حين يُوزن الناس بميزانين
ليست المشكلة أن تُفضّل شخصاً على آخر؛ فالقلوب لها ميولها، والناس لهم من يقتربون منهم أكثر.
لكن المشكلة تبدأ حين تُنقل هذه التفضيلات من القلب إلى الميزان، ومن المشاعر إلى الحقوق، فيصبح ما يُسمح به لشخص ممنوعاً عن غيره، وما يُصفَّق له عند أحدهم يُقابَل بالصمت عند الآخر.
هناك فرق كبير بين التقدير والتمييز.
التقدير أن تعطي كل إنسان حقه.
أما التمييز فهو أن تعطي إنساناً أكثر مما يستحق فقط لأنه قريب منك، وتحرم آخر مما يستحق فقط لأنه ليس من دائرتك.
وهنا يصبح الأمر أكثر من مجرد مجاملة… يصبح ظلماً.
فلا تجعلوا المناصب، أو الصداقة، أو الأسماء، أو كثرة الحضور، معياراً لقيمة الإنسان.
من يكتب جيداً لا يصبح أقل إبداعاً لأنه لا يملك علاقات واسعة، ومن يجتهد بصمت لا يصبح أقل استحقاقاً لأنه لا يعرف كيف يطرق الأبواب.
ليس من العدل أن يُرفع شخص لأنه “من جماعتنا”، بينما يُهمَّش آخر لأنه “ليس منا”.
والأقسى من التمييز نفسه أن يُطلب من المظلوم أن يتظاهر بأنه لم يلاحظ شيئاً.
نعم… لقد لاحظ.
لاحظ الفرق في المعاملة.
لاحظ اختلاف الكلمات.
لاحظ من يُحتفى به، ومن يُمرّ على حضوره مروراً عابراً.
لاحظ أن بعض الأخطاء تُغتفر، بينما تُحسب على غيرهم الحروف قبل الكلمات.
وقد يصمت… لا لأنه لا يفهم، بل لأنه فهم أكثر مما ينبغي.
واعلموا أن الإنسان لا ينسى اللحظة التي شعر فيها أن قيمته أقل في عيون من كان يظن أنهم ينصفون الجميع.
قد يبقى في المكان، وقد يبتسم، وقد يواصل العطاء… لكن شيئاً في داخله يكون قد تغيّر.
فحين يشعر الإنسان أن جهده لا يُرى إلا إذا حمل اسماً معيناً، وأن حضوره لا يُحسب إلا إذا كان مقروناً بشخصٍ ما، فإنه يتعلم شيئاً مهماً:
أن الكرامة لا تُستجدى، وأن الاعتراف بالقيمة لا يُطلب من ميزانٍ مختل.
ومن أراد أن يرفع شخصاً فليفعل، لكن لا يرفعنه فوق حقوق الآخرين.
ومن أراد أن يمنح التقدير فليمنحه، لكن لا يحوّل التقدير إلى بابٍ مغلق في وجه غيره.
فالعدل لا يعني أن تجعل الجميع متساوين في المكانة، بل أن تجعلهم متساوين أمام الحق.
وفي النهاية، سيبقى الفرق واضحاً بين من يصنع مكانته بما يقدم، ومن تُصنع له مكانته بما يملك من قرب.
الأول قد يتأخر الاعتراف به… لكنه يبقى.
أما الثاني فقد يلمع طويلاً، لكن حين يسقط عنه بريق العلاقات، يظهر السؤال الحقيقي:
ماذا كان يملك غير الامتياز؟
فلا تجعلوا ميزانكم يميل بسبب اسم، ولا بسبب صداقة، ولا بسبب مصلحة.
فالعدل حين يغيب، لا يظلم شخصاً واحداً… بل يُسقط هيبة المكان كله.
بقلم: نجلاء نجلاء — حيث تُولد الحروف من صمت الفكرة.

