الحرقة : جنازة الأمل على اليابسة .. للشاعر الكيلاني بوستة

💠“الْحَرْقَةُ: جَنَازَةُ الْأَمَلِ عَلَى الْيَابِسَةِ”

“لَيْسَتْ “الْحَرْقَةُ” سِوَى نَتِيجَةٍ لِلْفَقْرِ وَالْبَطَالَةِ وَالْيَأْسِ فِي الْأَحْيَاءِ الْمُهَمَّشَةِ، حَيْثُ يَجِدُ الشَّابُّ نَفْسَهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ مَوْتٍ بَطِيءٍ عَلَى أَرْضِهِ وَمَوْتٍ سَرِيعٍ فَوْقَ الْمَاءِ. إِنَّهَا لَا تُغْرِقُ الْأَبْنَاءَ وَحْدَهُمْ، بَلْ تَحْرِقُ قُلُوبَ الْأُمَّهَاتِ وَالْآبَاءِ، وَتُنْزِفُ طَاقَةَ الْمُجْتَمَعِ وَتُغَذِّي دَوَائِرَ الْجَرِيمَةِ. وَمَا دَامَتِ الْأَسْبَابُ قَائِمَةً لَنْ تَتَوَقَّفَ الزَّوَارِقُ. لِذَلِكَ فَالْحَلُّ لَا يَكُونُ بِالتَّحْذِيرِ وَحْدَهُ، بَلْ بِاجْتِثَاثِ الْجُذُورِ: بِتَوْفِيرِ الشُّغْلِ وَالْكَرَامَةِ وَإِعَادَةِ الْأَمَلِ، حَتَّى يَشْعُرَ الشَّابُّ أَنَّ مُسْتَقْبَلَهُ دَاخِلَ وَطَنِهِ لَا خَارِجَهُ.”

*****

💠الكاتب: الكيلاني بوستة

___ 🔷 ___

فِي أَطْرَافِ وَلَايَةِ مَنُوبَةَ، حَيْثُ يَتَرَاكَمُ الْإِسْمَنْتُ عَلَى التُّرَابِ وَيَتَرَاكَمُ الْهَمُّ عَلَى الْأَكْتَافِ، يَقَعُ حَيُّ “الْبَدْرِيَّةِ” التَّابِعُ لِمِنْطَقَةِ “دُوَّارِ هَيْشَرَ”. مَنْطِقَةٌ شَعْبِيَّةٌ نَائِيَةٌ، تَضُمُّ تَجَمُّعًا سُكَّانِيًّا كَبِيرًا، غَالِبُ أَهْلِهَا يَعِيشُونَ عَلَى الْكَفَافِ. لَمْ تَكُنْ مُشْكِلَتُهَا فِي قِلَّةِ الْأَيْدِي الْعَامِلَةِ، بَلْ فِي انْعِدَامِ الْعَمَلِ نَفْسِهِ، وَفِي النُّزُوحِ الْهَائِلِ إِلَيْهَا مِنَ الْأَرْيَافِ التُّونِسِيَّةِ الْمُهَمَّشَةِ. هُنَاكَ، يَتَخَرَّجُ الشَّابُّ مِنَ الْجَامِعَةِ إِنْ حَظِيَ بِهَا بِلَقَبٍ وَاحِدٍ لَا يَتَغَيَّرُ: “مُعَطَّلٌ عَنِ الْعَمَلِ”. وَإِذَا أُتِيحَ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ وَجَدَ نَفْسَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ مَعَ فَقْرِ عَائِلَةٍ لَا يَنْتَهِي. فِي “دُوَّارِ هَيْشَرَ” الْفَقْرُ لَيْسَ حَالَةً، إِنَّهُ إِرْثٌ يُوَرَّثُ.

فِي هَذَا الْفَضَاءِ تَرَعْرَعَ سِتَّةُ شُبَّانٍ جَمَعَتْهُمُ الْجُغْرَافِيَا ثُمَّ وَحَّدَهُمُ الْمَصِيرُ: “عَادِلٌ” وَ”خَالِدٌ” وَ”عَامِرٌ” وَ”سُفْيَانُ” وَ”أَشْرَفُ” وَ”فَهْدٌ”. غَادَرُوا مَقَاعِدَ الدِّرَاسَةِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِاخْتِلَافِ أَعْمَارِهِمْ، وَلَكِنَّ السَّبَبَ كَانَ وَاحِدًا: بُيُوتٌ مُحَطَّمَةٌ اقْتِصَادِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا، وَخِصَاصَةٌ لَا تَرْحَمُ. انْحَرَفَ أَغْلَبُهُمْ فِي طَرِيقِ الْحَيَاةِ. مِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ السِّجْنَ بِسَببِ السَّرِقَةِ وَ”الْبَرَاكَاجَاتِ” وَ”النَّطْرَةِ”، وَمِنْهُمْ مَنْ سُجِنَ بِسَبَبِ الْإِدْمَانِ عَلَى الْمُخَدِّرَاتِ.

أَمَّا “عَامِرٌ” فَكَانَ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي لَمْ يَشْفَعْ لَهُ اجْتِهَادُهُ. نَالَ “الْإِجَازَةَ التَّطْبِيقِيَّةَ فِي الرِّيَاضِيَّاتِ” وَسَارَعَ إِلَى كُلِّ الْمُنَاظَرَاتِ الْمَفْتُوحَةِ لِيَشْتَغِلَ وَيُعِيلَ عَائِلَتَهُ الْمُكَوَّنَةَ مِنْ أُمٍّ اسْمُهَا “تُونِسُ” قَدِ اسْتَوْطَنَ جَسَدَهَا مَرَضُ السَّرَطَانِ، وَمِنْ أُخْتَيْنِ “أَرْجَانَ” وَ”بَيْلَسَانَ” تتَابَعَانِ دِرَاسَتَهُمَا فِي الْمُرَكَّبِ الْجَامِعِيِّ بِمَنُوبَةَ فِي اخْتِصَاصِ الْإِعْلَامِيَّةِ. وَكَانَ أَبُوهُ “عَمِّي عُمَرَ” قَدْ مَاتَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ فِي حَادِثِ شُغْلٍ، إِذْ سَقَطَ مِنْ طَابِقٍ أَوَّلٍ فِي بِنَايَةٍ حَدِيثَةِ الْعَهْدِ فَفَارَقَ الْحَيَاةَ عَلَى الْفَوْرِ، وَتَرَكَ لَهُمْ مَتْجَرًا صَغِيرًا لِلْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ هُوَ مَصْدَرُ الدَّخْلِ الْوَحِيدُ. وَلَمَّا لَمْ يَجِدْ “عَامِرٌ” عَمَلًا أَكْمَلَ الْمَاجِسْتِيرَ، ثُمَّ الدُّكْتُورَاهَ، وَعَادَ فَطَرَقَ الْأَبْوَابَ نَفْسَهَا فَوَجَدَهَا أَشَدّ إِغْلَاقًا. وَفِي غُضُونِ ذَلِكَ تَرَاجَعَتْ صِحَّةُ الْأُمِّ فَلَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى الْوُقُوفِ سَاعَاتٍ طِوَالًا فِي الْمَتْجَرِ، وَازْدَادَتْ مَتَطَلَّبَاتُ الْبِنْتَيْنِ. وَقَفَ “عَامِرٌ” حَائِرًا لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ، وَبَدَأَ يُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ بِكَلِمَةٍ كَانَتْ تَدُورُ فِي أَزِقَّةِ “دُوَّارِ هَيْشَرَ” كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ: “الْحَرْقَةُ”.

وَفِي مَسَاءٍ كَانَ الْهَوَاءُ فِيهِ ثَقِيلًا بِالصَّمْتِ، الْتَقَى الْأَصْدِقَاءُ السِّتَّةُ كَعَادَتِهِمْ فِي “مَقْهَى أَحْمَدَ الْحَبَّاسِيِّ”. لَا يُفَرِّقُهُمْ إِلَّا طَبَقُ طَعَامٍ أَوْ سَاعَاتُ نَوْمٍ أَوْ حَاجَةٌ مَعَ الْأُمِّ أَوِ الْأُخْتَيْنِ. تَحَدَّثُوا كَثِيرًا عَنِ الْبَطَالَةِ وَالْخِصَاصَةِ وَعَنِ الْأَعْمَارِ الَّتِي جَاوَزَتِ الثَّلَاثِينَ دُونَ زَوَاجٍ وَلَا بَيْتٍ وَلَا حَتَّى رَاتِبٍ شَهْرِيٍّ. وَفَجْأَةً أَخَذَ “عَامِرٌ” الْكَلِمَةَ، وَكَانَ صَوْتُهُ مَكْسُورًا وَلَكِنْ فِيهِ عِنَادٌ. قَالَ: “أَحِبَّتِي، الْيَوْمَ وَقفَتِ الزَّنْقَةُ بِالْهَارِبِ، وَخَرَّ وَخَرَّ ظَهْرُ الْبَهِيمِ وَفَى. أَنْدَادُنَا تَزَوَّجُوا وَمَعَ عَائِلَاتِهِمْ وَصِغَارِهِمْ فَرْحَانِينَ، وَإِحْنَا اِسْتَنَّى يَا دَجَاجَة حَتَّى يْجِيكِ الْقَمْحُ مِنْ بَاجَةَ. الْيَوْمَ يَا طُورَة يَا فُورَة، مَا ثَمَّةَ كَانَ حَلٌّ وَاحِدٌ لَا غَيْرَ…!!!”. وَصَمَتَ قَلِيلًا، وَأَشْعَلَ سِيجَارَةَ “كْرِيسْتَالٍ” وَتَرَشَّفَ مِنْ فِنْجَانِ “قَهْوَةٍ مُشْتَرَكَةٍ”.

فَهَبَّ “أَشْرَفُ” مُسْتَعْجِلًا وَقَالَ: “هَيَّا خَبِّرْنَا يَا سَاحِرُ، أَشْنُوَّهُ الْحَلُّ الْوَحِيدُ؟ وَاصِلْ، تَكَلَّمْ!!”. فَضَحِكَ “عَامِرٌ” وَرَدَّ عَلَيْهِ بِهُدُوءٍ: “يَا رَاجِلُ صَبْرًا جَمِيلًا. صَبَرْتَ عُمْرَكَ عَلَى الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْمِيزِيرِيَا، وَمَا صَبَرْتَشْ تَسْمَعْنِي بِعَقْلِكْ!! يَا سِيدِي الْأَمْرُ بِبَسَاطَةٍ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَطَلَّبُ قُوَّةَ الشَّخْصِيَّةِ وَالْقَرَارَ الْحَاسِمَ وَالشَّجَاعَةَ مَعَ السِّرِّيَّةِ التَّامَّةِ. عَلَاشْ مَا نْفَكِّرُوشْ فِي ‘الْحَرْقَةِ’!!؟”.

وَمَا إِنْ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ حَتَّى انْفَجَرَتْ ضَحِكَةٌ جَمَاعِيَّةٌ ارْتَجَّ لَهَا الْمَقْهَى، إِلَّا “عَادِلًا” الَّذِي كَانَ جَالِسًا وَالدُّمُوعُ تَنْزِلُ مِنْ عَيْنَيْهِ. رَبَّتَ “خَالِدٌ” عَلَى كَتِفِهِ وَقَالَ لَهُ: “عَلَاشْ تَبْكِي يَا صَاحْبِي؟ رَاكْ رَاجِلْ وَالرَّاجِلُ مَا يَبْكِيشْ. هَيَّا قُلْنَا أَشْبِيكْ…”. فَأَجَابَ “عَادِلٌ” وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ: “أَنَا أَيْضًا فَكَّرْتُ مُنْذُ مُدَّةٍ فِي الْحَرْقَةِ، لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةٍ مَا عِنْدِيشْ فُلُوسْ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى خَايِفْ مِنَ الْمَوْتِ فِي الْبَحْرِ لَوْ يَغْرَقُ بِنَا ‘الشَّقْفُ’. وَالِدَيَّ كِبَارٌ فِي السِّنِّ وَأَنَا وَلَدُهُمُ الْوَحِيدُ، إِذَا فَقَدُونِي كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُهُمْ بَعْدِي…!!؟”.

فَتَدَخَّلَ “خَالِدٌ” وَقَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ سُخْرِيَةٌ: “بَاهِي أَنَا مَعَ فِكْرَةِ ‘الْحَرْقَةِ’، وَالْفُلُوسُ مِنْ أَيْنَ!!؟”. وَأَيَّدَهُ “سُفْيَانُ” وَ”فَهْدٌ” قَائِلَيْنِ: “إِنْتَ يَا ‘عَامِرُ’ تَنْقَعُ مِنْ وَرَاءِ الصَّحْنِ. لَا يَزِي الْفُلُوسُ مَا ثَمَّاشْ، وَزِيدْ مُمْكِنٌ الشَّقْفُ يَتْقَلَّبُ بِنَا فِي الْبَحْرِ وَيَتْعَشَّى بِنَا الْحُوتُ، وَإِذَا تْشَدِّينَا يَرْجِّعُونَا لِلْحَبْسِ مِنْ جَدِيدٍ. تُوَّةَ هَذِهِ حِكَايَةٌ تَقْتَرِحُهَا عَلَيْنَا؟ يَاخِي نَاقِصِينْ مَآسِي!!؟”. وَخَيَّمَ بَعْضُ الصَّمْتِ قَطَعَهُ مَجِيءُ “الْقَهْوَاجِيِّ” يَطْلُبُ حَقَّ الْقَهْوَةِ وَيَطْلُبُ مِنْهُمُ الْمُغَادَرَةَ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ تَأَخَّرَ. وَعَادُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى بُيُوتِهِمْ دُونَ قَرَارٍ نِهَائِيٍّ، وَكَأَنَّ الْأَمْرَ يَحْتَاجُ إِلَى جَوَلَاتٍ أُخْرَى مِنَ النِّقَاشِ.

وَبَعْدَ أَيَّامٍ الْتَقَوْا مَرَّةً أُخْرَى فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ. وَكَانَ يَبْدُو أَنَّ الْفِكْرَةَ قَدْ أَخَذَتْ وَقْتَهَا فِي الرُّؤُوسِ فَاسْتَقَرَّتْ. بَادَرَ “سُفْيَانُ” وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَقَالَ: “يَا ‘عَامِرُ’ إِنَّ مُقْتَرَحَكَ رَأَيْنَاهُ فِي تَوَاصُلٍ بَيْنَنَا عَيْنَ الصَّوَابِ. الْيَوْمَ حَبِّينَا نْقُولُولْكْ: مُرَافِقِينْ…”. فَقَاطَعَهُ “عَامِرٌ” مُسْتَغْرِبًا: “سُبْحَانَ مُغَيِّرِ الْأَحْوَالِ!! كَيْفَاشْ غَيَّرْتُمْ رَأْيَكُمْ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ؟ أَنَا عِنْدَمَا طَرَحْتُ مُقْتَرَحِي لَمْ أُقَدِّمْ حُلُولًا. كَيْفَاشْ يَقَعُ جَمْعُ تَكَالِيفِ ‘الْحَرْقَةِ’؟ وَلَمْ أُقَدِّمْ حُلُولًا لِكَيْفِيَّةِ التَّنْفِيذِ. هَلْ جِئْتُمْ وَمَعَكُمْ أَيْضًا حُلُولٌ لِهَذِهِ الْأُمُورِ!!؟”.

فَرَدَّ الْأَخَوَانِ “فَهْدٌ” وَ”عَادِلٌ” فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ: “نَحْنُ لَدَيْنَا الْحَلُّ. هَذَا الْحَلُّ يَتَطَلَّبُ الشَّجَاعَةَ وَكِتْمَانَ السِّرِّ وَالْاِلْتِزَامَ. وَأَيُّ طَرَفٍ مِنْ بَيْنِنَا يُفْشِي السِّرَّ سَيَكُونُ مَآلُنَا السِّجْنَ…”. وَتَفَرَّقُوا فِي آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى اتِّفَاقٍ ضِمْنِيٍّ بِأَنَّهُ لَا بَدِيلَ، وَأَنَّ الْفَشَلَ فِي التَّنْفِيذِ سَيُدْخِلُهُمْ فِي مَصَائِبَ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا.

وَفِي أَحَدِ الْمَسَاءَاتِ أَخَذَ “فَهْدٌ” وَ”عَادِلٌ” سَيَّارَةَ “إِيسُوزُو” مِنْ وَالِدِهِمَا بِحُجَّةِ الذَّهَابِ إِلَى “صَفَاقِسَ” لِمُقَابَلَةِ صَاحِبِ شَرِكَةٍ لِصِنَاعَةِ الْكَوَابِلِ. أَخَذُوا مَعَهُمُ الْبَقِيَّةَ وَتَوَجَّهُوا إِلَى حَفْلِ زِفَافٍ فِي أَحَدِ أَرْيَافِ “الرُّوحِيَّةِ” التَّابِعَةِ لِوِلَايَةِ “سِلْيَانَةَ”. رَحَّبَ بِهِمُ النَّاسُ وَقَدَّمُوا لَهُمُ الْعَشَاءَ وَمَا لَذَّ وَطَابَ، وَرَقَصُوا مَعَهُمْ عَلَى أَنْغَامِ “الزَّكْرَةِ” وَ”الْقَصْبَةِ” وَ”الطَّبْلِ” حَتَّى مُطْلَعِ الْفَجْرِ.

وَفِي غَفْلَةٍ مِنَ الْعَائِلَةِ الْمَنْشَغِلَةِ بِالضُّيُوفِ، دَخَلَ “عَادِلٌ” وَ”فَهْدٌ” وَ”خَالِدٌ” “الزَّرِيبَةَ” وَأَخَذُوا عَددًا مِنَ الْأَغْنَامِ وَوَضَعُوهَا فِي السَّيَّارَةِ الرَّابِضَةِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ وَمدروسٍ. ثُمَّ عَادُوا فَقَدَّمُوا التَّهَانِي وَغَادَرُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى “أَرْيَانَةَ” لِبَيْعِ الْمَسْرُوقِ فِي سُوقِهَا الْأُسْبُوعِيِّ الَّذِي يَنْتَصِبُ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي.

وَفِي الطَّرِيقِ وَهُمْ يَعْبُرُونَ مَنْطِقَةَ “بُرْجِ الْعَامِرِيِّ”، كَانَتْ دَوْرِيَّةٌ أَمْنِيَّةٌ لِلْحَرَسِ الْوَطَنِيِّ قَدْ نصبَتْ كَمِينًا بَعْدَ تَبْلِيغٍ عَنْ سَرِقَةِ أَغْنَامٍ. فَأَوْقَفَتِ السَّيَّارَةَ وَأَمْسَكَتْ بِالشُّبَّانِ السِّتَّةِ. كَانَ أَغْلَبُهُمْ مَعْرُوفِينَ لَدَى الْأَمْنِ، وَالسِّجْنُ يَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَهُ.

وَهَكَذَا لَمْ يَرْكَبُوا الْبَحْرَ وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى “الشَّقْفِ”. لَمْ تَكُنِ “الْحَرْقَةُ” سَفَرًا، بَلْ كَانَتِ احْتِرَاقًا آخَرَ عَلَى الْيَابِسَةِ. اِحْتَرَقَتْ قُلُوبُ الْأُمَّهَاتِ فِي “البَدْرِيَّةِ”، وَتَبَخَّرَ الْأَمَلُ عَلَى طَاوِلَةِ “مَقْهَى أَحْمَدَ الْحَبَّاسِيِّ”، وَبَقِيَ السُّؤَالُ مُعَلَّقًا فِي هَوَاءِ “دُوَّارِ هَيْشَرَ”: إِلَى مَتَى سَيَبْقَى الشَّابُّ هُنَا مُخَيَّرًا بَيْنَ مَوْتٍ بَطِيءٍ تَحْتَ الشَّمْسِ، وَمَوْتٍ سَرِيعٍ فَوْقَ الْمَاءِ؟

_انتهت_

💠 تعريف بالكاتب:

كِيلَانِي بُوسَتَّة 🇹🇳

شَاعِرٌ وَمُفَكِّرٌ تُونِسِيٌّ. يَكْتُبُ فِي قَضَايَا الْإِنْسَانِ وَالْهُوَامِشِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ بِلُغَةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُتَأَمِّلَةٍ، تَجْمَعُ بَيْنَ وَجَعِ الْوَاقِعِ وَسُؤَالِ الْمُسْتَقْبَلِ.

المرأة قصيدتي .. للشاعر هوميرو ألما ( خوان فارفان )

لمرأةُ.. قصيدتي المرأةُ لغزٌ غامضٌ وسيمفونيةٌ أثيريةٌ، كجدولٍ من مياهٍ صافيةٍ كالبلورِ تُعذِّبُ مجاري الأنهارِ والينابيعَ ومياهَ المطرِ؛ إنها مهدُ قُبلةٍ تتزينُ بأزهارِ الماغنوليا، وتملأُ الروحَ عذوبةً حين يُدمينا الليلُ… المرأةُ نبعٌ من التينِ والزنابقِ العذبةِ تبذرُ قناديلَ الضياءِ في أرجاءِ الفجرِ الباردِ الساكنِ؛ وفي نظرتِها يتجلّى بريقُ الأصدافِ السرمديُّ— يا امرأةً، يا رحيقاً وُلد من قلبِ الثرى، ليتَ شذاكِ لا يذوي أبداً، ولا يزولُ ذلك البلسمُ الرقيقُ النابعُ من أعماقِ روحكِ؛ فبدونكِ، تهيمُ النجومُ بلا وجهةٍ، ويفقدُ الحبُّ قيمتَه إن غابت عنهُ سحناتُكِ الفاتنةُ…

هوميرو ألما (خوان فارفان)، شاعر

المغفرة والتركيبة… لماذا يَغفر الله للإنسان؟ .. للأديب عبد الله إبراهيم جربوع

الإنسان ليس رقماً واحداً.

الإنسان سَبعةٌ وستون تريليون كائن. ثمانية وثلاثون تريليون خلية بشرية تتجدد كل يوم، وثمانية وثلاثون تريليون بكتيريا تعيش فينا وتتكلم مع دماغنا. رجلاً كان أو امرأة، نحن نظام بيئي متحرك لا آلة ثابتة. خلايا تموت وتحيا، وهرمونات تصعد وتهبط، وبكتيريا تتكاثر وتختفي، ومزاج يتغير من شروق الشمس إلى غروبها. ومن هذا التشابك يبدأ سؤال المغفرة.

كثيرون يسألون لماذا يَغفر الله، ولماذا يتكرر الذنب ثم التوبة ثم الذنب. الجواب التقليدي يقول لأن الله رحيم وهذا حق. لكن الجواب الأعمق يقول لأن الله خلقك وهو أعلم بتركيبتك منك، وبضعفك منك، وبصراعك الداخلي منك.

أولاً الإنسان متغير بالفطرة. جسمك لا يثبت على حال. خلايا الجلد تتجدد كل أسبوعين، وخلايا الدم كل أربعة أشهر، وخلايا الأمعاء كل خمسة أيام. ومع هذا التجدد تتغير كيمياؤك. السيروتونين الذي نسميه هرمون الرضا تسعة وتسعون بالمئة منه يُصنع في الأمعاء بمساعدة البكتيريا. والدوبامين والكورتيزول والGABA كلها تتأثر بالأكل والنوم والتوتر والالتهاب. فقد تصبح في يوم غاضباً بلا سبب، أو حزيناً بلا مبرر، أو ضعيفاً أمام إغراء كنت بالأمس تقاومه. هل هذا يبرر الخطأ؟ لا. لكنه يفسر قول الله تعالى وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا. الضعف هنا ليس مذمة، هو وصف للحقيقة. ضعف أمام الشهوة، وضعف أمام التعب، وضعف أمام التركيبة التي لا نملك مفاتيحها كلها. والله لم يطلب منك الكمال، طلب منك المجاهدة. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.

ثانياً المغفرة ليست تبريراً، هي علم وحكمة بالتفاصيل. تخيل أباً يعلم أن ابنته تمر بفترة حمل أو نفاس أو حيض فيكون مزاجها متقلباً. الأب لا يرضى بالكلمة الجارحة، لكنه يعالج السبب ويصبر ويعطي فرصة. ولله المثل الأعلى. المغفرة الإلهية مبنية على علم كامل بالنية والظرف واللحظة والتركيبة. يعلم ما الذي دفع الرجل للغضب، وما الذي دفعت المرأة للانفعال. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والوسع يختلف من رجل لامرأة، ومن حال لحال. ولذلك فتح باب التوبة للجميع فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ. العمل واحد، والأجر واحد، والمغفرة واحدة. قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. لم يقل الرجال فقط، قال عبادي ذكوراً وإناثاً.

ثالثاً الخطأ والرجوع طريق البشر جميعاً. كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. آدم وحواء معاً أكلا من الشجرة، ومعاً تابا، ومعاً غفر الله لهما. فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. الله وضع في الإنسان القدرة على السقوط، ووضع بجانبها زر الرجوع. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. يحب الرجل الذي يرجع، ويحب المرأة التي ترجع. لو أرادنا ملائكة ما جعل فينا تغيرات هرمونية وحملاً وولادة ونفساً أمارة بالسوء. لكنه أرادنا بشراً نسقط ونقوم، ننسى ونتذكر، نُخطئ ونستغفر.

رابعاً أثر الفهم هذا على علاقتنا بأنفسنا وبالناس. فهمك لتركيبتك وتغيراتك يجب أن يجعلك شيئين. أولاً أرحم بنفسك. أيتها المرأة لا تجلدي ذاتك إذا ضعفتِ في أيام معينة. وأيها الرجل لا تقسُ على نفسك إذا سقطت في لحظة ضعف. أنت إنسان. تعبت، جعت، قل نومك، اختلت كيمياؤك. أخطأت؟ تب وقم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ثانياً أرحم بغيرك. أيها الرجل افهم تقلبات زوجتك وأمك وأختك فهي ليست ضعف إيمان، هي تركيبة. وأيتها المرأة افهمي ضغط الرجل ومسؤوليته فهي أيضاً تركيبة. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. المغفرة التي تطلبها من الله مطلوب منك أن تمنح جزءاً منها للخلق.

الخلاصة أن المغفرة هي القانون الذي يحفظ هذا النظام المعقد من الانهيار. قانون يقول أنت ضعيف وأنا أعلم. أنتِ ضعيفة وأنا أعلم. أخطأتم وأنا أرى. ارجعوا وأنا أغفر. وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا. فلا يقنط رجل ولا امرأة. جددوا، وتوبوا، وازرعوا من جديد. فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا المحسنات. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

عبدالله ابراهيم جربوع

الوصايا الخالدة – المقال الرابع عشر : التوازن بين العبادة وعمارة الأرض .. للدكتور عيد كامل حافظ النوقي

الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان”.

المقال الرابع عشر: التوازن بين العبادة، وعمارة الأرض”.

بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

مقدمة:

من أعظم ما تكشفه سورة لقمان أنها لا تبني إنسانًا منعزلًا عن الحياة، ولا إنسانًا غارقًا في متاع الدنيا؛ وإنما تصنع الإنسان المتوازن: قلبه موصول بالله، وعقله واعٍ برسالته، وسلوكه نافع للناس، وحركته في الأرض قائمة على الحكمة والتواضع والإتقان.

والتوازن بين العبادة،وعمارة الأرض ليس مفهومًا مستوردًا من الفكر المعاصر، بل هو متجذر في القرآن الكريم، وتظهر معالمه بوضوح في وصايا لقمان لابنه؛ إذ تبدأ الوصايا بتوحيد الله وشكره، ثم تنتقل إلى المسؤولية الاجتماعية، ثم إلى الأخلاق والسلوك، في بناء متكامل للإنسان.

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: 12].

وهنا تبدأ القضية من الحكمة ،والشكر؛ لأن الإنسان الذي يعرف المنعم يعرف قيمة النعمة، ومن عرف قيمة النعمة أحسن استخدامها في عمارة الحياة.

أولًا: الحكمة هي نقطة الانطلاق

يقول الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: 12].

والحكمة ليست مجرد كثرة المعلومات، وإنما هي حسن وضع العلم في موضعه، وتحويل المعرفة إلى عمل صالح.

وقد ذكر الطبري في تفسيره أن الحكمة التي أوتيها لقمان تشمل الفقه،والعقل وإصابة القول، ونقل عن مجاهد أنها الفقه والعقل والإصابة في القول.

ويقرر السعدي:” أن الحكمة تستلزم العلم والعمل، وأنها تُفسَّر بالعلم النافع ،والعمل الصالح:.

وهنا نصل إلى قاعدة مهمة:

العلم الذي لا يتحول إلى عمل لا يبني حضارة، والعبادة التي لا تهذب السلوك لا تحقق غايتها التربوية.

ومن ثم فإن عمارة الأرض تحتاج إلى إنسان حكيم، لا إلى إنسان يعرف فقط؛ بل إلى إنسان يعرف ماذا يفعل، ولماذا يفعل، وكيف يفعل.

ثانيًا: الشكر يحول النعمة إلى طاقة للبناء

قال تعالى:

﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: 12].

فالشكر ليس مجرد كلمة يقولها الإنسان بلسانه، وإنما هو اعتراف بالنعمة، وثناء على المنعم، ثم استعمال للنعمة فيما يرضيه.

وقد بيّن ابن كثير أن نفع الشكر يعود إلى الشاكر نفسه، وأن الله غني عن عباده.

ومن هنا فإن العلم نعمة، والقوة نعمة، والمال نعمة، والصحة نعمة، والوقت نعمة، والمنصب نعمة، والقدرة على التأثير نعمة.

والسؤال الحضاري ليس: ماذا أملك؟

بل: ماذا صنعت بما أملك؟

فإذا استخدم الإنسان علمه في خدمة الناس، وماله في الخير، وقوته في حماية الضعفاء، وموقعه في تحقيق العدل؛ فقد أدى شكر النعمة.

ثالثًا: التوحيد هو الأساس الذي يحكم حركة الإنسان في الأرض:

قال لقمان لابنه:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13].

إن أول بناء في شخصية الإنسان هو بناء علاقته بالله.

فالإنسان الذي يؤمن بأنه عبد لله لا يتأله على الناس، ولا يجعل المال إلهًا، ولا السلطة إلهًا، ولا الشهرة إلهًا، ولا الشهوة إلهًا.

وهنا يظهر أثر التوحيد في عمارة الأرض؛ لأن التوحيد يحرر الإنسان من العبودية لغير الله، ويجعله مسؤولًا عن عمله أمام الله.

فالعبادة ليست عائقًا أمام العمران، وإنما هي الضابط الأخلاقي للعمران.

رابعًا: سورة لقمان تجمع بين العبادة، والمسؤولية الاجتماعية:

من أبلغ الآيات في هذا الباب قول لقمان:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].

تأمل هذا البناء:

الصلاة، الإصلاح ،الصبر.

الصلاة علاقة بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية تجاه المجتمع، والصبر قدرة على تحمل تبعات الإصلاح.

وقد فسر الطبري قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ بإقامتها بحدودها، وربط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوة الناس إلى طاعة الله واجتناب معاصيه، ثم ذكر الصبر على الأذى الذي قد يصيب المصلح.

وهذا يعني أن العبادة في التصور القرآني لا تنتهي عند سجادة الصلاة؛ بل تمتد آثارها إلى إصلاح الإنسان والمجتمع.

خامسًا: العبادة التي لا تنتج أخلاقًا تحتاج إلى مراجعة:

بعد الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تأتي وصايا الأخلاق:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].

ثم يقول:

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19].

فالسورة تنتقل من العقيدة إلى العبادة، ومن العبادة إلى الإصلاح، ومن الإصلاح إلى الأخلاق، والسلوك.

وهذه وحدة تربوية متكاملة.

والقرطبي يبين أن النهي عن تصعير الخد مرتبط بالإعراض عن الناس تكبرًا، بينما يفسر الطبري القصد في المشي بالتواضع وترك الخيلاء، ويذكر ابن كثير أن المقصود مشي متوسط لا إفراط فيه ولا تفريط.

إذن حتى طريقة المشي ونبرة الصوت تدخل في منظومة التربية الإسلامية.

وهذا يؤكد أن الإسلام لا يريد عابدًا متكبرًا، ولا عالمًا مغرورًا، ولا مسؤولًا مستعليًا، ولا ناجحًا يحتقر الناس.

سادسًا: عمارة الأرض امتداد لمعنى الاستخلاف:

إذا كان الإنسان عبدًا لله، فهو في الوقت نفسه مستخلف في الأرض ومسؤول عن إصلاحها.

قال تعالى:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61].

فالإعمار يشمل كل ما ينفع الإنسان ويحفظ مصالحه: العلم، والتعليم، والصناعة، والزراعة، والطب، والتقنية، والاقتصاد، وإقامة المؤسسات، وتحقيق العدالة، وحماية البيئة، وخدمة المجتمع.

لكن سورة لقمان تعلمنا أن هذا العمران يجب أن يكون محكومًا بالأخلاق.

ولهذا تأتي الوصايا:

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.

فلا قيمة لإنجاز حضاري يصاحبه استعلاء على الإنسان، ولا قيمة لقوة بلا أخلاق، ولا قيمة لثروة تؤدي إلى الظلم.

سابعًا: الاعتدال هو جوهر المنهج

قال تعالى:

﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: 19].

والقصد هو الاعتدال.

وفي هذا التوجيه درس يتجاوز المشي إلى منهج الحياة كله.

فلا إفراط في العبادة على حساب الحقوق، ولا تفريط في العبادة باسم العمل.

ولا إفراط في جمع المال، ولا تعطيل لأسباب الرزق.

ولا انغماس في الدنيا، ولا هروب من مسؤولياتها.

قال تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

وهذه قاعدة عظيمة في بناء الإنسان المتوازن: الدنيا وسيلة، والآخرة غاية، والعمل في الدنيا طريق مشروع إلى رضوان الله.

ثامنًا: من المسجد إلى ميدان الحياة:

الصلاة تعيد ترتيب القلب، ثم يخرج الإنسان من الصلاة إلى الحياة ليؤدي رسالته.

ولهذا جاء في وصية لقمان:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

فالإنسان المسلم لا يعيش بشخصيتين: شخصية متدينة في المسجد، وشخصية أخرى في السوق والمؤسسة والجامعة والأسرة.

بل ينبغي أن يكون إيمانه حاضرًا في كل ميادين حياته.

فالموظف الأمين يمارس عبادته في مكتبه.

والمعلم المخلص يمارس رسالته في فصله.

والطبيب الرحيم يمارس عبوديته في عيادته.

والباحث الذي ينفع الناس يمارس عبوديته في مختبره.

والتاجر الصادق يمارس عبادته في تجارته.

والأم التي تربي أبناءها على الخير تمارس عبادتها في بيتها.

وهكذا تتحول الحياة كلها إلى ميدان للعبادة إذا صحت النية واستقامت الوسيلة.

تاسعًا: الصبر شرط من شروط البناء الحضاري:

قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].

لم يربط لقمان بين الإصلاح والراحة، بل بين الإصلاح والصبر.

وهذه رسالة شديدة الأهمية في عصر السرعة والنتائج الفورية.

فلا بناء علمي بلا صبر، ولا إصلاح اجتماعي بلا صبر، ولا تربية بلا صبر، ولا نهضة اقتصادية بلا صبر، ولا صناعة حضارة بلا أجيال تعمل وتضحي وتراكم الإنجازات.

وقد ذكر الطبري أن الصبر هنا يشمل تحمل ما يصيب الإنسان من أذى في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إذن: الصبر ليس سلبية؛ بل قوة نفسية تحفظ الإنسان في طريق البناء.

عاشرًا: النموذج الذي تحتاجه الأمة اليوم:

إن الأمة لا تحتاج إلى إنسان يختار بين العبادة، والحياة، بل تحتاج إلى إنسان يجمع بينهما.

تحتاج إلى:

عابدٍ منتج، وعالمٍ عامل، ومثقفٍ مصلح، وتاجرٍ أمين، ومسؤولٍ عادل، وشابٍّ طموح، وأسرةٍ واعية، ومؤسساتٍ ذات رسالة.

وهذا هو الإنسان الذي تصنعه سورة لقمان.

فمن الآية الثانية عشرة نتعلم الشكر، ومن الثالثة عشرة التوحيد، ومن الرابعة عشرة والخامسة عشرة البر والتوازن في العلاقات، ومن السادسة عشرة مراقبة الله، ومن السابعة عشرة العبادة والإصلاح والصبر، ومن الثامنة عشرة التواضع، ومن التاسعة عشرة الاعتدال وحسن السلوك.

إنها مدرسة متكاملة لصناعة الإنسان.

خاتمة: العبادة التي تبني، والعمران الذي يعبد الله:

إن أعظم ما نتعلمه من وصايا لقمان أن الإسلام لا يريد إنسانًا يعيش للآخرة ويهجر الدنيا، ولا إنسانًا يعيش للدنيا وينسى الآخرة.

بل يريد إنسانًا يقول بلسان حاله:

يا رب، أعبدك في محرابي، وأتقنك في عملي، وأخلص لك في علمي، وأحسن إلى خلقك، وأعمر أرضك بما ينفع، وأحفظ قلبي من الكبر والغرور.

إن العبادة تمنح العمران روحه، والأخلاق تمنحه ضميره، والعلم يمنحه قوته، والعمل يمنحه أثره.

ومن هنا فإن نهضة الأمة لا تبدأ من المباني وحدها، بل تبدأ من بناء الإنسان؛ فإذا صلح الإنسان، صلح علمه وعمله ومؤسساته ومجتمعه.

ولعل أبلغ رسالة في هذا المقال أن نتذكر دائمًا:

لسنا مطالبين أن نختار بين السماء والأرض،

بل أن نسير في الأرض وقلوبنا معلقة بالسماء.

فالمؤمن الحق يعمر الأرض بيديه، ويعمر قلبه بالإيمان، ويجعل الدنيا مزرعة للآخرة.

وهذه هي الوصية الخالدة:

اعبد الله كأن حياتك كلها عبادة، واعمل في الدنيا كأنك مسؤول عن إصلاحها، واجعل كل نجاح دنيوي جسرًا إلى رضوان الله.

المراجع العربية :

١)القرآن الكريم، سورة لقمان، الآيات: 12–19.

٢)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة لقمان، الآيات 12–19.

٢)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة لقمان، الآيات 12–19.

٣)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة لقمان، الآيات 12–19.

٤)السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان،

٥)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير، تفسير سورة لقمان.

٦)البغوي، الحسين بن مسعود. معالم التنزيل في تفسير القرآن، تفسير سورة لقمان.

٧)الشوكاني، محمد بن علي. فتح القدير، تفسير سورة لقمان.

٨)ابن القيم، محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين، في مباحث الحكمة والعمل والتزكية.

٩)الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، مباحث تزكية النفس وآداب العمل والعبادة.

شموخ غزة .. للشاعر د . حسن الشوان

قصيدتى شموخ غزه

شمووخ غزة بأغصان السلام

والحق واضح وضوح الشمس

والغدر ساكن قلووب الأقزام

والنخووة بريئه من أى يأس

تاريخ الماضى واضح بالأرقام

والحاضر بينطق على الجثث

معاناه تخطت حدود الإجرام

وكفاحهم ملهلب لأخر نفس

ونخوة العزيمه تفرتك الظلام

ونمووت نمووت وتحيا القدس

الحق اقوى مهما طال ليل الظلم

ومهما طالت قسوة أوجاع الايام

الارض اتعودت ترتووى من الدم

والشهادة أمنيه كل مسالم وسام

غزة باقيه ارضها مش ح تمووت

غزة بتطرح عناقيد عنب وتووت

غزه عزة من الحى الذى لا يموت

ونور الحق شامخ يقهر اى ظلام

د/ حسن الشوان / مصر

النوافذ النغلقة .. للشاعر عبد الصاحب الأميري

النوافذ المغلقة

بقلم

السفير عبدالصاحب أميري

عبدالصاحب الأميري

&&&&&&&&&&_&&

أستيقظت على منبه ساعتي

صمت غريب لفّ بيتي

لا الجدران تشكو

ولا زوجتي تتوسل بالصغار، أن يكفوا عن النزاع

ولا أنا أسمع شجاراََ لأطفالي

رياح الذكريات

امرتني،، أبحث عنهم في غرفة مكتبي

لم أر منهم أحداََ

سوى صورا احتلت جدران بيتي

باتوا رجالا

وأنا طفل صغير سكنت بيتي

خوفاََ من الزحام

كوكبة من الأحفاد والأبناء يحيطون أبنائي

أبتسمت فرحاََ

فرحتي لم تدم كعادتي

صقعني خبر رحيل صديق طفولتي

أصابعي بدات تعد من بقى لي من أصحاب العمر

من كانوا طلابا في مدرستي

اختفوا،،

غابوا عن َوجهي

لا أرى ظلهم يطرق بابي

و لا صوتهم يعزف الحانا سمعتها أيام شبابي

أن نوافذهم غلقت أبوابها في وجهي

الإ نافذتي،، لا أحد يمرّ من أمامها

ولا أحد يتغزل باشعاري

حذفت اسم الصديق بعد رحيله

العدد المتبقي يسخر مني لقلته

وداع الدنيا لابدّ منها

لا أحد يبقى الإ صاحب الأمر

لم يبق من عمري وعمرك شيءٌ

تعالوا نتسلح بالمعرفة

بالعلم

بالإسلام،، أواخر العمر.

بقلم

السفير عبدالصاحب أميري، العراق

عبدالصاحب الأميري

على أعتاب الروح .. للشاعرة ميادة عاشقة الياسمين

حين تتحول القصيدة من حروف على الورق إلى مشهد ينبض بالصورة والإحساس يصبح للكلمات عمر آخر

كل الشكر والتقدير للأستاذ Hatem Ali Alili على هذا العمل الجميل الذي منح قصيدتي #على_أعتاب_روحي روحا بصرية تليق بها

شكرا لذائقته الراقية ولجهده الذي لم يكتف بنقل الكلمات بل قرأ إحساسها وصاغه في مشهد يلامس القلب

فالفن حين يلتقي بالشعر يصنع جمالا لا تكتمل ملامحه إلا بتعاون الأرواح المبدعة

كل الامتنان لك أستاذ حاتم على هذا الوفاء الجميل للحرف

ودمتم جميعا بخير ومحبة 🌹

#على_أعتاب_الروح

لم أمضِ عنكَ…

بل خلعتُ عن قلبي اسمي،

وألبستُه نبضَكَ.

خبأتُ ما تبقّى من أمنياتي

بينَ ابتسامةٍ لم تكتمل،

وعينينِ كانتا تتقنانِ

لغةَ العودة.

وعلى كفَّيكَ

كتبتُ آخرَ اعترافاتي بدمِ الروح،

ثم مضيتُ،

لا هاربةً من الحب،

بل ذائبةً فيه

حتى لم يَعُدْ للغيابِ معنى.

فإن ضللتَ الطريقَ إليَّ،

فلا تُفتِّشْ عن وجهي،

وابحثْ عن الياسمين؛

فكلُّ زهرةٍ تعرفُ اسمي،

وكلُّ عطرٍ يحملُ شيئًا من أنفاسي.

ستجدني

حين يثقلُ الليلُ قلبَكَ،

وفي الدعاءِ الذي يسبقُ النوم،

وفي نبضةٍ تأتيكَ

دون أن تعرفَ من أين جاءت.

فأنا لم أرحلْ…

أنا فقط

غيَّرتُ عنواني،

وصرتُ أسكنُ قلبَكَ

دون أن أطرقَ الباب.

#بقلم_مياده_عاشقة_الياسمين

الشياطين ثلاثة أنواع .. للشاعر صاحب ساجت

#خَــاطِــرَةٌ..

قَرَأْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ أَنَّ الشَّياطِينَ ثَلاثَةُ أَنْواعٍ أَعَاذَنَا اللّٰهُ مِنْهَـا وَ إيَّاكُـمْ :

* شَيطَانٌ يَخَافُ مِنْ آيَةِ الكُرْسِي.

* شَيطَانٌ يَتَمَسَّكُ بِـالكُرْسِي.

* شَيطَانٌ يُصَفِّقُ لِلْجَالِسِ عَلىٰ الكُرْسِي.

فَكَتَبْتُ هٰذِهِ الوَمْضَـاتِ البَيْنِيَّــةِ، عَنْ

وَاقِعٍ أَسْوَدَ.. وَ أُخْرَىٰ عَنْ وَاقِعٍ مُشْرِقٍ.

وَ بَيْنَ هـٰذَا وَ ذَاكَ.. نَخْتَارُ!

بَيْنَ دَفَّتَينِ

يَكْتِبُ تَأْرِيخَ الشُّعُـوبِ

قَارُونُ السِّيَاسَةِ!

بَينَ عَينَينِ

يَغْـرِزُ طَلْقَـةَ الرَّحْمَــةِ

شَيطَانُ الأُنْسِ!

بَينَ شِفَتَينِ

يَغْـرِسُ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ

إلٰـهُ الحَـرْبِ!

بَـيْنَنَـــا

قَابَ قَوسَينِ أَو أَدْنَـىٰ

الأَشْواقُ فُرُطًـا!

بَـيْنَنَــــا

مُنْذُ الخَلِيقَةِ الأُولَـىٰ

وَشائِجُ مَتينَةٌ!

بَـيْنَنَــــا

مَــعَ ٱلأيَّــامِ تَنْمُـــو

زُهُـورُ ٱلمَحَبَّـةِ!

(صاحِب ساجِت/العِرَاق)

النقد البناء يرمم النص ، بينماالانقد المرضي يهاجم النوايا ويداري العيوب ** للأديب أبو بكر البطوش


ابو بكر البطوش
 ·

النقد البناء يرمّم النص، بينما النقد المرضي يهاجم النوايا ويداري العيوب.

في عالم الأدب والكتابة، يُعدّ الغموض أداة فنية مشروعة يلجأ إليها الأديب لحماية خصوصيته أو تمرير رسائل مشفرة (المعنى في بطن الشاعر). إلا أن هذا الغموض يتحول أحياناً إلى ساحة معركة لبعض أشباه النقاد الذين يتخذون من النقد وسيلة لإثبات الذات أو تصفية الحسابات.

إليك مقالاً تحليلياً يوضح أبعاد هذه المشكلة والفرق بين النقد الحقيقي والهدام: بين ترميم النص وعقدة النقص: قراءة في سيكولوجية النقد والغموض الأدبي

أولاً: الغموض المشرووع وحق الشاعر في الكتمان يلجأ الكثير من الشعراء والكتاب إلى أسلوب الرمزية والغموض في نصوصهم. هذا السلوك ليس عيباً، بل هو خيار فني وإنساني محكوم بـ:

الحماية الذاتية: تجنب الفضيحة أو إحراج المقربين.

العمق الفني: ترك مساحة للقارئ للتأويل والتفكير.

المعنى في قلب الشاعر: الاحتفاظ بالدافع الحقيقي للنص كسرّ مقدّس لا يخص أحداً سواه.

ثانياً: النقد من أجل النقد (صيد النوايا وعقدة الاستعلاء)

على الجانب الآخر، يظهر نوع من المنتقدين الذين لا يلتفتون لجمالية النص، بل يركزون على “محاكمة النوايا”. تنطلق هذه الفئة من دوافع نفسية مشوهة أبرزها:

استعراض القدرة: محاولة إثبات الذات من خلال الإيحاء للجمهور بأنه يمتلك “فراسة” خارقة وقادر على كشف ما يخفيه الكاتب.

آلية دفاعية (البروجيكشن): الإسقاط النفسي، حيث يهاجم أخطاء الآخرين بضراوة ليلفت الأنظار بعيداً عن عيوبه وسقطاته الشخصية.

صناعة هالة الوهم: رغبة الناقد في أن يقال عنه “الناقد الذي لا يخطئ”، مستغلاً معرفته بالقواعد اللغوية أو بحور العروض كدرع يحميه من النقد.

ثالثاً: المقارنة الحاسمة بين الناقد الهادف والناقد المرضى وجه المقارنة

الانتقاد البناء الهادف

الانتقاد من أجل الانتقاد (الهدام)

التركيز الأساسي

يركز على العمل الأدبي نفسه (النص).

يركز على شخص الكاتب ونواياه الخفية.

الهدف

تطوير الكاتب، وتجويد لغته، ومساعدته على النمو.

التقليل من شأن الكاتب، والاستعراض الفردي.

الأسلوب

يطرح الملاحظة بلين، ويبرز الإيجابيات قبل السلبيات.

يتصيد الأخطاء اللغوية والعروضية لإحراج الكاتب.

المرجعية

ينطلق من قواعد العلم والأدب والموضوعية.

ينطلق من الهوى الشخصي وعقدة النقص.

رابعاً: خطورة التستر خلف اللغويات والعروض

إن اتقان الناقد للغة العرب وعروض الشعر لا يمنحه حصانة أخلاقية. عندما يتحول “الوقوف على الحرف والوزن” إلى سكين لقطع حبال الإبداع، يفقد النقد قيمته. الجمهور الواعي يدرك بمرور الوقت أن هذا الإصرار على التخطئة ليس حرصاً على اللغة، وإنما هو قناع يختبئ خلفه الناقد ليغطي على فقر موهبته الإبداعية أو ليوهم الناس بملائكيته الفكرية.

أما زال قلبي .. للشاعرة جاكلين راعي

أمازال قلبي بقلمي :جاكلين راعي

امازال قلبي يأنس المكان وصورة الأمس الجميل

وعتبات مازالت أكف متكئة على جدرانها وانفاس

في الهواء عابقات

أمازال في قلوبنا متسع لكراسيهم ودعس أقدامهم

بخفة كزهر ياما انتظرناه يصل وقد يصل وبعد قليل

وربما

اما زال من شتاء وعاصفات المطر والقابضات على

حكايا الأمهات وإيقاظ الصباح

أم كان الأجدر بقلوبهم أن تبقى ولا تتقبل الذهاب

أعاتبهم وفيض من حنين يسكن الدم والقلب قتيل

وكأن صيفهم مارحل ولا فناجين قهوتهم غسلت

وبقينا دمعا في زواريب الحي إلى أجل 3 /6 /2026