أيها الطيّبُ الرائعْ
الدكتور فيصل سعودي
—
١
أيها الطيّبُ الرائعْ..
تقفُ خلفَ ظِلِّ الحقيقةِ،
لكنَّ الحقيقةَ لا تعرفُ ظِلَّها.
لا تطلبُ من المرايا أن تُعيدَ تكوينَ وجهك،
لأنَّ وجهَكَ كانَ أوَّلَ ما سقطَ من غيمةٍ،
حينَ كانتِ السماءُ تُجَرِّبُ كيفَ تكونُ أرضًا.
٢
يلمعُ جبينُكَ في عتمةِ الآخرينَ،
فيشعلونَ شموعَهُم من أصابعِكَ..
ولا يدرونَ أنَّ النارَ أتتْ من نبضِكَ،
وأنَّ الضوءَ ليسَ سرقَةً،
بل هوَ ما تبقَّى منكَ حينَ أَضَأْتَهم..
ثمَّ انسحَبْتَ كي لا تُحرِقَهم بكَمالِكَ.
٣
تمُرُّ في الشارعِ،
ولن يُلاحظَكَ أحدٌ،
لأنَّكَ تمشي كأنَّكَ لستَ هُنا،
وكأنَّ الأرضَ تحتَكَ تعرفُ أنَّ الثقيلَ لا يطأُها،
بل يُلامِسُها كي لا تئنَّ..
وتشفقُ أن تنبتَ شجرةٌ تحتَ وطأتكَ،
فتُعرَفَ.. فتفقِدَ حقَّكَ في الاختفاءِ،
حقَّكَ في أن تكونَ ندىً قبلَ أن يكونَ اسمًا.
٤
جنودُ الخفاءِ..
لسانُكُم رمادٌ لا يَلْذَعُ،
وأنفاسُكُم تذوبُ في السهلِ كالندى..
أمَّا أسماؤُكُم،
فلا تُسمَعُ إلَّا حينَ يغسلُ الموتُ وجْهَ النهارِ،
وتغسلُ أنتم أيديكُم من دمِ الغيابِ،
فتصيرونَ.. ماءً يمرُّ على جرحِ التُّرابِ.
٥
أنتَ الرجلُ الذي يُعطي،
لكنَّهُ لا يُبالي إنِ انكسرَتْ يدُه في المزادِ،
لأنَّ العطاءَ ليسَ فعلًا،
بل هوَ طريقةُ الوجودِ حينَ لا تجدُ مكانًا لغيرِ العطاءِ.
توزِّعُ الخبزَ على الجوعى،
وتختبئُ في جيوبِهم لتسمعَ دقَّاتِ قلوبِهم،
وتغلقُ بابَكَ..
لأنَّ سرَّكَ كانَ أن تُحصى في الأعدادِ التي لا تُعَدُّ،
وأن تكونَ صفرًا يُشبِهُ الدائرةَ الكاملةْ.
٦
أيها الطيّبُ الرائعْ..
هل تعرفُ سرَّ البقاءِ؟
أن تتشظَّى، ولا تجمعَ أشلاءَكَ.
لأنَّ الذي يبحثُ عن صورتِه في المرايا،
يموتُ قبلَ أن يموتَ،
ويتكرَّرُ حتى يملَّ التكرارْ.
أمَّا الطيّبُ،
فلا يموتُ، بل يتساقطُ ورقًا..
فإذا جاءَ شتاءُ العدمِ،
ستتذكَّرُهُ الأرضُ حينَ تحنو على جذورِها،
لكنَّ العالمَ،
لن يتذكَّرَ أبدًا أنَّ الذي سقاهُ كانَ مجهولاً،
وأنَّ الغيثَ كانَ عروقًا لا تُرى.
٧
في صمتٍ أبديٍّ،
ينامُ الطيّبُ كحقيقةٍ لا تُقرأْ،
ككتابٍ كُتِبَ على الماءِ،
كي لا يثقُلَ على أيدِي العابرينْ..
فلا تبحثْ عن قبرِه،
فهو في كلِّ نبضةٍ لا تُحصَى،
وفي كلِّ بابٍ لا يُطرَقُ،
وفي كلِّ ظلٍّ لا يُسمَّى..