كنتُ جالسًا بين دفاتري، أكتب بعض حالاتي، وأصف لنفسي حياةً مضت من عمري، بين ماضٍ جميل، وحاضرٍ أعيش فيه الوحدة.
وجدتُ نفسي أسير خُطًى متعرجة بين الطرقات، أنظر من حولي، لعلّي أجد ما يشبهك، ما يعيد إليَّ الأمل، ويحيي في داخلي الأمنيات.
مضت أوقات، والفكر يدور شمالًا ويمينًا، أحاور نفسي حينًا، وأواسيها حينًا آخر، وبين أضلعي نارٌ ولهيبٌ من الحرمان.
أين أنا؟ أين أيام زمان؟ ماذا أفعل وحيدًا في هذه الطرقات؟ وأين يكمن سرُّ هذه الحياة؟
تراودني أفكار كثيرة، أرسم فوقها خُطًى بثقةٍ ويقين، معتقدًا أنها الطريق الصحيح. هجرتُ الأصحاب، وابتعدتُ عن الأحباب، ولم أجد من يطرق بابي.
أهو طريقٌ مسدود، أم أن تفكيري محدود؟
أعيش بين الشعارات والهتافات، وبين الأخذ والعطاء، حتى أصبحت جميع الطرق مظلمة، وكأنني أقضي عمري في ليلٍ لا يعرف النور. غاب بهاء شمس النهار، ولم تعد الدنيا كما كانت، وكل شيء من حولي غارق في الضباب.
أتذكر بعض الأحباب، وأخاطب روحي بهمسٍ خافت، يكاد لا يُسمع، وكأنني أحدث الهواء.
مرت أوقات وأنا أسير في الطرقات، أفكار ترحل وأخرى تعود، والحال كما هو. وفي كل لحظة كنت أردد: أين أنا؟ أما اليوم فأقول: من أنا؟
حتى نفسي نسيتها، وحتى عمري لم أعد أشعر بوجوده، غير أن الإصرار على المسير ازداد، ومنح روحي قوةً ويقينًا.
سأجده… لا بد أنه قريب، ينتظرني. سأسرع أكثر، فقد تأخرت عليه، وتعب من أجلي. أنا من قطع الوصال، وترك أجمل اللحظات خلفه.
وما زالت الأحوال تتبدل، والأفكار تتوالى، والطريق طويل، والعودة إلى الخلف مستحيلة.
سرت ساعاتٍ طويلة، حتى إن الجوع لم يراودني، والعطش غادرني، لأن فكري كان منشغلًا به.
أين تركته؟ أين رحل عني؟ أين هو؟
تساؤلات لا تنتهي، ووقفات قصيرة، أخاطب فيها روحي، وأحدث الطريق، وأنظر إلى من حولي، فأشعر أنني أعيش لحظة ضياع، بعيدًا عن كل شيء.
سأبحث عن دليل… ولا أريد بديلًا.
كل خطوة كانت تحمل فكرة، وكل من مرَّ بجانبي كان ينظر إليَّ، وكأنني أقرأ في عيونهم سؤالًا واحدًا: أهو مجنون؟! وربما كنت مخطئًا، لكن هذا ما كانت تصوره لي نفسي، بعدما مضى عقلي مع ذلك الطريق.
اشتدت عتمة الليل، وكان ضوء القمر خافتًا بعيدًا، لا دليل يرافقني، ولا خوف يسكنني. كنت أعيش ذكرى الطريق، وأنسى نفسي معه.
أين هو؟ وأين أنا؟
كلمات تحوم حول فكري، وعبارات ترسم ظلالها على طريقي، كأنها كُتبت من أجلي.