صمت الرنين .. للأديبة حنين حنين

صمت الرنين

في زاوية مقهى الحي القديم، تحيط كفاه بكوب الشاي كمن يستدعي ليديه دماءً قديمة. عيناه مسمّرتان عند منحنى الشارع، تغربلان الوجوه العابرة؛ لعل واحداً منها يحمل ملامح غادرت العتبة ولم تعد.

​قبل عشرين عاماً، كان يعود من مصنع الحديد ليلاً، بوجنتين لفحتهما النار ويدين غائرتين في الشقاء. يقف طويلاً عند أسِرَّة أطفاله الثلاثة، يتأمل وجوههم المرتمية في العتمة، ويهمس للظلام: “غداً يكبرون ويرتاحون”. كان يركض في سباق لاهث؛ يجمع القرش فوق القرش، يشتري الكتب، ويسابق عقارب الساعة لدفع الأقساط. وحين كان ابنه الأصغر يتشبث بطرف قميصه متوسلاً أن يرجئ رحيله، كان يربت على كتفه الصغير بعجلة ويمضي، وعيناه معلقتان بالباب الخارجي. كان يعلمهم كيف يكون السعي، دون أن يدري أنه يعلمهم أيضاً كيف يكون الغياب.

​والآن، على الطاولة الخشبية في بيته المقفر، يرقد الهاتف المحمول العتيق بشاشته المخدوشة.

​في المحادثة الأخيرة، جاءه صوت ابنه الأكبر من خلف البحار، متقطعاً، تعبره نداءات مطار غريب: “مرحباً أبي.. الجدول مزدحم جداً، أردت فقط الاطمئنان عليك. هل كل شيء بخير؟”. نظر الأب إلى طلاء الجدار المقشر، ثم إلى ورقة التقويم الشاحبة، وأجاب بنبرة خافتة: “بخير يا بني.. شكراً لك، الله يوفقك”.

​انقطع الخط، وتلاه فوراً وميض الشاشة بإشعار بنكي مقتضب يعلن ورود حوالة جديدة. لقد كبر أولئك الصغار الذين تركهم يوماً في العتمة، وصاروا يركضون في منافيهم بذات العجلة التي ورثوها عنه، يدفعون أثمان غيابهم حوالاتٍ باردة. ساد الصمت مجدداً، وظل الشيخ يحدق في الشاشة المظلمة.

​في الشتاء الذي تلا رحيله الهادئ، عاد الأبناء الثلاثة مجتمعين. كان البيت بارداً، ويفوح من زواياه غبار الهجر ورائحة الأوراق المتروكة.

​لم يجدوا وصية، ولا رسائل عتاب. كل ما عثروا عليه في درج خزانته كان دفتراً صغيراً ممزق الغلاف، كُتب في صفحته الأولى بخط يده المرتجف: “أصواتهم”.

​لم يحصِ الثواني، ولم يثبت المبالغ. كانت الصفحات بيضاء كفنٍ ممتد، سوى من تواريخ قليلة متباعدة جداً، يفصل بين التاريخ والآخر بياضٌ طويل ومهجور

………….

بقلم :حنین

أضف تعليق