لم يكن ينتظر الشكر من أحد ، لكنه كان يظن في داخله أن الأيام تحفظ الجميل ، وأن الإنسان الذي تقف بجانبه في ضعفه ، سيقف بجانبك عندما تحتاجه .
كان دائمًا ذلك الشخص الذي يُطرق بابه فيفتح دون سؤال .
عندما احتاج صديقه القديم ” مازن ” إلى المال بعد أن خسر عمله ، لم يتردد سامر ، أخذ من مدخراته وأعطاه المبلغ الذي يحتاجه ، رغم أن وضعه لم يكن أفضل حالًا .
قال له مازن يومها والدموع في عينيه :
” لن أنسى هذا الموقف ما حييت ، أنت وقفت معي في وقت تخلى عني الجميع “
ابتسم سامر وقال :
” لا تقل شيئًا ، المهم أن تتجاوز محنتك “
مرت السنوات ، وتحسنت أحوال مازن ، وأصبح صاحب عمل ناجح .
أما سامر ، فقد تغيرت ظروفه ، خسر عمله ، وتراكمت عليه الديون .
في يوم صعب ، جلس أمام هاتفه طويلًا ، ثم قرر أن يتصل بمازن.
لم يكن يريد صدقة ، ولم يكن يريد أكثر من فرصة عمل تساعده على الوقوف من جديد .
اتصل به ، وبعد حديث قصير قال :
“مازن ، أنت تعرف ظروفي ، إذا كان لديك أي عمل أو فرصة أستطيع أن أبدأ بها ، سأكون شاكرًا لك ” .
ساد صمت للحظات .
ثم جاء الرد ببرود :
” سامر ، أتمنى أن أساعدك ، لكن الظروف الآن مختلفة ، وأنت تعرف أن لكل شخص حساباته ” .
أنهى سامر المكالمة وهو ينظر إلى الهاتف بصمت .
لم يغضب لأنه لم يحصل على المساعدة ، بل تألم لأنه اكتشف أن بعض الناس يتذكرون يدك عندما تمدها لهم ، وينسونها عندما تحتاج أنت إلى يد تمتد إليك .
في تلك الليلة ، جلس سامر وحده يفكر .
هل كان مخطئًا عندما فعل الخير ؟
هل كان يجب أن ينتظر المقابل ؟
وبعد وقت طويل، ابتسم وقال لنفسه :
“لا … لم أخطئ عندما فعلت الخير ، الخطأ الوحيد أنني ظننت أن الجميع يشبهونني ” .
منذ ذلك اليوم تغيرت نظرته للحياة .
لم يتوقف عن مساعدة الناس ، لكنه توقف عن ربط سعادته بردود أفعالهم .
أصبح يعطي لأنه يرى الخير قيمة بحد ذاته، وليس لأنه ينتظر أن يعود إليه من نفس الطريق.
فهم أن هناك أشخاصًا سيحفظون معروفك في قلوبهم ، وهناك من سيعتبرونه شيئًا عاديًا ، بل قد ينسونه تمامًا .
لكن هذا لا يعني أن تتوقف عن أن تكون إنسانًا .
فالشجرة لا تمنع ظلها عن أحد لأنها لا تعرف من سيشكرها ، والمطر لا يختار الأرض التي ينزل عليها لأنه ينتظر منها مقابلًا .
وفي النهاية ، تعلم سامر درسًا لم يتعلمه من الكتب :
افعل الخير ، لكن لا تجعل قلبك معلقًا بمن فعلت له الخير .
ساعد الآخرين ، لكن لا تبنِ توقعاتك على رد الجميل .
فبعض الناس سيردون لك المعروف ، وبعضهم سيعلمونك فقط أن الخير الذي تفعله يجب أن يكون لله ولضميرك أولًا ، لا انتظارًا من البشر .
لأن أجمل أنواع العطاء هو ذلك الذي يبقى جميلًا … حتى عندما لا يعود
تعالي نسرقُ وقتَ الضُّحى من كفِّ شمسٍ لم تزلْ تُهدي الجداولَ أقراطَها وتُزيّنُ الدُّوحَ بالعِقْدِ الحُلْوِ كأنَّها عروسُ الجبالْ
نقطفُ وردًا من خدِّ النَّدى ونُكَلِّلُ الفجرَ بأحلامِ الغَزلْ ونتركُ للرِّيحِ حكاياتِها عن طفلَةٍ ضاعَ لها الظِّلُّ فأصبحَ يبكي في الرِّمالْ
تعالي… نقطفُ ما تبقَّى من العمرِ قبلَ انحدارِ الزَّلَلْ فالزَّهرُ لا ينتظرُ العائدينْ والعمرُ يمضي مثلَ الخيالْ
تعالي… نُعمِّرُ في الأغنياتِ بيوتًا من النُّورِ لا تَهْدِمُها الرِّياحْ ونزرعُ في القلبِ نَجْمًا سَهِرْ يُضيءُ دروبَ الهوى الطَّويلَهْ ويبقى… ولو رحلَ الرِّحالْ
لم يعد في القلب متسعٌ لمزيدٍ من الخيبات، ولا في الروح قدرةٌ على ترميم ما تهدّم مرارًا.
وقفت طويلًا عند مفترق الطرق، أراجع الحكاية من بدايتها إلى نهايتها، فاكتشفت أنني كنت دائمًا الطرف الذي يمنح، ويصبر، ويغفر، بينما كان المقابل يكتفي بالأخذ والغياب.
اليوم… لا أحمل حقيبة سفر، بل أحمل قلبًا أنهكته الانتظارات، وروحًا تبحث عن نافذة يدخل منها الضوء.
قراري الأخير هو الرحيل…
رحيلٌ لا تصاحبه ضجة، ولا تسبقه كلمات الوداع. سأغادر بهدوء، كما تغادر الشمس آخر النهار، تاركةً خلفها لونًا جميلًا في السماء، رغم أنها كانت تحترق طوال اليوم.
لن أعاتب أحدًا، فالعتاب لا يعيد القلوب التي اختارت الابتعاد، ولن أطرق بابًا أغلقه أصحابه بإرادتهم.
سأرحل وأنا ممتنة لكل درس علّمني كيف أميز بين من يحبني، ومن يحب وجودي حين يحتاج إليّ فقط.
وسأترك خلفي كل وجعٍ أثقلني، وكل ذكرى حاولت أن تجعلني أسيرة الماضي، لأن الحياة لا تنتظر من يقف عند الأطلال.
قد يظن البعض أن الرحيل نهاية، لكنه بالنسبة إليّ بداية جديدة… بداية امرأة اختارت كرامتها قبل تعلقها، وسلامها قبل ضجيج المشاعر، ونفسها قبل الجميع.
إن عدت يومًا، فلن أعود إلى الأماكن نفسها، ولا إلى الأشخاص أنفسهم، لأن الإنسان الذي ينهض من انكساره لا يعود كما كان أبدًا.
هذا هو قراري الأخير…
أن أرحل بكل هدوء، وأترك الأيام تخبر الجميع أن بعض الراحلين لم يكونوا عابرين، بل كانوا أجمل ما مرّ في الحكاية.