المغفرة والتركيبة… لماذا يَغفر الله للإنسان؟ .. للأديب عبد الله إبراهيم جربوع

الإنسان ليس رقماً واحداً.

الإنسان سَبعةٌ وستون تريليون كائن. ثمانية وثلاثون تريليون خلية بشرية تتجدد كل يوم، وثمانية وثلاثون تريليون بكتيريا تعيش فينا وتتكلم مع دماغنا. رجلاً كان أو امرأة، نحن نظام بيئي متحرك لا آلة ثابتة. خلايا تموت وتحيا، وهرمونات تصعد وتهبط، وبكتيريا تتكاثر وتختفي، ومزاج يتغير من شروق الشمس إلى غروبها. ومن هذا التشابك يبدأ سؤال المغفرة.

كثيرون يسألون لماذا يَغفر الله، ولماذا يتكرر الذنب ثم التوبة ثم الذنب. الجواب التقليدي يقول لأن الله رحيم وهذا حق. لكن الجواب الأعمق يقول لأن الله خلقك وهو أعلم بتركيبتك منك، وبضعفك منك، وبصراعك الداخلي منك.

أولاً الإنسان متغير بالفطرة. جسمك لا يثبت على حال. خلايا الجلد تتجدد كل أسبوعين، وخلايا الدم كل أربعة أشهر، وخلايا الأمعاء كل خمسة أيام. ومع هذا التجدد تتغير كيمياؤك. السيروتونين الذي نسميه هرمون الرضا تسعة وتسعون بالمئة منه يُصنع في الأمعاء بمساعدة البكتيريا. والدوبامين والكورتيزول والGABA كلها تتأثر بالأكل والنوم والتوتر والالتهاب. فقد تصبح في يوم غاضباً بلا سبب، أو حزيناً بلا مبرر، أو ضعيفاً أمام إغراء كنت بالأمس تقاومه. هل هذا يبرر الخطأ؟ لا. لكنه يفسر قول الله تعالى وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا. الضعف هنا ليس مذمة، هو وصف للحقيقة. ضعف أمام الشهوة، وضعف أمام التعب، وضعف أمام التركيبة التي لا نملك مفاتيحها كلها. والله لم يطلب منك الكمال، طلب منك المجاهدة. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.

ثانياً المغفرة ليست تبريراً، هي علم وحكمة بالتفاصيل. تخيل أباً يعلم أن ابنته تمر بفترة حمل أو نفاس أو حيض فيكون مزاجها متقلباً. الأب لا يرضى بالكلمة الجارحة، لكنه يعالج السبب ويصبر ويعطي فرصة. ولله المثل الأعلى. المغفرة الإلهية مبنية على علم كامل بالنية والظرف واللحظة والتركيبة. يعلم ما الذي دفع الرجل للغضب، وما الذي دفعت المرأة للانفعال. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والوسع يختلف من رجل لامرأة، ومن حال لحال. ولذلك فتح باب التوبة للجميع فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ. العمل واحد، والأجر واحد، والمغفرة واحدة. قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. لم يقل الرجال فقط، قال عبادي ذكوراً وإناثاً.

ثالثاً الخطأ والرجوع طريق البشر جميعاً. كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. آدم وحواء معاً أكلا من الشجرة، ومعاً تابا، ومعاً غفر الله لهما. فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. الله وضع في الإنسان القدرة على السقوط، ووضع بجانبها زر الرجوع. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. يحب الرجل الذي يرجع، ويحب المرأة التي ترجع. لو أرادنا ملائكة ما جعل فينا تغيرات هرمونية وحملاً وولادة ونفساً أمارة بالسوء. لكنه أرادنا بشراً نسقط ونقوم، ننسى ونتذكر، نُخطئ ونستغفر.

رابعاً أثر الفهم هذا على علاقتنا بأنفسنا وبالناس. فهمك لتركيبتك وتغيراتك يجب أن يجعلك شيئين. أولاً أرحم بنفسك. أيتها المرأة لا تجلدي ذاتك إذا ضعفتِ في أيام معينة. وأيها الرجل لا تقسُ على نفسك إذا سقطت في لحظة ضعف. أنت إنسان. تعبت، جعت، قل نومك، اختلت كيمياؤك. أخطأت؟ تب وقم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ثانياً أرحم بغيرك. أيها الرجل افهم تقلبات زوجتك وأمك وأختك فهي ليست ضعف إيمان، هي تركيبة. وأيتها المرأة افهمي ضغط الرجل ومسؤوليته فهي أيضاً تركيبة. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. المغفرة التي تطلبها من الله مطلوب منك أن تمنح جزءاً منها للخلق.

الخلاصة أن المغفرة هي القانون الذي يحفظ هذا النظام المعقد من الانهيار. قانون يقول أنت ضعيف وأنا أعلم. أنتِ ضعيفة وأنا أعلم. أخطأتم وأنا أرى. ارجعوا وأنا أغفر. وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا. فلا يقنط رجل ولا امرأة. جددوا، وتوبوا، وازرعوا من جديد. فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا المحسنات. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

عبدالله ابراهيم جربوع

أضف تعليق