الأنبياء كانوا رعاة … للشاعر يوسف النجيمي

أَتَى الأَنْبِيَاءُ وَكَانُوا رُعَاةْ

وَأَكْثَرُهُم لِلْخَلْقِ كَانُوا دُعَاةْ

وَأَجْدَادُنَا هُم فُلَاتُ الأُبَاةْ

سَارُوا إِلَى الأَقْطَارِ سَيْرَ الغُزَاةْ

مِنْ أَرْضِ مَالِي وَبِلَادِ السُّنْغَايْ

وَمِنْ فُوتَا جَالُوا ذَوُو الثِّقَاتْ

وَمِنْهُم إِمَامٌ لِلْهُدَى وَدُعَاةْ

عُثْمَانُ فُودِي سَيِّدُ الدُّعَاةْ

أَقَامَ دِينَ اللهِ بَعْدَ سُبَاتْ

وَأَحْيَا بِعِلْمِهِ نُفُوسًا مَيِّتَاتْ

فَهُمْ حِكْمَةٌ تَجْرِي عَلَى الأَلْسُنَاتْ

وَهُمْ عِزَّةٌ تَأْبَى لَدَى النَّكَبَاتْ

وَهُمْ هِمَّةٌ لَا تَنْثَنِي لِعَثَرَاتْ

وَهُمْ سِيرَةٌ تُرْوَى مَدَى الأَزْمِنَاتْ

وَهُمْ نَخْوَةٌ فِي كُلِّ مَوْقِفٍ بَاتْ

يُثَنِّي عَلَى أَمْجَادِهِم كُلُّ أُمَّةْ

وَهُمْ رِفْعَةٌ فَوْقَ جَمِيعِ الطَّبَقَاتْ

وَهُمْ هَامَةٌ بَيْنَ ذَوِي المَهَابَاتْ

يوسف النجيبي

@Yusuf anajeeby.

عقد الفخار في مناقب الديار .. للشاعر أبو بكر البطوش

عِقْدُ الفَخَارِ فِي مَنَاقِبِ الدِّيَارِ

شِعْر / أَبُو بَكْرٍ البَطُوشُ

عَمَّانُ يَا سَيْفَ المُلُوكِ وَصَرْحَهَا تِيجَانُ عِزٍّ فِي الذُّرَى لَا تُهْزَمُ

بِالمَدْرَجِ الرُّومَانِيِّ يَنْطِقُ مَجْدُهَا وَالقَلْعَةُ الشَّمَّاءُ صَخْرٌ مُلْهِمُ

حِضْنُ الأُبَاةِ وَعَاصِمَةُ كَرَامَةٍ فِيهَا شَبَابٌ بِالفِدَاءِ تَعَمَّمُوا

إِرْبِدْ رَوَابِي الجُودِ يَسْكُنُ جَالَهَا خُضْرُ السُّهُولِ وَبِأَقَاحِي المَجْدِ تُرْجَلُ

بِـالْيَرْمُوكِ خَالِدُ هَدَّ عَرْشَ عِدَاتِنَا وَمَجْدُ أُمَّتِنَا بِالنَّصْرِ يَتَّصِلُوَ

أُمُّ قَيْسٍ فِي السِّيَاحَةِ شَامِخٌ أَقْوَاسُهَا

لِعُيُونِ الشَّمْسِ تَقْبَلُ

كَرَكُ العَقِيدَةِ وَالبُطُولَةِ وَالفِدَا حِصْنٌ عَتِيقٌ بِالمَعَارِكِ يُذْكَرُ بِـمُؤْتَةَ الشُّهَدَاءُ خَطُّوا نَصْرَنَا جَعْفَرٌ وَزَيْدٌ فِي التُّرَابِ تَعَطَّرُوا

دَارُ الـهَيَّاتِ إِذَا الثَّوْرَاتُ قَدْ حُمِيَتْ نَارٌ عَلَى مَنْ رَامَهَا تَتَسَعَّرُ

سَلْطُ الشَّهَامَةِ وَالبَلْقَاءِ مَنَارَةٌ أَهْلُ المُرُوءَةِ وَالبُيُوتُ تَلِيدُ

فِيهَا بَدَا أَوَّلُ الصُّرُوحِ تَعَلُّمَاً مَهْدُ العُلُومِ وَبِالعَطَاءِ جُودُ تَارِيخُ عِزٍّ فِي التِّلَالِ مُسَطَّرٌ رِجَالُهَا عِنْدَ النِّدَاءِ أُسُودُ

زَرْقَاءُ مَهْدُ العَسْكَرِيةِ وَالحِمَى

دِرْعُ البِلَادِ إِذَا الخُطُوبُ تَزَاحَمَتْ

قَصْرُ شَبِيبٍ فِي رُبَاكِ مَآثِرٌ

وَقَوَافِلُ التَّارِيخِ فِيكِ تَلَاحَمَتْ

مَدِينَةُ الجُنْدِ الأَشَاوِسِ مَوْطِنِي

لِأَجْلِ أَمْنِ العُرْبِ كَمْ قَدْ قَاوَمَتْ

مَفْرَقُ الجُودِ العَرِيقِ وَأَهْلِهِ بَادِيَةُ العِزِّ الشَّرِيفِ تُرَحِّبُ

فِي أُمِّ جِمَالٍ قَدْ رَأَيْنَا غَابِرَاً بَازِلْتُ مَجْدٍ

فِي الزَّمَانِ يُهَيِّبُ بَوَّابَةُ الشَّرْقِ المَجِيدِ بِأَرْضِنَا لِكُلِّ عَابِرِ سَبِيلٍ تَقْرَبُ

مَادَبَا لَوْحَةُ سِحْرٍ نَادِرٍ رُسِمَتْ فُسَيْفِسَاءً بِكَفِّ قَدِيمِ مِنْ فَوْقِ (نِيبُو) مَشْهَدٌ يَهْدِي المَدَى بَيْنَ القَدَاسَةِ وَالهَوَاءِ السَّلِيمِ

أَهْلُ الوَفَاءِ وَمَكْرُمَاتٍ جُمِّعَتْ كَرَمٌ صَفِيٌّ

مِنْ فُؤَادٍ كَرِيمِ

عَجْلُونُ يَا خُضْرَ الشِّعَابِ وَسِحْرَهَا يَا قَلْعَةً صَانَتْ حِيَاضَ المُسْلِمِ وَبَنَاهَا جُنْدُ الصَّلَاحِ لِكَيْ تَرُدَّ كُلَّ الفِرِنْجِ بِعَزْمِ جَيْشٍ مُحْكَمِ

وَتَلُّ إِيلِيَا الـمَزَارُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي لِرُؤْيَةِ إِرْثِهَا المُتَبَسِّمِ

جَرَشُ المَهَابَةِ وَالأَعْمِدَةِ الشَّوَاهِدِ مَشْعَلٌ لِلْمَجْدِ لَا يَتَخَبَّطُ مِهْرَجَانُ الفَنِّ يُحْيِي نَبْضَهَا وَالزَّائِرُونَ إِلَى ثَرَاهَا أَقْبَلُوا آثَارُ رُومَانٍ تَجَلَّى حُسْنُهَا لَكِنَّهَا بِثَوْبِ العُرُوبَةِ رُحِّلُوا

مَعَانُ يَا بَدْءَ النِّضَالِ وَمَنْبَعَاً لِلثَّوْرَةِ الكُبْرَى بِأَرْضِ أَبَانَا يَا قِبْلَةَ الحُجَّاجِ كَمْ جَادَتْ بِهِمْ سُقْيَا كِرَامٍ تَحْضُنُ الضِّيفَانَا وَبِقُرْبِهَا (البِتْرَاءُ ) أَعْجَبُ صَنْعَةٍ نَحَتَ الأَنَابِطُ صَخْرَهَا أَلْوَانَا

طَفِيلَةُ العِزِّ الأَبِيِّ وَهَاشِمِيَةُ المَجْدِ يَا جَمْرَ الكِفَاحِ الخَالِدِ فِي (ضَانَا) نَمْشِي وَالطَّبِيعَةُ جَنَّةٌ تَأْسِرُ قَلْبَ الزَّائِرِ المُتَوَافِدِ رِجَالُهَا صَبُّوا الرَّصَاصَ بِيَوْمِ مَجْدٍ صَوْنَاً لِأَرْضٍ وَالمَقَامِ السَّائِدِ

عَقَبَةُ الثَّغْرِ البَسُومِ وَبَحْرُنَا حَيْثُ المِيَاهُ وَنَخْلُ ( آيَلَةَ) النَّضِرْ فِي قَلْعَةِ العَزْمِ التَّلِيدِ وَبِجَانِبٍ بَيْتُ الشَّرِيفِ بِمَجْدِ أُمَّتِنَا ظَهَرْمَرْسَى السِّيَاحَةِ وَالنَّعِيمِ

لِكُلِّ مَنْ يَبْغِي الجَمَالِ وَبِالشَّوَاطِئِ يَنْبَهِرْ هَذِي المَحَافِظُ فِي ( الأُرْدُنُّ) قَدْ رُصِفَتْ مِثْلَ العَقِيقِ فَمَا لِلْمَجْدِ مِنْ دُونِ

شِعْر / أَبُو بَكْرٍ البَطُوشُ

لا مساس بالحقوق … للشاعر منصور أبو قورة

لا مساس بالحقوق .. !!

لامساس .. بالحقوق ..أو خداعا

لا تساوم .. لا تنازل .. بل دفاعا

من تساهى أو تعامي أو تساوم

ذاق ذلا في الحياة بل ضياعا

الحقوق .. كالدماء . . لا مساس

لاتهاد .. منها كأسا .. أو صواعا

كن كراع .. للشياه .. في انتباه

إن تغافى ضاعت الشياه وضاعا

بيد أن . . كل حق .. في الحياة

يقتضي منا انتباها لا اندفاعا

الحقوق … إن تهاوت اغتصابا

لامناص من جهاد .. كن شجاعا

واردع الأعداء .. ردعا كالأسود

يستعاد الحق . . والعدو مرتاعا

لا تكن .. مثل النعام في هروب

الرءوس في الرمال .. انصياعا

لا تخف .. من ذي .. سلاح معتد

انت اقوى .. فالزم الحق دفاعا

كل عاد سوف يقهر .. لا مناص

كل باغ .. سوف يغدو .. التياعا

والحقوق سوف تعلو راياتها

في انبهار .. لايغوث .. لا سواعا

الشاعر/ منصور ابوقورة

ثورة الحروف وأمانة النقد … للشاعر هادي خفاجي خفاجي

هادي خفاجي خفاجي‏ ‏ 

*** ثورة الحرف وأمانة النقد***

أَنَا سِرُّ نَبْضِ الشِّعْرِ إِذْ نَطَقَ المَدَى …

وَأَنَا اللَّظَى المَشْبُوبُ فِي كَبِدِ الصَّدَى

أَنَا نَسْمَةُ الفَجْرِ النَّدِيِّ إِذَا سَرَى …

يَشْفِي القُلُوبَ مِنَ الجَفَاءِ وَمَا بَدَا

وَرِثْتُ عَنِ الأَخْيَارِ صِدْقَ مَشَاعِرِي …

فَمَا بَاعَ فِكْرِي فِي المَحَافِلِ أَوْ جَدَا

وَمَا كُنْتُ يَوْماً لِلْمَطَامِعِ سَاجِداً …

بَلْ كُنْتُ لِلْإِصْلَاحِ دَوْماً مَقْصِدَا

أَصُوغُ مِنَ الأَشْوَاقِ شَهْدَ قَصَائِدِي …

فَإِذَا بِهَا نُورٌ لِمَنْ طَلَبَ الهُدَى

وَيَسِيرُ حَرْفِي فِي الدُّرُوبِ مَنَارَةً …

يَهْدِي الحَيَارَى حِينَ يَشْتَدُّ الرَّدَى

قَلَمِي بِكَفِّي صَارِمٌ ذُو عِزَّةٍ …

يَحْمِي المَبَادِئَ أَنْ تُضَامَ وَتُفْسَدَا

لَا أَرْتَجِي مَالاً وَلَا جَاهاً بِهِ …

بَلْ رِفْعَةَ الإِنْسَانِ أَنْ يَتَجَدَّدَا

إِنْ جَاشَ بَحْرُ الزُّورِ أَقْذِفُ مَوْجَهُ …

بِحَقَائِقٍ كَالشَّمْسِ تَسْطَعُ فِي الغَدَا

وَأَشُقُّ رَغْمَ العَاصِفَاتِ طَرِيقَنَا …

نَحْوَ المَعَالِي كَيْ نَعِيشَ بِلَا مَدَى

لِي فِي بَيَانِ العُرْبِ كُلُّ مَفَاخِرٍ …

بَيْتٌ عَتِيقٌ بِالكَرَامَةِ شُيِّدَا

تَبْكِي الحُرُوفُ إِذَا نَأَيْتُ لِحَظْوَةٍ …

وَتَطِيرُ فَرْحاً إِنْ رَأَتْنِي مُنْشِدَا

خُضْتُ القَوَافِيَ وَالخُطُوبُ مَرِيرَةٌ …

وَغَدَوْتُ فِي سَاحِ البَيَانِ مُجَرِّدَا

سَيْفَ الكَلَامِ العَدْلِ لَا أَبْغِي بِهِ …

ظُلْماً لِخَلْقٍ أَوْ أُثِيرَ تَمَرُّدَا

لَكِنَّنِي رُوحٌ تَهُزُّ مَشَاعِراً …

لِتُرِيحَ نَفْساً أَوْ تُعِينَ مُقَيَّدَا

أَنَا رِقَّةُ الغَيْمِ المُطِلِّ عَلَى الرُّبَى …

يَسْقِي الرِّيَاضَ فَتَسْتَفِيقُ عَلَى النَّدَى

وَأَنَا هَدِيرُ الرَّعْدِ إِنْ نَطَقَ الخَنَا …

وَبَغَى الجَهُولُ وَبِالضَّلَالِ تَعَمَّدَا

إِنْ يَسْأَلِ التَّارِيخُ عَنْ نَبَضَاتِنَا …

يَجِدِ الحُرُوفَ مَآثِراً وَتَخَلُّدَا

كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرَ اليَرَاعُ يُنِيرُهَا …

بِدُمُوعِ حِبْرٍ كَالعَقِيقِ تَجَمَّدَا

أَشْجَانُ قَلْبِي قَدْ صَنَعْتُ إِطَارَهَا …

شِعْراً رَصِيناً كَالعُقُودِ مُنَضَّدَا

مَا ضَرَّنِي خِذْلَانُ مَنْ ضَلُّوا الهَوَى …

أَوْ مَنْ عَمُوا عَنْ حَقِّنَا الفَذِّ المَدَى

سَأَظَلُّ أَبْنِي لِلْجَمَالِ مَعَالِماً …

وَأَكُونُ لِلْأَحْرَارِ دَوْماً سَيِّدَا

بِقَصَائِدٍ مِثْلِ النُّجُومِ لَوَامِعٍ …

تَمْحُو الظَّلَامَ رَحِيبَهُ وَالأَسْوَدَا

رُوحِي فِدَاءُ الحَرْفِ يَعْلُو شَأْنُهُ …

وَيَظَلُّ فِي سَمْعِ الزَّمَانِ مُغَرِّدَا

يَا أَيُّهَا الشَّادِي بِعَذْبِ لُحُونِنَا …

خُذْ مِنْ دَمِي هَذَا النَّشِيدَ لِيَشْهَدَا

أَنَّ الطَّهَارَةَ لِلْقُلُوبِ رِسَالَةٌ …

نَادَى بِهَا قَلَمِي وَعَنْهَا ذَوَّدَا

لَا يَشْتَرِي بَيْعَ النِّفَاقِ يَرَاعُنَا …

أَوْ يَرْتَدِي ثَوْبَ الخِدَاعِ لِيُحْمَدَا

عِشْنَا نَصُونُ العَهْدَ مَا عِشْنَا بِهِ …

وَمَشَى فُؤَادِي بِالهِدَايَةِ مُهْتَدَا

فَإِذَا رَحَلْتُ فَفِي المَحَافِلِ بَصْمَتِي …

تَرْوِي لِكُلِّ النَّاسِ مَا قَدْ أُسْنِدَا

كَانَتْ هُنَا نَفْسٌ تَصُوغُ حَيَاتَهَا …

شِعْراً نَقِيّاً بِالخُلُودِ تَعَمَّدَا

وَقَفَتْ بِوَجْهِ الرِّيحِ لَمْ تَعْبَأْ بِهَا …

وَغَدَتْ لِكُلِّ مَكَارِمٍ أُمّاً وَوَدَا

هَذِي خَوَاطِرُ مُهْجَتِي أَرْسَلْتُهَا …

نَغَماً رَقِيقاً فِي المَدَى مُتَرَدِّدَا

فَاحْفَظْ قَصِيدِي يَا زَمَانُ فَإِنَّهُ …

نَبْضٌ نَقِيٌّ صَانَ عَهْدَ السُّؤْدَدَا

أَنَا رِقَّةُ الوَحْيِ النَّبِيلِ إِذَا انْبَرَى …

شِعْرِي لِيَبْقَى فِي الوجُودِ مُمَجَّدَا

وَأَخْتِمُ بِالثَّنَاءِ لِكُلِّ حُرٍّ …

أَنَارَ بَصِيرَةَ الحَرْفِ السَّدَى

لأَهْلِ النَّقْدِ إِجْلَالِي وَشُكْرِي …

لِمَنْ نَقَضَ البَيَانَ لِيُرْشِدَا

أَظْهَرْتُمُو خَفَايَا النَّبْضِ نُصْحاً …

وَكُنْتُمْ لِي أَمِيناً رافدا

فَدَامَ عُلَاكُمُو نُوراً يَشِعُّ …

وَيَبْقَى الفَضْلُ فِي الدُّنْيَا مَدَى

هندسة الإدراك .. للباحث د . محمد عبد الله الغريش

هندسة الإدراك (1)

اقتصاد الانتباه: عندما يصبح الإنسان هو السلعة

بقلم: د. محمد عبدالله الغريش

في كل عصر كان هناك مورد استراتيجي تتنافس عليه القوى الكبرى. فكانت الأرض مصدر النفوذ في العصور الزراعية، وأصبح النفط عماد القوة في العصر الصناعي، أما اليوم فقد ظهر مورد جديد يفوقهما تأثيرًا، لأنه لا يُستخرج من باطن الأرض، بل من أعماق العقل البشري: الانتباه.

لم تعد الشركات العملاقة تتنافس على بيع المنتجات فحسب، بل أصبحت تتنافس على السيطرة على الوقت الذي تقضيه أمام الشاشة، وعلى عدد المرات التي تعود فيها إلى هاتفك، وعلى المشاعر التي تنتابك أثناء التصفح. لقد أصبح انتباه الإنسان هو العملة الأكثر قيمة في الاقتصاد الرقمي، لأنه المفتاح الذي تُبنى عليه الإعلانات، وتُجمع من خلاله البيانات، وتُصاغ بواسطته القرارات الاستهلاكية والسياسية والثقافية.

من هنا نشأ ما يُعرف بـ اقتصاد الانتباه؛ وهو نموذج اقتصادي يقوم على مبدأ بسيط، لكنه بالغ الخطورة: كلما طال انتباهك، زادت أرباح المنصة.

ولذلك لم تعد المنصات الرقمية تسأل: ماذا يحتاج الإنسان؟ بل أصبحت تسأل: كيف نجعله يبقى معنا أطول وقت ممكن؟

هذه ليست مبالغة، بل هي الفلسفة التي تقوم عليها معظم التطبيقات التي نستعملها يوميًا. فالهدف الأول لم يعد تقديم أفضل محتوى، وإنما إنتاج أكثر المحتويات قدرة على جذب الانتباه، حتى لو كان ذلك على حساب جودة المعرفة أو الصحة النفسية أو التماسك الاجتماعي.

وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فالمستخدم لم يعد زبونًا يدفع ثمن خدمة، بل أصبح هو نفسه المادة الخام التي تُستثمر. بياناته، واهتماماته، وسلوكه، وعلاقاته، وحتى لحظات ضعفه وانفعاله، تتحول إلى معلومات تُحلل بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم تُستخدم للتنبؤ بسلوكه والتأثير في قراراته.

إن المقولة الشهيرة: “إذا كان المنتج مجانيًا، فأنت هو المنتج” لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت وصفًا دقيقًا لواقع الاقتصاد الرقمي.

لكن كيف تستطيع المنصات أن تستولي على انتباه مليارات البشر؟

الجواب يكمن في فهمها للطبيعة الإنسانية.

فالدماغ البشري لا يعمل دائمًا وفق المنطق، بل يتأثر بالفضول، والمفاجأة، والخوف، والمكافأة، والرغبة في القبول الاجتماعي. وقد صُممت الخوارزميات لاستثمار هذه الدوافع بدقة مذهلة.

كل إشعار يصل إلى هاتفك، وكل إعجاب يظهر على منشورك، وكل مقطع يُعرض عليك بعد الآخر، ليس حدثًا عشوائيًا، بل نتيجة تصميم دقيق هدفه إبقاؤك داخل المنصة أطول مدة ممكنة.

ومع مرور الوقت، تتشكل عادة يصعب كسرها؛ إذ يصبح التحقق من الهاتف فعلًا تلقائيًا، ويتحول الفراغ القصير إلى فرصة للتصفح، ويصبح الصمت مزعجًا، بينما تغدو الشاشة الملاذ الأول لكل لحظة انتظار أو ملل.

وهكذا، لا يُسرق وقت الإنسان دفعة واحدة، بل يُستنزف على هيئة دقائق متفرقة، تتراكم حتى تتحول إلى سنوات من العمر.

غير أن الخسارة لا تقتصر على الوقت.

فالانتباه هو بوابة التفكير، وإذا فقد الإنسان السيطرة على انتباهه، أصبح أكثر قابلية للتشتت، وأضعف قدرة على التركيز، وأقل استعدادًا للتأمل والنقد والتحليل.

ولهذا لم تعد المنافسة الحقيقية بين المنصات على جودة الأفكار، بل على شدة الإثارة. فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو الجدل ينتشر أسرع من المحتوى الهادئ، لأن العقل يستجيب للانفعال قبل استجابته للعقلانية.

ومن هنا بدأنا نعيش في بيئة معلوماتية تُكافئ الضجيج، وتُهمش العمق، وتجعل سرعة التفاعل أهم من دقة الفهم.

ولعل أخطر ما في اقتصاد الانتباه أنه لا يغيّر سلوك الأفراد فحسب، بل يعيد تشكيل الثقافة نفسها. فعندما يعتاد المجتمع على الاستهلاك السريع للمعلومات، تتراجع قيمة القراءة، ويضعف الحوار، وتصبح الأفكار المعقدة عبئًا على عقل اعتاد الاختصار والإثارة.

وفي مجتمعاتنا العربية، تتضاعف خطورة هذه الظاهرة. فما زالت ثقافة التحقق من المعلومات ضعيفة، وما زالت التربية الإعلامية محدودة، الأمر الذي يجعل كثيرًا من الناس عرضة للشائعات، وللاستقطاب، وللتلاعب بالعواطف تحت ستار الأخبار أو الخطابات أو المحتوى الترفيهي.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره أمة ليس ثرواتها، بل قدرتها على التفكير المستقل. فالأمم التي تفقد سيادتها على وعيها، تصبح أكثر قابلية لأن تُقاد من الخارج، حتى وإن ظنت أنها تختار بحرية.

ولذلك فإن استعادة الانتباه ليست رفاهية، بل ضرورة حضارية. تبدأ من إدراك أن الوقت ليس المورد الوحيد الذي نحميه، بل إن وعينا نفسه يحتاج إلى حماية. وأن كل دقيقة نقضيها في استهلاك لا يضيف معرفة أو قيمة، هي جزء من رأس مالنا العقلي يتآكل بصمت.

إن التكنولوجيا في ذاتها ليست عدوًا، فهي من أعظم منجزات الإنسان، لكنها تتحول إلى أداة للهيمنة حين نستخدمها بلا وعي، وحين نسمح للخوارزميات بأن تحدد لنا ما نفكر فيه، وما نهتم به، وكيف ننظر إلى العالم.

إن معركة المستقبل لن تُحسم فقط في ميادين الاقتصاد أو السياسة، بل ستُحسم في قدرة الإنسان على حماية انتباهه من الاستنزاف، وعقله من التشتيت، ووعيه من التوجيه الخفي.

فالحرية لا تبدأ بحرية التعبير، بل بحرية الانتباه. ومن يملك انتباهه، يملك قراره. ومن يملك قراره، يملك مستقبله.

وفي المقال القادم: “سيكولوجية الصدمة… لماذا تُفضّل الخوارزميات الخوف على الحقيقة؟”

ممالك اسلامية لها تاريخ مجيد … للباحث د . عيد كامل النوقي

سلسلة:ممالك اسلامية لها تاريخ مجيد”

المقال “90”: إمامة ماسينا الإسلامية… دولة العلم ،والإصلاح في قلب إفريقيا”

بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

المقدمة :

في صفحات التاريخ الإسلامي دولٌ عظيمة لم تنل ما تستحقه من التعريف ،والإنصاف، رغم ما قدمته من جهود في نشر الإسلام، وإقامة العدل، وبناء الحضارة. ومن هذه الدول إمامة ماسينا، التي قامت في قلب غرب إفريقيا في القرن التاسع عشر، وأصبحت نموذجًا فريدًا للدولة الإسلامية التي جمعت بين العلم، والإصلاح، والعدل، وحسن الإدارة، حتى غدت منارةً يقصدها طلاب العلم ،والتجار، والدعاة.

أولًا: النشأة ،والتأسيس:

قامت إمامة ماسينا في منطقة دلتا نهر النيجر الداخلية، في أراضي مالي الحالية، على يد العالم المجاهد سيكو أحمدو سنة 1818م، بعد حركة إصلاحية هدفت إلى تصحيح العقيدة، وإحياء السنة، ومحاربة الظلم ،والفساد، وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وكان المؤسس من كبار علماء الفقه المالكي، فاستطاع أن يجمع القبائل المتفرقة تحت راية الإسلام، ويؤسس دولة قوية امتد نفوذها في معظم وسط مالي.

ثانيًا: الموقع، والأهمية:

تميزت الإمامة بموقعها الاستراتيجي حول دلتا نهر النيجر، وهو من أكثر المناطق خصوبة في غرب إفريقيا، كما كانت تقع على طرق التجارة بين الصحراء الكبرى، وغرب إفريقيا، مما جعلها مركزًا اقتصاديًا، ودعويًا مهمًا.

ثالثًا: أهم القادة، والحكام:

1) سيكو أحمدو (1818–1845م):

يعد المؤسس الحقيقي للدولة، وأعظم حكامها.

ومن أبرز إنجازاته:

توحيد القبائل المتنازعة.

إقامة دولة إسلامية قائمة على الشريعة.

إنشاء جهاز قضائي مستقل.

بناء المساجد، والمدارس.

تشجيع حفظ القرآن الكريم.

تنظيم الزكاة، وبيت المال.

نشر الأمن، والاستقرار.

وقد عُرف بالورع، والزهد، والعدل، حتى لقبه الناس بالإمام المصلح.

2)أمادو الثاني:

واصل مسيرة والده في نشر العلم، وتقوية الإدارة، والحفاظ على وحدة الدولة، واهتم بإعداد القضاة والعلماء، والمحافظة على الأمن الداخلي.

3) أمادو الثالث:

تولى الحكم في مرحلة صعبة، واجه خلالها تحديات عسكرية وسياسية كبيرة، حتى انتهى حكم الإمامة بعد دخول قوات الحاج عمر تال إلى عاصمتها سنة 1862م.

رابعًا: نظام الحكم:

اعتمدت الإمامة على الشريعة الإسلامية دستورًا للحكم، وكان الإمام يستشير العلماء في شؤون الدولة، ويعين القضاة من أهل العلم، ويحرص على إقامة العدل بين الناس دون تمييز.

كما نُظمت الولايات، وجُمعت الزكاة وفق الأحكام الشرعية، ووُضعت أنظمة لحماية الأسواق والطرق.

خامسًا: النهضة العلمية:

شهدت الإمامة نهضة علمية كبيرة، حيث انتشرت:

الكتاتيب.

مدارس القرآن الكريم.

حلقات الفقه المالكي.

تدريس الحديث والتفسير.

تعليم اللغة العربية.

نسخ المخطوطات الإسلامية.

وكان العلماء يحظون بمكانة رفيعة، وتُصرف لهم الرواتب من بيت المال.

سادسًا: الحياة الاقتصادية

ازدهر اقتصاد الدولة بفضل:

الزراعة على ضفاف نهر النيجر.

تربية الأبقار ،والأغنام.

التجارة الداخلية والخارجية.

تنظيم الأسواق.

حماية القوافل التجارية.

تطبيق نظام الزكاة.

وأدى الأمن إلى زيادة النشاط التجاري وارتفاع مستوى المعيشة.

سابعًا: الإنجازات الحضارية:

حققت الإمامة العديد من الإنجازات، منها:

نشر الإسلام في غرب إفريقيا.

ترسيخ القضاء الشرعي.

القضاء على كثير من مظاهر الفوضى.

بناء المساجد والمدارس.

تشجيع تعليم النساء والأطفال.

نشر اللغة العربية.

تحقيق الأمن والاستقرار.

الاهتمام بالفقراء من خلال بيت المال والزكاة.

ثامنًا: أسباب السقوط:

من أبرز أسباب سقوط الإمامة:

١)الحروب المستمرة مع القوى المجاورة.

٢)ضعف الموارد العسكرية.

٣)النزاعات السياسية.

٤)توسع إمبراطورية التوكولور بقيادة الحاج عمر تال، الذي ضم الدولة إلى إمبراطوريته سنة 1862م.

تاسعًا: الدروس المستفادة:

إن إمامة ماسينا تقدم درسًا خالدًا بأن نهضة الأمم تبدأ بإصلاح العقيدة، والعناية بالعلم، وإقامة العدل، وأن القيادة الصالحة تستطيع أن تصنع حضارة حتى في البيئات البعيدة عن مراكز العالم.

كما تؤكد أن وحدة الصف، وقوة المؤسسات، وإعداد العلماء، هي أساس بقاء الدول، واستمرارها.

الخاتمة:

رغم أن عمر إمامة ماسينا لم يتجاوز نصف قرن، فإن أثرها العلمي والدعوي، والحضاري بقي ممتدًا في غرب إفريقيا، وأسهمت في ترسيخ الإسلام واللغة العربية، وإعداد أجيال من العلماء والدعاة. وهي صفحة مشرقة من صفحات الحضارة الإسلامية تستحق أن تُقرأ وتُدرَّس، حتى تدرك الأمة أن تاريخها لم يكن حكرًا على المشرق أو الأندلس، بل امتد إلى كل أرض وصلها نور الإسلام.

المراجع العربية:

١)الإسلام في غرب إفريقيا.

٢)موسوعة التاريخ الإسلامي.

٣)تاريخ الإسلام في إفريقيا.

٤)منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، دراسات الحضارة الإسلامية في غرب إفريقيا.

٥)تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء.

عنقاء أنت يا سيدتي … للشاعر رمضان بلال

عَنْقَاءُ أَنْتِ يَا سَيِّدَتِي

بقلم: د. رمضان بلال

عَنْقَاءُ أَنْتِ… وَمَا لِلْحُسْنِ مِنْ سَبَبٍ إِلَّا وَفِي طَرْفِ عَيْنَيْكِ انْجَلَى الذَّهَبُ

تَمْشِينَ، فَالْوَرْدُ مِنْ خَلْفِ الْخُطَى خَجِلٌ

وَالْبَدْرُ يَنْحَنِي إِذْ يَلْمَسُهُ الطَّرَبُ

أَنْتِ الْقَصِيدَةُ لَوْ أَعْيَا الْبَيَانُ بِهَا

وَأَنْتِ لِلرُّوحِ إِذْ تَشْقَى بِهَا الْأَرَبُ

يَا مَنْ تَفَرَّدَ فِي الْإِحْسَانِ مَبْسَمُهُ

حَتَّى تَوَهَّمَ أَنَّ النُّورَ يَقْتَرِبُ

إِنِّي رَأَيْتُ بِوَجْهِ الْفَجْرِ بَسْمَتَكُمْ

فَأَزْهَرَ الْكَوْنُ وَانْهَلَّتْ بِهِ السُّحُبُ

مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّ الْحُسْنَ مُعْجِزَةٌ

حَتَّى رَأَيْتُ، فَضَاعَ الْعَقْلُ وَالْأَدَبُ

إِنْ غِبْتِ، صَارَ مَسَاءُ الْقَلْبِ مُوحِشَةً

وَصَارَ فِي أُفُقِ الْأَيَّامِ مُضْطَرِبُ

وَإِنْ أَتَيْتِ، تَهَلَّلَتِ الْحَيَاةُ لَنَا

وَاخْضَرَّ مِنْ بَعْدِ يَبْسِ الْعُمْرِ مَا جَدَبُوا

لَا تَسْأَلِي الْقَلْبَ كَمْ أَخْفَى مِنَ الْهَوَى

فَالْبَحْرُ يَجْهَلُ مَا تُخْفِي لَهُ الْحُقُبُ

أَنْتِ الْعَنَاقَةُ، بَلْ عَنْقَاءُ أُسْطُورَةٍ

لَا يُدْرِكُ الْوَصْفَ فِيهَا الشِّعْرُ وَالْكُتُبُ

فَابْقَيْ كَمَا أَنْتِ… نَبْعًا لَا نَفَادَ لَهُ

يُرْوِي الْفُؤَادَ، وَفِيضُ الْحُبِّ يَنْسَكِبُ

هَذِي مَشَاعِرُ قَلْبٍ صَاغَهَا وَلَهٌ

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي لَنَا الْقُلُبُ

التوقيع:

د. رمضان بلال

ما خلف الستار … للشاعر جاسم محمد الحساني

ما خلف السّتار

يحبّكِ قلبي

و يترنّم بـإلأشعار

و يعلمُ أنّكِ صاحبة شوقٍ

و ذوقٍ

و وقار

يتخيّل بمعيّتكِ

في المنتزهات

و الأنهار

أعلمُ بُعدكِ عنّي

بُعد المشرقين و المغربين

أنتِ في بلد

و أنا في بلد

و لم أتمكّنُ أن أجلبُ لكِ السعد

ولكنَّ القلبُ منهار

ساجداً لحُبّكِ ليلاً و نهار

عند ما يراكِ

يطلبُ منكِ الإعتذار

هل إستيقظتي و نهضتي بـإلإنجرار

لبُعد المسافات

و ترك الدّيار

بيني و بينكِ جبلٌ من نار

و أنتِ صاحبة القرار

أنا في أرضي غريب

مملكتة لم تعرف من أهلها

و عريسةَ مشجّرةَ بلا أثمار

و تنادي بلا شجار

ويلكم يا ظالمين

و رافعين الأسعار

هل إمتلات بطونكم

من نهب حقائب الأحرار

هل للعالم منظار

هل يكتفي بـإلإحذار من الأشرار

و الغرباء يتبطّشون بـإلأسحار

و يُعلّقون أعناق صاحبين المرحمةَ بلا قرار

و متمسّكين السالبين بـإلإنكار

أقولُ لكِ يا حبيبتي

هذا يومٌ لن يعودُ

مادام عينكِ و قلبكِ

حاضرٌ خلف السّتار

جاسم محمد الحسّاني 03/07/2026

خفة دم المصريين … للأديب مدحت الحلفاوي

خفة دم المصريين..

سر لا يعرفه إلا أبناء النيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك أشياء لا يختلف عليها اثنان.

ومن بينها أن المصري إذا توتر… يضحك.

قد يحبس أنفاسه وهو يتابع مباراة.

وقد يدعو من قلبه مع كل هجمة.

لكن ابتسامته لا تغيب.

وكأن الله منح هذا الشعب نعمة خاصة.

كلما اشتدت اللحظة أخرج من بين القلق نكتة.

ومن بين الخوف ابتسامة.

ومن بين التوتر حكاية يرويها الجميع بعد انتهاء المباراة.

وهذا بالضبط ما حدث في ليلة ستظل شاهدة على أن خفة دم المصريين ليست هواية. بل أسلوب حياة.

إذا أردت أن تعرف شيئا عن المصريين فلا تسأل عنهم في أوقات الفرح.

راقبهم في لحظات التوتر.

هناك فقط ستكتشف سرهم الحقيقي.

ففي الوقت الذي كانت فيه الجماهير تحبس أنفاسها وتتشابك الأيدي بالدعاء كان هناك جيش آخر يخوض مباراة من نوع مختلف.

جيش لا يحمل كرة ولا يرتدي قميص المنتخب.

بل يحمل خفة دم لا تنفد مهما اشتدت اللحظات.

بدأت الحكاية بهدف عكسي سجله محمد هاني في مرمى منتخب مصر.

ساد الصمت لثوان قليلة.

ثم حدث ما لا يحدث إلا في مصر.

انطلقت التعليقات الساخرة من كل اتجاه.

لا لتسخر من لاعب اجتهد وأخطأ.

ولكن لتنتزع من القلق ابتسامة.

ولتقول للجميع إن المباراة لم تنته بعد.

ومع كل دقيقة كانت المباراة تزداد إثارة.

وكانت صفحات التواصل الاجتماعي تزداد ازدحاما بالإبداع المصري.

تعليق يولد تعليقا وصورة تفتح بابا لعشرات الصور.

وكأن المصريين يخوضون مباراة أخرى خارج الملعب.

مباراة عنوانها من يزرع الابتسامة في أصعب لحظة.

ثم جاءت ركلات الترجيح.

وهنا اختفت الابتسامات للحظات.

وحل محلها الصمت.

لا أحد يكتب.

ولا أحد يمزح.

فالقلوب كلها كانت معلقة بين السماء والملعب.

ومع كل ركلة كانت الدعوات تسبق الكرة إلى المرمى.

حتى جاءت صافرة الفوز.

فانطلقت الفرحة من جديد.

وعادت خفة الدم أقوى مما كانت.

وامتلأت الصفحات بعبارات التهنئة والفخر والدعاء لمنتخب قاتل حتى آخر لحظة ولم يفقد إيمانه بالفوز.

ولأن المصري لا يعرف التوقف عند محطة واحدة.

لم تكد الفرحة تهدأ حتى بدأت مباراة جديدة.

لكن هذه المرة على صفحات التواصل.

العنوان كان الأرجنتين.

وفجأة أصبح ميسي ضيفا دائما في التعليقات.

مرة يرحبون به بطريقتهم المرحة.

ومرة يمازحونه بثقة.

ومرة يطلقون التعليقات التي لا يفهمها إلا من يعرف طبيعة المصريين.

فهي ليست غرورا.

ولا استهانة بمنافس كبير.

بل إعلان بسيط أن المصري يدخل كل تحد بقلب لا يعرف الخوف وروح لا تتخلى عن الابتسام.

ولعل أجمل ما في تلك الليلة أن أحدا لم ينس أن كرة القدم تبقى لعبة.

يفوز فيها فريق ويخسر آخر.

أما خفة دم المصريين فلا تعرف الهزيمة.

هي حاضرة في التوتر قبل الفرح.

وفي القلق قبل الاطمئنان.

لا تسخر من أحد ولا تقلل من أحد.

بل تمنح الناس قدرة عجيبة على احتمال اللحظة.

وتبقى كرة القدم تسعين دقيقة وربما أكثر.

أما الضحكة المصرية فلا تنتهي مع صافرة الحكم.

فهي لغة يعرف بها المصريون كيف يواجهون التوتر.

وكيف يحولون أصعب اللحظات إلى أمل.

ولهذا ستظل خفة دم المصريين سرا لا يعرفه إلا أبناء النيل.

وسيبقى انتماؤهم لوطنهم هو سر تماسكهم في كل المواقف.

يجتمعون على اسم مصر.

ويختلفون في الآراء.

لكنهم لا يختلفون أبدا حين يتعلق الأمر براية وطنهم.

فمن خلف الشاشات كان الملايين يشجعون بقلب واحد.

ويدعون بصوت واحد.

ويفرحون فرحة واحدة.

وهذه هي مصر التي نعرفها.

وطن يجمع أبناءه وقت الشدة قبل الفرح.

وشعب قد يواجه الضغوط بابتسامة.

لكنه لا يساوم أبدا على حبه لوطنه.

حفظ الله مصر قيادة وشعبا وجيشا وشرطة.

وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

ورزقها دائما جيلا يحمل علمها بفخر.

ويهتف باسمها بمحبة.

فستبقى مصر دائما أكبر من أي مباراة.

وأعظم من أي بطولة.

لأنها وطن يسكن القلوب قبل أن يسكن الخرائط.

مدحت الحلفاوي

قلم وطني.. لا يعرف إلا الحق ولا ينحني إلا لله ولمصر.

#تحيا_مصر

#مدحت_الحلفاوي

المشهد الصادم … للأديب ماهر اللطيف

المشهد الصادم

بقلم:ماهر اللطيف /تونس

بين يدي النص

هذا ليس قصة قصيرة، ولا محاولة أدبية.

إنه أثر الصدمة بعد ثلاثة أيام من وفاة والدي.

تركته كما خرج من قلبي، دون تنقيح يمحو حرارة اللحظة أو يغير حقيقتها.

رحم الله أبي، وجعل هذا النص دعاءً وذكرى قبل أن يكون كتابة.

إلى روح والدي رحمه الله…

ترددت كثيرًا، خفت، ارتعش جسدي، اختنق نفسي، شعرت بتوقف نبضات قلبي، وتصبب العرق من جبيني… توقف الوقت عندي، ولم يعد المكان يعنيني ولا الإنسان. أظلم كل شيء حولي حتى بات النهار ليلًا، والنور ظلامًا.

ظللت على تلك الحال حتى سمعت صوتًا يناديني، وأصابع تشير إليّ:

ادخل وأغلق الباب… أنت بكره.

تلعثمت ولم أجد ما أقول. وجدتني أجر قدمي جرًا نحو تلك الغرفة التي كانت لغزًا بالنسبة إليّ. لماذا أنا هنا؟ ما دوري؟ وما الإضافة التي يمكنني أن أسديها؟

فجأة انهمرت دموعي، وتصاعدت شهقاتي، واهتز جسدي، وكل العيون مصوبة إليّ، لائمةً ومعاتبة. ثم قال الرجل الغريب عني:

كف عن البكاء، فهو بحاجة إلى الدعاء. لا تعذبه وتؤلمه، فهو يسمعك.

كفكفت دموعي، وتماسكت، واعتدلت قدر الإمكان. تسمرت عيناي في جثة والدي الممددة أمامي على ذلك المغسل الحديدي، شبه عارية، لا يستر عورتها إلا قطعة قماش. جثة هامدة لا تتحرك مهما فعل بها المُغَسِّل، ومهما قلبها، وحركها، وتحسسها.

وكنت طوال عملية الغسل أتابع جسد والدي، لعله يتحرك، يفتح عينيه، يعود إلى الحياة، يناديني، أو يستنجد بي، فأُنقذه من جبروت المُغَسِّل الذي لم يترك شبرًا من جسده إلا غسله ونظفه.

كما كنت أستحضر كلمات فقيدي وتصرفاته، إشاراته وابتساماته، ضحكاته ونكاته… كنت أتخيل فمه ينطق باسمي، فأصيح دون أن أشعر:

– نعم يا أبتاه.

– خذ بيدي وساعدني على النهوض.

– السمع والطاعة، أيها البطل.

– تحرك… لماذا لم تفِ بوعودك؟

كنت أحاول التقدم، لكنني أعجز عن ذلك، فقد رأيت نفسي محنطًا، مثبتًا في مكاني… همس أخي الأصغر في أذني:

كف عن الهراء والعبث. استقم وادعُ لوالدك بدل هذا المشهد المسرحي.

لملمت نفسي وعدت إلى رشدي حتى انتهت عملية الغسل، ثم التعطير، فالتكفين، ووُضع في مكانه في انتظار موعد موكب الدفن.

اقتربت من الجثمان، مثل سائر الأقارب والأصدقاء، وقبلت جبين والدي لآخر مرة، وسيف يمزق أوصالي من الداخل، ودموعي محبوسة في عيني حتى لا أبلل وجه أبي وهو يستعد للسفر الأبدي.

ثم حُمل الجثمان على الأعناق وسط موجة من التكبير وذكر الله والدعاء للميت. كثرت الأيدي التي تتسابق إلى حمل النعش، وساد الموكب جو من الإيمان والوقار، والاحترام لهذا الحدث الجلل، من المنزل إلى الجامع.

هناك صلينا العصر، ثم صلاة الجنازة، وعندها انفجر بركان الدموع، وفقدت السيطرة على نفسي، رغم محاولات الجميع تهدئتي وثنيي عن ذلك.

ثم انتقلنا إلى المقبرة، حيث ووري والدي الثرى بعد دقائق معدودة. تمنيت لو كنت مكانه، لو استطعت أن أهديه الحياة. كنت أتألم، وأصيح، وأرتعد… ومع كل حفنة تراب تلقى عليه، كنت أتمنى أن أمنع الناس من حرماني من والدي، ومن تغطيته بالتراب، إلى أن اختفى، ولم أعد أرى غير تلك الكومة من التراب.

تقبلت التعازي، ولم أكن أعي وجوه المعزين، فقد كنت أناجي خيال أبي الذي لم يفارقني لحظة، أخاطبه، وأرجوه أن يكف عن المزاح ويعود معي إلى المنزل… لكن هيهات، فقد صدر الحكم ونُفذ؛ حكم الواحد الأحد الذي لا يقبل طعنًا ولا استئنافًا.

عدت إلى المنزل، ويا ليتني ما عدت. كان صدى صوت أبي في كل مكان، وصورته تتجول هنا وهناك. فراشه، وملابسه، ونعاله، وأدواته الخاصة… كل شيء في مكانه، كأنه يناديه: “خذنا… استعملنا… فقد يئسنا من البطالة.”

لم أنم ليالي وأيامًا وأنا أنتظر عودة أبي. كنت أحدق في الباب مترقبًا طلعته البهية… لكنها لم تأتِ.

حتى وجدتني في عيادة الطب النفسي