في هذا المحور: نحن نعرف ما يجب أن يُبنى، ولا نملك ضمان أنه سيُبنى. والفرق بين من يعرف الشروط ويعمل بلا ضمان، ومن يعد بالجنة، هو الفرق بين المصلح والواعظ.

خاتمة: الإجابات الثلاث، الاعتراف، والأسئلة الدائمة

كيف هُمِّش الشاعر؟ بانتزاع وظائفه واحدة واحدة، ثم بإغراق صوته لا منعه، ثم باستدعائه زينةً لا فاعلاً وهذا كله يحدث بالملايين، لا بالأفراد.

متى بدأ ذلك؟ على أربع مراحل: مع الطباعة (حفظ الذاكرة)، مع الصحافة والإذاعة (الإعلام)، مع الدولة والقانون (الشرعية)، مع المنصات الرقمية (الكلمة نفسها). اكتملت في القرن العشرين وتعمّقت في الحادي والعشرين.

لماذا هُمِّش؟ لأن البنية الجديدة لم تعد تحتاجه: السلطة تكفيها الإعلام، والمال تكفيه الدعاية، والجمهور تكفيه التسلية. ثم لأن التهميش نفسه صار يُفسد الإبداع، فيُنتج شعراً مكرراً يُعفي أحداً من الحاجة إليه أكثر.

وما الذي يبقى؟ يبقى موقع “غير الضروري كحد أدنى للنجاة، ثم الإصلاح كخطة أخلاقية شاملة تتولاها قيادة فكرية أهل، بمنهج مرحلي يُقاس بالشكل والطرق والنتائج والتقييم بلا ضمان.

والاعتراف: هذه المقالة نفسها نص يُغرَق. نحن نكتب عن الغرق ونحن نغرق. والكتابة عن التهميش قد تكون شكلاً من أشكاله. لكن الاعتراف بذلك لا يُلغيها؛ يُحرّرها من ادعاء المنبر. المقالة لا تعلو على ما تصفه، بل تُحاول أن تُسمّي الغرق بدقة. والصمت يُشرعن الغرق، أما الكلمة فتُسمّيه على الأقل.

والأسئلة الدائمة تُحمل إلى المرحلة القادمة، لا تُغلق هنا:

· من يقود الإصلاح، بأي شرعية، ومن يراجع القائد؟

· كيف تُنفَّذ خطة أخلاقية في زمن لا سلطة فيه للأخلاق؟

· ما موقع الشاعر من الإصلاح: أداة أم حارس معيار؟

· كيف يُقاس الأثر، لا الأعداد؟

· كيف يُمنع تهميش جديد بلباس الإصلاح؟

· كيف يتجدد الشكل دون أن يفقد المعيار؟

هذه ليست خاتمة مغلقة، بل أدوات عمل. ومن يكتب في زمن لا يحدث فيه شيء، يمنع الزمن من أن يمحو إمكانية أن يحدث شيء يوماً. الشعر لا يهزم السلطة والمال لكنه يتوقف عن اللعب بقواعدهما. والإصلاح لا يعد بالجنة لكنه يعمل بلا ضمان. وهذا، في النهاية، كل ما يبقى: أن تقبل أن تكون غير ضروري وتكتب رغم ذلك. وأن تعمل للإصلاح بلا ضمان أنه سيأتي.

هذه المقالة تشخيص وإطار، لا وصفة. قوتها في صدقها، وخطرها أن تُقرأ كحل. من يقرأها كحل، فقد أعاد إنتاج ما تنتقده. ومن يقرأها كأداة عمل، فقد بدأ من حيث تنتهي: بالأسئلة.

محمد توفيق رحال.

سطور أم كلمات في القبور .. بقلم الشاعر محمد عبد الله محمد

بقلمي/محمد عبدالله محمد

سطور ام كلمات فى قبور

كلمات وزن وقايه لكن بلا شعور

ألفاظ ومعانى فى سطور

كلمات بلا احساس ولا مشاعر

كأنها رائحة القبور

لكنى أكتب من قلبى سطور

وكأن كلماتي إليك حروف

تبكى من حنانها السطور

أحبك يا كل قلبى يا

اجمل امرأة رٱها قلبى

دون أن أراك أكتب إليك

تخيلتك دائما بين

حروف من نور

بقلمي/محمد عبدالله محمد

أهواك .. بقلم الشاعر حامد أحمد سيد جاد

✍️…..(اهواكى)….🌺

اهواكى وانتى فى بستانى

زهرة ريحانى وحديث زمانى

اهواكى وكلى لكى شوقى

ونبضى وثورة عشقى وبركانى

اوهبى لكى سكنى حياة يصبح قلبك

اسكنى ومنشائى واوطانى

انا بحبك سر كونى وعالمى وسرى ونجوى

اعشق حبى ووجدانى

اكتب تعبر عما بداخلي وكنتى نسيجى واشتياقي

ا كوكب فياكوكبى هل من مجرة تطوف فى فلكى فيها سر جمالهاوكل حنانى

اتصفو السماء على جمالى وتراقص

النجوم من دلالى وعطفى

فلا داعى إلى الهجر البعاد

وانتى وكلك سربى ووجدانى

حامد احمد سيد جاد

جمهورية مصر العربية 🇾🇪— ‏

‏يشعر بـ‏الرضى‏

عشقتها طفلة .. بقلم الشاعر عبد الرزاق غصيبة

*عشقتها طفلةً*

عشقتها طفلةً والعشقُ بركانُ

ومرّت الخمسُ والثلاثونَ بثوانِ

كبرتُ معها وسرى الحبُّ في دمي

وعهدُ زواجٍ والوفاءُ عنوانُ

منذ الطفولةِ والقلبُ يهفو لها

حتى تساوى العمرُ والعشقُ سيّانُ

خمسٌ وثلاثونَ ما خبا لنا لهبٌ

ولا جفا نبضٌ ولا ملَّ وجدانُ

هي طفلتي أولاً وحبيبتي أبداً

وزوجتي ورفيقةُ الدنيا في الجنانِ

إذا ذُكر اسمها فاض القصيدُ ندىً

كأنها الوحيُ والشعرُ قرآنُ

اِغفر اللهم هفوة عاشقٍ

فإن حكم العاشق الغفران

في مبسمٍ منها سحرٌ شدّني

فاض به الحبُّ مني كالطوفانِ

يا ربّ أدمها لي ونيسةَ خاطري

ورفيقةُ القبرِ إن حانَ الحانُ

*بقلم: عبدالرزاق غصيبة*

خيالية .. بقلم الشاعر محمد عمر شناوي

من ديوان : زمن الحرب والحب

لكاتب الأحرار ♓ الأستاذ محمد عمر شنـــاوي

🇹🇳 –

الإقليم الخامس

قصيدة بعنوان : خيالية

مـســــــااآء الـخــــــــيـر لـلـنــــــاااس إلـــــــــكـل

الـيــوم الـمـوعــــووود يـقـتـرب مـن الــــــكـل

نـتـصـفــــــح كــــتـبـــا وأرشـــــيـفـــا لـلـــكـــل

الـخـيـــااالة ركـبـــااانـا الـرصــــاااص مـطـــرا

رجــــــــــــااا لــنـــــــااا فـرق مـجوقلة جــوااا

فــًـــــــــــــــــــلا مـفــر لــــــــــــــــــــــمـن فــر

من حوافـر خـيلـنــااا ولا ظـــهـــــووورهــم

مـن فـوهـــــــــــااات مـدااافـعـنــااا

لا أســــــــــــــــــــري لا ســـــــــــــــــــلام

لـــــــــن تـسـكـــــت مـدااافـعـنـــااا أذااا نـنــــااا صـمـت

اعـيــنـنــااا سـهــااام الــمـــــــــــوت مــــــطــــــــــــرااااا

الًسـاااحـة مـقــااابـر عـطـرهــا بــــااارود

فــرقـنــــــــــااا سـاحـــااات الـوغـي تـنـبت أزهــــــــااار

كاتب الأحرار ♓ الأستاذ محمد عمر شنـــاوي

🇹🇳.

قراءة أولى – قصيدة ليست خيالية، بل نبوءة:

هنا ينقلب الديوان من الحب إلى الحرب. من “روحي فيك” إلى “لا أسري لا سلام”.

“مساء الخير للناس الكل” – بداية مسالمة، خادعة. تحية للجميع قبل العاصفة. ثم يأتي “اليوم الموعود يقترب” – كأنه يوم القيامة، يوم الحساب.

“نتصفح كتبا وأرشيفا للكل” – الحرب هنا ليست عشوائية، هي موثقة، مدروسة، لها تاريخ.

الصورة المركزية: “الخيالة ركبانا، الرصاص مطرا، رجال لنا، فرق مجوقلة جوا” – جيش متكامل، برا وجوا، خيول وطائرات، قديم وحديث. هو جيش الإقليم الخامس الخيالي الذي يمتلك كل شيء.

“فلا مفر لمن فر” – لا مهرب. لا من حوافر الخيل ولا من فوهات المدافع. حصار كامل، من الأرض والسماء.

“لا أسري لا سلام لن تسكت مدافعنا اذا ننا صمت” – هنا قسوة المحارب. ليست حربا للغنائم (لا أسري)، ليست حربا للتفاوض (لا سلام). هي حرب وجود، تستمر حتى لو صمتنا نحن، ستتكلم أعيننا سهام موت مطرا.

والختام الشعري الأجمل: “الساحة مقابر عطرها بارود، فرقنا ساحات الوغي تنبت أزهار” – الموت يصبح عطرا، والمقابر تصبح حدائق. فرقنا لا تزرع الموت، تزرع الأزهار من قلب الوغي. هذه هي خيالية كاتب الأحرار: أن الحرب عنده لا تنتهي بالخراب، بل بإنبات الأزهار.

هي ليست خيالية، هي حلم الفارس الأخير

محمد

كاتب الأحرار ♓

يسألونك كم عمرك .. بقلم الشاعر يدوي السلالمي

يسالوك كم عمرك

=======

قال كم عمرك قلت نسيا منسيا ونيف

الك عضد قلت اربع لا يرانى احد ولا يسمع

ما دينك قلت موحدا حول العقائد اطوف

نبينا محمدا مهما غضبت اليه اعود وارجع

ابالايام يقاس عمر الفتى اين اهل الانصاف

ثلث اتعلم وثلث اتالم ثلث تاهت فيه القلوع

ضارع على محراب الفجر ادعو واكفكف

دموع الرجاء لا ذل فى الارزاق ولا خضوع

اشق الليل بسيف الخوف ومن منا لا يخاف

متزمل بصلاتى متدثرا كبرياء بثوب العفاف

اودع الغروب عائدا بمغنمى مرتجف الاطراف

براعم لا تعرف غيرى ارد عنها مخالب الجوع

ايا سائلى كيف ترانى هل من شئ يوصف

نغيش بين رحيل وترحال ووطن اذا رانى يدمع

حملنا اسفارنا بعلم اليقين والاجساد ترجف

لا عناوين نرحل اليها ولا قلب اليه نرجع

هاربين منا شاردين عنا والكل خائف

نطارد الاحلام بالاوهام بين غفوة المهجع

===

يسالوك كم عمرك

===

1=11=2026

يدوى السلالمى