حين لم يعد المعروف دينا .. للأديب عقل عقل

حين لم يعد المعروف دينًا

تأليف :

عقل عقل

كان سامر يؤمن بشيء واحد طوال حياته :

” من يزرع خيرًا، سيحصد خيرًا “

لم يكن ينتظر الشكر من أحد ، لكنه كان يظن في داخله أن الأيام تحفظ الجميل ، وأن الإنسان الذي تقف بجانبه في ضعفه ، سيقف بجانبك عندما تحتاجه .

كان دائمًا ذلك الشخص الذي يُطرق بابه فيفتح دون سؤال .

عندما احتاج صديقه القديم ” مازن ” إلى المال بعد أن خسر عمله ، لم يتردد سامر ، أخذ من مدخراته وأعطاه المبلغ الذي يحتاجه ، رغم أن وضعه لم يكن أفضل حالًا .

قال له مازن يومها والدموع في عينيه :

” لن أنسى هذا الموقف ما حييت ، أنت وقفت معي في وقت تخلى عني الجميع “

ابتسم سامر وقال :

” لا تقل شيئًا ، المهم أن تتجاوز محنتك “

مرت السنوات ، وتحسنت أحوال مازن ، وأصبح صاحب عمل ناجح .

أما سامر ، فقد تغيرت ظروفه ، خسر عمله ، وتراكمت عليه الديون .

في يوم صعب ، جلس أمام هاتفه طويلًا ، ثم قرر أن يتصل بمازن.

لم يكن يريد صدقة ، ولم يكن يريد أكثر من فرصة عمل تساعده على الوقوف من جديد .

اتصل به ، وبعد حديث قصير قال :

“مازن ، أنت تعرف ظروفي ، إذا كان لديك أي عمل أو فرصة أستطيع أن أبدأ بها ، سأكون شاكرًا لك ” .

ساد صمت للحظات .

ثم جاء الرد ببرود :

” سامر ، أتمنى أن أساعدك ، لكن الظروف الآن مختلفة ، وأنت تعرف أن لكل شخص حساباته ” .

أنهى سامر المكالمة وهو ينظر إلى الهاتف بصمت .

لم يغضب لأنه لم يحصل على المساعدة ، بل تألم لأنه اكتشف أن بعض الناس يتذكرون يدك عندما تمدها لهم ، وينسونها عندما تحتاج أنت إلى يد تمتد إليك .

في تلك الليلة ، جلس سامر وحده يفكر .

هل كان مخطئًا عندما فعل الخير ؟

هل كان يجب أن ينتظر المقابل ؟

وبعد وقت طويل، ابتسم وقال لنفسه :

“لا … لم أخطئ عندما فعلت الخير ، الخطأ الوحيد أنني ظننت أن الجميع يشبهونني ” .

منذ ذلك اليوم تغيرت نظرته للحياة .

لم يتوقف عن مساعدة الناس ، لكنه توقف عن ربط سعادته بردود أفعالهم .

أصبح يعطي لأنه يرى الخير قيمة بحد ذاته، وليس لأنه ينتظر أن يعود إليه من نفس الطريق.

فهم أن هناك أشخاصًا سيحفظون معروفك في قلوبهم ، وهناك من سيعتبرونه شيئًا عاديًا ، بل قد ينسونه تمامًا .

لكن هذا لا يعني أن تتوقف عن أن تكون إنسانًا .

فالشجرة لا تمنع ظلها عن أحد لأنها لا تعرف من سيشكرها ، والمطر لا يختار الأرض التي ينزل عليها لأنه ينتظر منها مقابلًا .

وفي النهاية ، تعلم سامر درسًا لم يتعلمه من الكتب :

افعل الخير ، لكن لا تجعل قلبك معلقًا بمن فعلت له الخير .

ساعد الآخرين ، لكن لا تبنِ توقعاتك على رد الجميل .

فبعض الناس سيردون لك المعروف ، وبعضهم سيعلمونك فقط أن الخير الذي تفعله يجب أن يكون لله ولضميرك أولًا ، لا انتظارًا من البشر .

لأن أجمل أنواع العطاء هو ذلك الذي يبقى جميلًا … حتى عندما لا يعود

أضف تعليق