إنها آية تختصر حكاية النفس البشرية حين تضيق بها السبل ، فتجد في “اللوم” طريقاً للعودة ، وفي “البلاء” محراباً للنجاة ، وفي قبضة القدر ألطافاً خفية لا يدركها إلا من ألقى السمع وهو شهيد …
لذلك ليست القضية أن تنجو من الحوت سريعًا ، بل أن لا تخرج منه قبل أن تتعلّم …
وصف وهو مليم ، يؤكد أن الملامة هنا هي عتاب المحب الذي أتى بفعلٍ يستوجب اللوم في ميزان الأنبياء ، فهو لم يخرج تمرداً ، بل خرج “مُغاضباً” بغير إذن ، فجاءت كلمة “مليم” لتصف حالته النفسية ووقوعه تحت طائلة العتاب الإلهي …
اسأل نفسك بصدف وبلطف وهدوء وقل ما الحوت الذي أعيش فيه الآن ؟
وما الرسالة التي يحملها لي ؟ وهل استقبل قدر الله برضا أم أني دائما مغضب لانه جاء على غير هوايا ؟
تأكد أنه ليس كل تأخير حرمانًا ، وليس كل ضيق غضبًا ، وليس كل ابتلاعٍ هلاكًا. أحيانًا يبتلعك القدر ، ليُخرج منك إنسانًا لم تكن تعرفه …
ضيق المكان وضيق الوجدان ؛ في الحقيقة يونس في بطن الحوت لم يكن يصارع الأمواج ، ولا يشغله النجاة بقدر ما كان يصارع “اللوم” الذي يعتصر قلبه ..
لقد اجتمعت عليه ظلمة الليل ، وظلمة البحر ، وظلمة الحوت ، وظلمة الشعور بالتقصير ، ليكون هذا المزيج من الالتقام والملامة …
وهذا هو المختبر الإلهي الذي صهر روح النبي لتخرج نقيةً مسبحةً في جوف العدم.
تأتي قصيدة “الليل” للدكتورة جاكلين راعي بوصفها نصًا شعريًا يفيض بالرمزية والشفافية، حيث لا يبدو الليل زمناً للظلام أو السكون، بل يتحول إلى فضاء إبداعي تنصهر فيه الأحلام، وتتداخل فيه عناصر الطبيعة مع فعل الكتابة، فتولد قصيدة تنبض بالحياة حتى وإن توقفت كلماتها قبل اكتمالها.
منذ المطلع، تكسر الشاعرة الصورة التقليدية لليل بقولها:
الليل يدخل، في فجره الألق
ويتلوّن بنسيم الشجر.
فهنا لا يأتي الليل نقيضًا للفجر، بل يحمل في داخله إشراقه، في مفارقة شعرية تؤكد أن العتمة قد تكون رحمًا للنور، وأن الإبداع كثيرًا ما يولد من لحظات السكون.
ثم ترسم الشاعرة لوحة أسطورية آسرة بقولها:
تنعس كاتبة المعبد
تشدّ الوثن الحلو إن فلت
وتعيد القلم.
إن كاتبة المعبد ليست مجرد شخصية، بل رمز للمبدع الذي يحمل قداسة الكلمة، أما الوثن الحلو فيوحي بالفكرة أو الحلم الذي يراود الشاعر ويخشى أن يفلت منه، فيسارع إلى الإمساك به عبر القلم.
وتتجلى براعة الشاعرة في تشخيص عناصر الطبيعة، فتقول:
ترتجف رمشٌ من سهر
وتلوي الأوزة عنقها
ليتكئ حلمٌ على كفيه.
فالرمش، والأوزة، والحلم، جميعها تتحول إلى كائنات حية تشارك في صناعة المشهد الشعري، مما يمنح النص حركة داخلية تنقل القارئ من الواقع إلى فضاء حلمي شديد الخصوصية.
ومن أجمل صور القصيدة قولها:
ويدنو نجمٌ من زهر يوقظها.
فهنا تلتقي السماء بالأرض، ويصافح النجم الزهرة، في صورة تتجاوز المنطق الواقعي لتؤسس منطق الشعر، حيث يصبح المستحيل ممكنًا، ويغدو الكون كله شريكًا في ميلاد القصيدة.
ويبلغ النص ذروة شفافيته في قوله:
تصلي صلاة الشوق.
إذ يتحول الشوق إلى عبادة، والكتابة إلى طقس روحي، فتغدو القصيدة فعلًا من أفعال التأمل والسمو، لا مجرد نظم للكلمات.
أما النهاية، فهي من أكثر مواضع النص تأثيرًا:
وفي دفترها اندلق الحبر، ولم تكمل قصيدتها.
إنها خاتمة مفتوحة، توحي بأن القصيدة الحقيقية لا تنتهي، وأن الإبداع يظل مشروعًا مؤجلًا، وأن ما لم يُكتب قد يكون أعمق مما كُتب. فالحبر المنسكب هنا ليس علامة عجز، بل رمز لاستمرار التجربة الشعرية واتساعها.
السمات الفنية
امتازت القصيدة بكثافة الرمز، وغنى الصورة الشعرية، واعتمادها على التشخيص والاستعارة، حتى بدت عناصر الطبيعة شخصيات فاعلة داخل النص. كما اتسمت اللغة بالرقة والاقتصاد، مع موسيقى داخلية هادئة تنسجم مع طبيعة الليل، وتعكس الحالة التأملية التي أرادت الشاعرة نقلها.
ويحسب للدكتورة جاكلين راعي قدرتها على بناء مشهد شعري متكامل، تتداخل فيه الأزمنة، وتتقاطع فيه الأحلام مع الواقع، دون أن يفقد النص وحدته أو وهجه الجمالي.
الخاتمة
تقدم الدكتورة جاكلين راعي في قصيدة “الليل” تجربة شعرية تتجاوز الوصف إلى الرؤيا، فتجعل الليل مختبرًا للروح، والحلم رفيقًا للقلم، والطبيعة شريكة في ميلاد القصيدة. إنها قصيدة تحتفي بالإبداع بوصفه حالة من التأمل العميق، وتؤكد أن أجمل القصائد قد تكون تلك التي تظل مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.
في زحمة الحياة وصخبها، جلست ذات يوم أراجع حساباتي مع نفسي، لا حسابات ما كسبت وما خسرت، بل حسابات المواقف حين كانت القدرة على الاختيار بين يدي.
وفي تلك المراجعة، تذكرت أن الأثر الذي أتركه في نفسي أعمق من الأثر الذي أتركه في غيري.
طالما تأملت في نفسي وفيمن حولي، حتى تردد في مسمعي مشهد لا يغيب عن بالي؛ مشهد يقف فيه الإنسان موقف الحكم على نفسه، فيكتشف، بعد أن تسقط عنه أعذاره، أنه لم يكن يوما عادلا كما كان يظن.
هناك، في تلك اللحظة، سمعت صوتا داخليا يقول:
هذا ظلم.
ظلم ساكن سكنني زمنا، ولم أجرؤ على مواجهته، كالماء الراكد الذي يبدو هادئا وهو يخفي في أعماقه اضطرابا لا يرى.
لماذا لم أعترض حين نصبت الموازين لغير الحق، وكان النفع كله لي؟
لماذا سكت حين جاءني الظلم في صورة هدية ومنفعة؟
ولماذا بدا لي الأمر مقبولا ما دمت المستفيد منه؟
وما إن مالت الكفة ضدي، حتى استيقظ في صوت العدالة فجأة.
هذه هي الحقيقة المرة التي لا أحب مواجهتها، لكنها الحقيقة التي لا يجوز لي الهروب منها.
كثيرا ما رأيت الظلم واضحا جليا، فلم أنبس ببنت شفة، ما دام يصب في مصلحتي.
أغمضت عيني عنه، وبررته لنفسي، وقلت:
«ربما كانت الظروف، وربما كان له سبب».
قبلته بكل ارتياح، وكأنه حق أصيل لي، ولم أسأل نفسي يومها:
ماذا لو كنت الطرف الآخر؟
لكن حين انقلب الميزان، وجاءني الإجحاف من حيث كنت أنتظر الإنصاف، فإذا بي أصرخ وأستغيث، وأطالب بالحق الذي تغافلت عنه طويلا.
وهنا أدركت أنني لم أكن أطلب العدالة لذاتها، بل كنت أطلبها حين توافق هواي.
تناسيت أنني شاركت في إسكات الحق يوم كان الصمت يعود علي بالنفع.
وتناسيت أن الميزان الذي أرضاني حينا، هو نفسه الذي أخجلني حين مال في الاتجاه الآخر.
عندها فهمت أن العدالة لا تتجزأ.
لا أكون عادلا إن كنت كذلك فقط حين يكون الحق معي.
ولا يسمى الشيء حقا لمجرد أنه يخدمني، ثم أفقد إيماني به حين تأتي نتيجته على غير ما أشتهي.
فالظلم لا يتحول إلى عدل لمجرد أنه يخدم مصلحتي.
ومن يرض بالظلم حين يكون نصيبه منه منفعة، عليه أن يسأل نفسه:
بأي حق سيعترض حين يصبح هو الضحية؟
فالأثر الذي يخلفه الصمت أمام الظلم لا يزول بمرور الأيام، وإن غاب عن الذاكرة حينا.
إننا نعلم هذه الحقيقة جيدا، ثم نتجاهلها كلما كان الانحراف في صالحنا.
نقنع أنفسنا بأن الأمر مختلف، وأن حالتنا استثناء، وأن ما نقبله اليوم لا يشبه ما نرفضه غدا.
حتى يأتي يوم أجد فيه نفسي في الجهة الأخرى من الميزان، فأذوق مرارة ما رضيت به حين ذاقه غيري، وأصرخ مطالبا بالعدل، بينما يوقظني ضميري بسؤال أشد قسوة:
أين كان صوتك حين كان الظلم لا يمسك؟
ذلك السؤال وحده كان كافيا لأن يعيدني إلى صوابي.
فاليوم قد يكون الظلم في جانبي، فلا أغتر وغدا قد يتغير موضع الكفة، وقد أجد نفسي في المكان الذي وقف فيه غيري يوما، ولم أحرك ساكنا.
لذلك لم أعد أريد عدالة تحميني وحدي، ولا ميزانا يستقيم حين يخدمني ويميل حين يضرني.
أريد ميزانا واحدا ثابتا، لا يتغير بتغير موقعي منه.
أريد أن أرفض الظلم لأنه ظلم، لا لأنه وقع على.
وأن أنصر الحق لأنه حق، لا لأنه وافق مصلحتي.
فإما أن أبني العدالة للآخرين كما أريدها لنفسي، وإما أن أكون شريكا في ميزان قد ينقلب علي حين لا أتوقع.
هذا هو العهد الذي قطعته على نفسي:
أن أطلب العدالة للغير قبل أن أطلبها لنفسي، وأن أخاف على الميزان من الميل مطلقا، لا أن أخاف من ميله فقط حين يقع علي.
ولن أحمل هم العدل للآخرين خوفا من تقلب الأيام، بل وفاء لإنسانيتي، وصيانة لنفسي التي ترفض أن تكون ظالمة.
فقد أدركت أخيرا أن الميزان لا يخدعني، وإنما كنت الذي أخدع نفسي حين أراه عادلا ما دام يميل لمصلحتي.
وها هو الأثر الذي أريد أن أتركه:
ميزان واحد ثابت، كالشاطئ الذي لا يبدل موجه مهما تغيرت الرياح، وكالجذر الذي يثبت في الأرض ولا يميل مع كل نسمة.
أما السلام الحقيقي، فلا يمنحه إلا ميزان لا يرضى إلا بالحق، ولا يزن الأمور إلا بمكيال واحد.
فهل يبقى أثري في هذه الحياة صادقا، إن كنت لا أطلب العدل إلا حين ينصفني؟