تركته كما خرج من قلبي، دون تنقيح يمحو حرارة اللحظة أو يغير حقيقتها.
رحم الله أبي، وجعل هذا النص دعاءً وذكرى قبل أن يكون كتابة.
إلى روح والدي رحمه الله…
ترددت كثيرًا، خفت، ارتعش جسدي، اختنق نفسي، شعرت بتوقف نبضات قلبي، وتصبب العرق من جبيني… توقف الوقت عندي، ولم يعد المكان يعنيني ولا الإنسان. أظلم كل شيء حولي حتى بات النهار ليلًا، والنور ظلامًا.
ظللت على تلك الحال حتى سمعت صوتًا يناديني، وأصابع تشير إليّ:
ادخل وأغلق الباب… أنت بكره.
تلعثمت ولم أجد ما أقول. وجدتني أجر قدمي جرًا نحو تلك الغرفة التي كانت لغزًا بالنسبة إليّ. لماذا أنا هنا؟ ما دوري؟ وما الإضافة التي يمكنني أن أسديها؟
فجأة انهمرت دموعي، وتصاعدت شهقاتي، واهتز جسدي، وكل العيون مصوبة إليّ، لائمةً ومعاتبة. ثم قال الرجل الغريب عني:
كف عن البكاء، فهو بحاجة إلى الدعاء. لا تعذبه وتؤلمه، فهو يسمعك.
كفكفت دموعي، وتماسكت، واعتدلت قدر الإمكان. تسمرت عيناي في جثة والدي الممددة أمامي على ذلك المغسل الحديدي، شبه عارية، لا يستر عورتها إلا قطعة قماش. جثة هامدة لا تتحرك مهما فعل بها المُغَسِّل، ومهما قلبها، وحركها، وتحسسها.
وكنت طوال عملية الغسل أتابع جسد والدي، لعله يتحرك، يفتح عينيه، يعود إلى الحياة، يناديني، أو يستنجد بي، فأُنقذه من جبروت المُغَسِّل الذي لم يترك شبرًا من جسده إلا غسله ونظفه.
كما كنت أستحضر كلمات فقيدي وتصرفاته، إشاراته وابتساماته، ضحكاته ونكاته… كنت أتخيل فمه ينطق باسمي، فأصيح دون أن أشعر:
– نعم يا أبتاه.
– خذ بيدي وساعدني على النهوض.
– السمع والطاعة، أيها البطل.
– تحرك… لماذا لم تفِ بوعودك؟
كنت أحاول التقدم، لكنني أعجز عن ذلك، فقد رأيت نفسي محنطًا، مثبتًا في مكاني… همس أخي الأصغر في أذني:
كف عن الهراء والعبث. استقم وادعُ لوالدك بدل هذا المشهد المسرحي.
لملمت نفسي وعدت إلى رشدي حتى انتهت عملية الغسل، ثم التعطير، فالتكفين، ووُضع في مكانه في انتظار موعد موكب الدفن.
اقتربت من الجثمان، مثل سائر الأقارب والأصدقاء، وقبلت جبين والدي لآخر مرة، وسيف يمزق أوصالي من الداخل، ودموعي محبوسة في عيني حتى لا أبلل وجه أبي وهو يستعد للسفر الأبدي.
ثم حُمل الجثمان على الأعناق وسط موجة من التكبير وذكر الله والدعاء للميت. كثرت الأيدي التي تتسابق إلى حمل النعش، وساد الموكب جو من الإيمان والوقار، والاحترام لهذا الحدث الجلل، من المنزل إلى الجامع.
هناك صلينا العصر، ثم صلاة الجنازة، وعندها انفجر بركان الدموع، وفقدت السيطرة على نفسي، رغم محاولات الجميع تهدئتي وثنيي عن ذلك.
ثم انتقلنا إلى المقبرة، حيث ووري والدي الثرى بعد دقائق معدودة. تمنيت لو كنت مكانه، لو استطعت أن أهديه الحياة. كنت أتألم، وأصيح، وأرتعد… ومع كل حفنة تراب تلقى عليه، كنت أتمنى أن أمنع الناس من حرماني من والدي، ومن تغطيته بالتراب، إلى أن اختفى، ولم أعد أرى غير تلك الكومة من التراب.
تقبلت التعازي، ولم أكن أعي وجوه المعزين، فقد كنت أناجي خيال أبي الذي لم يفارقني لحظة، أخاطبه، وأرجوه أن يكف عن المزاح ويعود معي إلى المنزل… لكن هيهات، فقد صدر الحكم ونُفذ؛ حكم الواحد الأحد الذي لا يقبل طعنًا ولا استئنافًا.
عدت إلى المنزل، ويا ليتني ما عدت. كان صدى صوت أبي في كل مكان، وصورته تتجول هنا وهناك. فراشه، وملابسه، ونعاله، وأدواته الخاصة… كل شيء في مكانه، كأنه يناديه: “خذنا… استعملنا… فقد يئسنا من البطالة.”
لم أنم ليالي وأيامًا وأنا أنتظر عودة أبي. كنت أحدق في الباب مترقبًا طلعته البهية… لكنها لم تأتِ.
في زاوية مقهى الحي القديم، تحيط كفاه بكوب الشاي كمن يستدعي ليديه دماءً قديمة. عيناه مسمّرتان عند منحنى الشارع، تغربلان الوجوه العابرة؛ لعل واحداً منها يحمل ملامح غادرت العتبة ولم تعد.
قبل عشرين عاماً، كان يعود من مصنع الحديد ليلاً، بوجنتين لفحتهما النار ويدين غائرتين في الشقاء. يقف طويلاً عند أسِرَّة أطفاله الثلاثة، يتأمل وجوههم المرتمية في العتمة، ويهمس للظلام: “غداً يكبرون ويرتاحون”. كان يركض في سباق لاهث؛ يجمع القرش فوق القرش، يشتري الكتب، ويسابق عقارب الساعة لدفع الأقساط. وحين كان ابنه الأصغر يتشبث بطرف قميصه متوسلاً أن يرجئ رحيله، كان يربت على كتفه الصغير بعجلة ويمضي، وعيناه معلقتان بالباب الخارجي. كان يعلمهم كيف يكون السعي، دون أن يدري أنه يعلمهم أيضاً كيف يكون الغياب.
والآن، على الطاولة الخشبية في بيته المقفر، يرقد الهاتف المحمول العتيق بشاشته المخدوشة.
في المحادثة الأخيرة، جاءه صوت ابنه الأكبر من خلف البحار، متقطعاً، تعبره نداءات مطار غريب: “مرحباً أبي.. الجدول مزدحم جداً، أردت فقط الاطمئنان عليك. هل كل شيء بخير؟”. نظر الأب إلى طلاء الجدار المقشر، ثم إلى ورقة التقويم الشاحبة، وأجاب بنبرة خافتة: “بخير يا بني.. شكراً لك، الله يوفقك”.
انقطع الخط، وتلاه فوراً وميض الشاشة بإشعار بنكي مقتضب يعلن ورود حوالة جديدة. لقد كبر أولئك الصغار الذين تركهم يوماً في العتمة، وصاروا يركضون في منافيهم بذات العجلة التي ورثوها عنه، يدفعون أثمان غيابهم حوالاتٍ باردة. ساد الصمت مجدداً، وظل الشيخ يحدق في الشاشة المظلمة.
في الشتاء الذي تلا رحيله الهادئ، عاد الأبناء الثلاثة مجتمعين. كان البيت بارداً، ويفوح من زواياه غبار الهجر ورائحة الأوراق المتروكة.
لم يجدوا وصية، ولا رسائل عتاب. كل ما عثروا عليه في درج خزانته كان دفتراً صغيراً ممزق الغلاف، كُتب في صفحته الأولى بخط يده المرتجف: “أصواتهم”.
لم يحصِ الثواني، ولم يثبت المبالغ. كانت الصفحات بيضاء كفنٍ ممتد، سوى من تواريخ قليلة متباعدة جداً، يفصل بين التاريخ والآخر بياضٌ طويل ومهجور