ممالك الصمت وأدب الرأفة .. للأديب سليمان شحوذ علي

(مَمَالِكُ الصَّمْتِ وَأَدَبُ الرَّأْفَة) قلمي: سليمان شاحوذ علي- العراق 🇮🇶

في النفسِ أكياسٌ من الأسرارِ لا تزنُها الجبال، وفي السَّرائرِ محيطاتٌ من الفُصولِ لا تُحيطُ بها النظرات، فإنّ المَرءَ ليس بما تُبديهِ طَلعَتُه، بل بما تُكنُّهُ لوعَتُه، وما العيونُ إلا شَبَابيكُ على مَطابِخَ تَحترِقُ فيها صُدورُ العادِينَ بغيرِ دُخان، فلا يغرَّنَّكَ ابتسامُ الثَّغرِ، فكَم مِن ضِحكَةٍ هي في جَوهرِها صَرْخَةٌ قُيِّدَت بالسَّلاسلِ كي لا تُفزِعَ العابرين، والسَّرائرُ غُيوبٌ لا تقِسْ جَمالَ المَعدِنِ فيها بِبَريقِ القِشرَةِ، فالأرواحُ مَمالِكُ غائِرَةٌ لا يَدخُلُها إلا مَن أُوتيَ مَفاتيحَ الرَّأفَة، ومَن حَكَمَ على أُمَّةِ الرَّجلِ مِن جُملَةِ سَطرٍ فقد ظَلَمَ الكِتابَ ورَافِعَه؛ إذ إنَّ اللّحظَةَ العابِرَةَ سَجينَةُ ظَرفٍ خَفِيّ، ولكلِّ حَيٍّ في خافِقِهِ حَربٌ كَونيَّةٌ لا تَرْوِيها طُبولُ الأنباءِ وطَعنَاتٌ لا يَسيلُ منها دَمٌ مُشهَد، فَكُن لَيِّنَ الجَوانِبِ كالسَّحابِ، فبَعضُ القُلوبِ هَشَّةٌ تَتَصَدَّعُ بِصَدمَةِ الكَلِمَةِ وتَلتَئِمُ بِنَدرَةِ العَطف، وإنّ أبلَغَ ما يَسَعُ المَرءَ في هَذا العَالَمِ المَشحُونِ بِالضَّجيج، هو أن يَكونَ مَرفَأً آمِناً لِمَن تَقاذَفَتهُ أَمواجُ الأحزانِ الدَّافِنَة، فالمواساةُ الصَّادِقَةُ صَلاةٌ خَفيَّةٌ لا تَحتاجُ إلى جَهر.

أضف تعليق