قراري الأخير… الرحيل
لم يعد في القلب متسعٌ لمزيدٍ من الخيبات، ولا في الروح قدرةٌ على ترميم ما تهدّم مرارًا.
وقفت طويلًا عند مفترق الطرق، أراجع الحكاية من بدايتها إلى نهايتها، فاكتشفت أنني كنت دائمًا الطرف الذي يمنح، ويصبر، ويغفر، بينما كان المقابل يكتفي بالأخذ والغياب.
اليوم… لا أحمل حقيبة سفر، بل أحمل قلبًا أنهكته الانتظارات، وروحًا تبحث عن نافذة يدخل منها الضوء.
قراري الأخير هو الرحيل…
رحيلٌ لا تصاحبه ضجة، ولا تسبقه كلمات الوداع. سأغادر بهدوء، كما تغادر الشمس آخر النهار، تاركةً خلفها لونًا جميلًا في السماء، رغم أنها كانت تحترق طوال اليوم.
لن أعاتب أحدًا، فالعتاب لا يعيد القلوب التي اختارت الابتعاد، ولن أطرق بابًا أغلقه أصحابه بإرادتهم.
سأرحل وأنا ممتنة لكل درس علّمني كيف أميز بين من يحبني، ومن يحب وجودي حين يحتاج إليّ فقط.
وسأترك خلفي كل وجعٍ أثقلني، وكل ذكرى حاولت أن تجعلني أسيرة الماضي، لأن الحياة لا تنتظر من يقف عند الأطلال.
قد يظن البعض أن الرحيل نهاية، لكنه بالنسبة إليّ بداية جديدة… بداية امرأة اختارت كرامتها قبل تعلقها، وسلامها قبل ضجيج المشاعر، ونفسها قبل الجميع.
إن عدت يومًا، فلن أعود إلى الأماكن نفسها، ولا إلى الأشخاص أنفسهم، لأن الإنسان الذي ينهض من انكساره لا يعود كما كان أبدًا.
هذا هو قراري الأخير…
أن أرحل بكل هدوء، وأترك الأيام تخبر الجميع أن بعض الراحلين لم يكونوا عابرين، بل كانوا أجمل ما مرّ في الحكاية.
بقلم ايناس المهذبي
نوسة التونسية ![]()

