خفة دم المصريين … للأديب مدحت الحلفاوي

خفة دم المصريين..

سر لا يعرفه إلا أبناء النيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك أشياء لا يختلف عليها اثنان.

ومن بينها أن المصري إذا توتر… يضحك.

قد يحبس أنفاسه وهو يتابع مباراة.

وقد يدعو من قلبه مع كل هجمة.

لكن ابتسامته لا تغيب.

وكأن الله منح هذا الشعب نعمة خاصة.

كلما اشتدت اللحظة أخرج من بين القلق نكتة.

ومن بين الخوف ابتسامة.

ومن بين التوتر حكاية يرويها الجميع بعد انتهاء المباراة.

وهذا بالضبط ما حدث في ليلة ستظل شاهدة على أن خفة دم المصريين ليست هواية. بل أسلوب حياة.

إذا أردت أن تعرف شيئا عن المصريين فلا تسأل عنهم في أوقات الفرح.

راقبهم في لحظات التوتر.

هناك فقط ستكتشف سرهم الحقيقي.

ففي الوقت الذي كانت فيه الجماهير تحبس أنفاسها وتتشابك الأيدي بالدعاء كان هناك جيش آخر يخوض مباراة من نوع مختلف.

جيش لا يحمل كرة ولا يرتدي قميص المنتخب.

بل يحمل خفة دم لا تنفد مهما اشتدت اللحظات.

بدأت الحكاية بهدف عكسي سجله محمد هاني في مرمى منتخب مصر.

ساد الصمت لثوان قليلة.

ثم حدث ما لا يحدث إلا في مصر.

انطلقت التعليقات الساخرة من كل اتجاه.

لا لتسخر من لاعب اجتهد وأخطأ.

ولكن لتنتزع من القلق ابتسامة.

ولتقول للجميع إن المباراة لم تنته بعد.

ومع كل دقيقة كانت المباراة تزداد إثارة.

وكانت صفحات التواصل الاجتماعي تزداد ازدحاما بالإبداع المصري.

تعليق يولد تعليقا وصورة تفتح بابا لعشرات الصور.

وكأن المصريين يخوضون مباراة أخرى خارج الملعب.

مباراة عنوانها من يزرع الابتسامة في أصعب لحظة.

ثم جاءت ركلات الترجيح.

وهنا اختفت الابتسامات للحظات.

وحل محلها الصمت.

لا أحد يكتب.

ولا أحد يمزح.

فالقلوب كلها كانت معلقة بين السماء والملعب.

ومع كل ركلة كانت الدعوات تسبق الكرة إلى المرمى.

حتى جاءت صافرة الفوز.

فانطلقت الفرحة من جديد.

وعادت خفة الدم أقوى مما كانت.

وامتلأت الصفحات بعبارات التهنئة والفخر والدعاء لمنتخب قاتل حتى آخر لحظة ولم يفقد إيمانه بالفوز.

ولأن المصري لا يعرف التوقف عند محطة واحدة.

لم تكد الفرحة تهدأ حتى بدأت مباراة جديدة.

لكن هذه المرة على صفحات التواصل.

العنوان كان الأرجنتين.

وفجأة أصبح ميسي ضيفا دائما في التعليقات.

مرة يرحبون به بطريقتهم المرحة.

ومرة يمازحونه بثقة.

ومرة يطلقون التعليقات التي لا يفهمها إلا من يعرف طبيعة المصريين.

فهي ليست غرورا.

ولا استهانة بمنافس كبير.

بل إعلان بسيط أن المصري يدخل كل تحد بقلب لا يعرف الخوف وروح لا تتخلى عن الابتسام.

ولعل أجمل ما في تلك الليلة أن أحدا لم ينس أن كرة القدم تبقى لعبة.

يفوز فيها فريق ويخسر آخر.

أما خفة دم المصريين فلا تعرف الهزيمة.

هي حاضرة في التوتر قبل الفرح.

وفي القلق قبل الاطمئنان.

لا تسخر من أحد ولا تقلل من أحد.

بل تمنح الناس قدرة عجيبة على احتمال اللحظة.

وتبقى كرة القدم تسعين دقيقة وربما أكثر.

أما الضحكة المصرية فلا تنتهي مع صافرة الحكم.

فهي لغة يعرف بها المصريون كيف يواجهون التوتر.

وكيف يحولون أصعب اللحظات إلى أمل.

ولهذا ستظل خفة دم المصريين سرا لا يعرفه إلا أبناء النيل.

وسيبقى انتماؤهم لوطنهم هو سر تماسكهم في كل المواقف.

يجتمعون على اسم مصر.

ويختلفون في الآراء.

لكنهم لا يختلفون أبدا حين يتعلق الأمر براية وطنهم.

فمن خلف الشاشات كان الملايين يشجعون بقلب واحد.

ويدعون بصوت واحد.

ويفرحون فرحة واحدة.

وهذه هي مصر التي نعرفها.

وطن يجمع أبناءه وقت الشدة قبل الفرح.

وشعب قد يواجه الضغوط بابتسامة.

لكنه لا يساوم أبدا على حبه لوطنه.

حفظ الله مصر قيادة وشعبا وجيشا وشرطة.

وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

ورزقها دائما جيلا يحمل علمها بفخر.

ويهتف باسمها بمحبة.

فستبقى مصر دائما أكبر من أي مباراة.

وأعظم من أي بطولة.

لأنها وطن يسكن القلوب قبل أن يسكن الخرائط.

مدحت الحلفاوي

قلم وطني.. لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر.

#تحيا_مصر

#مدحت_الحلفاوي

أضف تعليق