أعرف جيداً دروب الرجال وطرقهم الملتوية حين يحاولون التقرب من امرأة على منصات التواصل فقد خبرتُ تلك المحاولات وتجاوزتها كثيراً لكن الفضول الأنثوي ورغبتي الشديدة في اكتشاف الوجه الآخر للعملة دفعاني للتساؤل إلى أين وصلت النساء في محاولات الاصطياد والتقرب من الرجال ولأنني أحب الاستكشاف وتستهويني التجربة قررتُ اختراق هذا العالم بنفس الأسلوب فاستعنتُ بلمسة من الذكاء الاصطناعي وتحولتُ بلمح البصر من امرأة حسناء إلى رجل جذاب وسيم يحمل في ملامحه وتفاصيل حسابه ما يلفت الأنظار ويستفز الفضول أطلقتُ الحساب ونشبتُ الشباك وجلستُ أرقب المسرح من بعيد ولم يطل الانتظار كثيراً حتى بدأت المصيدة تؤتي أُكلها وتوالت الرسائل التي كشفت لي الكثير فالأولى بدأت بالتشكيك اللطيف هل هذه صورتك الحقيقية فلما أجبتها بالإيجاب انتقلت فوراً للسؤال الاستكشافي هل أنت متزوج وحين علمتُ بأني متزوج ولي ولد عزفت على وتر المقارنة يا بخت زوجتك بك كيف تتركك على الفيس بوك ألا تغار عليك أجبتها بثقة هي تثق بي ولم تمر سوى أيام قليلة حتى ألقت بشركها هل يمكن أن نصبح أصدقاء لتعود بعد أسبوع واحد فقط وتقول بنبرة مأزومة لقد اعتاد قلبي عليك وأخشى أن أقع في حبك والثانية كانت تبعث رمز الإعجاب على المسنجر بشكل متكرر دون كلام وبعد ثلاثة أيام فقط تحولت إلى الهجوم لماذا تتجاهلني ألا تلاحظ وجودي والثالثة لم تضيع وقتها في المقدمات بل بادرت فوراً هل من الممكن أن نلتقي والرابعة ترسل كل صباح صورة وردة مصحوبة بعبارة الورد للورد والخامسة بادرتني بمديح مبالغ فيه حضرتك راقٍ جداً تعليقك الوحيد هو الذي شد انتباهي لدرجة أنني دخلت لأحدثك والغريب أن ذلك التعليق الساحر لم يكن سوى تهنئة عادية جداً لشاب على نجاحه في الثانوية العامة والسادسة دخلت من باب الاستشارات النفسية والاحتياج للفضفضة تدعي أنها تبحث عن رجل حكيم يفهمها لأن زوجها لا يفهم روحها ولا يثمن قيمتها لتبدأ في سكب أسرار بيتها ومشاعرها بأسلوب يستدرك العطف ويطلب الاهتمام والسابعة اعتمدت أسلوب الهجوم والافتخار المزيف بدأت بالتعليق على منشوراتي بنقد لاذع ومستفز ومحاولة التقليل من رأيي فقط لتجبرني على الرد والدخول معها في نقاش وحين تجاوبت معها تحولت فجأة من الند للند إلى التودد الناعم قائلة أنت الوحيد الذي استطاع أن يهز كبريائي وينال إعجابي وغيرهن الكثير والكثير من النماذج التي تتساقط أسطرتها عند أول اختبار وإن ما آلمني بحق في هذه التجربة ليس مجرد رؤية تلك السلوكيات بل المفاجأة الصادمة فقد اكتشفت أن عدداً غير قليل من هؤلاء النساء هنّ في الحقيقة صديقات لي على الفيس بوك نساء يقضين أوقاتهن في نشر منشورات تعكس الكبرياء والترفع ويؤكدن طوال الوقت أن الخطاب يتزاحمون على أبوابهن وهنّ من يرفضن بزهد بينما الواقع المؤلم يقول إن السوق متوقف ولا أحد يلتفت إليهن فيمارسن هذا الدور أمام بقية النساء بينما يمارسن في الخفاء الركض خلف السراب فيا نساء العالم حافظن على كرامتكن فالكرامة هي الجوهر الوحيد الذي إن ضاع لا يُسترد والصيد في المياه العكرة لا يجلب رجلاً حقيقياً وتصنع الزهد علناً مع الركض خفية خلف الحسابات المستعارة لا يصنع قيمة فكونوا صادقات مع أنفسكن قبل أن تكونوا كذلك أمام الشاشات
الإنسان سَبعةٌ وستون تريليون كائن. ثمانية وثلاثون تريليون خلية بشرية تتجدد كل يوم، وثمانية وثلاثون تريليون بكتيريا تعيش فينا وتتكلم مع دماغنا. رجلاً كان أو امرأة، نحن نظام بيئي متحرك لا آلة ثابتة. خلايا تموت وتحيا، وهرمونات تصعد وتهبط، وبكتيريا تتكاثر وتختفي، ومزاج يتغير من شروق الشمس إلى غروبها. ومن هذا التشابك يبدأ سؤال المغفرة.
كثيرون يسألون لماذا يَغفر الله، ولماذا يتكرر الذنب ثم التوبة ثم الذنب. الجواب التقليدي يقول لأن الله رحيم وهذا حق. لكن الجواب الأعمق يقول لأن الله خلقك وهو أعلم بتركيبتك منك، وبضعفك منك، وبصراعك الداخلي منك.
أولاً الإنسان متغير بالفطرة. جسمك لا يثبت على حال. خلايا الجلد تتجدد كل أسبوعين، وخلايا الدم كل أربعة أشهر، وخلايا الأمعاء كل خمسة أيام. ومع هذا التجدد تتغير كيمياؤك. السيروتونين الذي نسميه هرمون الرضا تسعة وتسعون بالمئة منه يُصنع في الأمعاء بمساعدة البكتيريا. والدوبامين والكورتيزول والGABA كلها تتأثر بالأكل والنوم والتوتر والالتهاب. فقد تصبح في يوم غاضباً بلا سبب، أو حزيناً بلا مبرر، أو ضعيفاً أمام إغراء كنت بالأمس تقاومه. هل هذا يبرر الخطأ؟ لا. لكنه يفسر قول الله تعالى وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا. الضعف هنا ليس مذمة، هو وصف للحقيقة. ضعف أمام الشهوة، وضعف أمام التعب، وضعف أمام التركيبة التي لا نملك مفاتيحها كلها. والله لم يطلب منك الكمال، طلب منك المجاهدة. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا.
ثانياً المغفرة ليست تبريراً، هي علم وحكمة بالتفاصيل. تخيل أباً يعلم أن ابنته تمر بفترة حمل أو نفاس أو حيض فيكون مزاجها متقلباً. الأب لا يرضى بالكلمة الجارحة، لكنه يعالج السبب ويصبر ويعطي فرصة. ولله المثل الأعلى. المغفرة الإلهية مبنية على علم كامل بالنية والظرف واللحظة والتركيبة. يعلم ما الذي دفع الرجل للغضب، وما الذي دفعت المرأة للانفعال. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، والوسع يختلف من رجل لامرأة، ومن حال لحال. ولذلك فتح باب التوبة للجميع فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ. العمل واحد، والأجر واحد، والمغفرة واحدة. قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. لم يقل الرجال فقط، قال عبادي ذكوراً وإناثاً.
ثالثاً الخطأ والرجوع طريق البشر جميعاً. كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. آدم وحواء معاً أكلا من الشجرة، ومعاً تابا، ومعاً غفر الله لهما. فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. الله وضع في الإنسان القدرة على السقوط، ووضع بجانبها زر الرجوع. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ. يحب الرجل الذي يرجع، ويحب المرأة التي ترجع. لو أرادنا ملائكة ما جعل فينا تغيرات هرمونية وحملاً وولادة ونفساً أمارة بالسوء. لكنه أرادنا بشراً نسقط ونقوم، ننسى ونتذكر، نُخطئ ونستغفر.
رابعاً أثر الفهم هذا على علاقتنا بأنفسنا وبالناس. فهمك لتركيبتك وتغيراتك يجب أن يجعلك شيئين. أولاً أرحم بنفسك. أيتها المرأة لا تجلدي ذاتك إذا ضعفتِ في أيام معينة. وأيها الرجل لا تقسُ على نفسك إذا سقطت في لحظة ضعف. أنت إنسان. تعبت، جعت، قل نومك، اختلت كيمياؤك. أخطأت؟ تب وقم. وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ثانياً أرحم بغيرك. أيها الرجل افهم تقلبات زوجتك وأمك وأختك فهي ليست ضعف إيمان، هي تركيبة. وأيتها المرأة افهمي ضغط الرجل ومسؤوليته فهي أيضاً تركيبة. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. المغفرة التي تطلبها من الله مطلوب منك أن تمنح جزءاً منها للخلق.
الخلاصة أن المغفرة هي القانون الذي يحفظ هذا النظام المعقد من الانهيار. قانون يقول أنت ضعيف وأنا أعلم. أنتِ ضعيفة وأنا أعلم. أخطأتم وأنا أرى. ارجعوا وأنا أغفر. وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا. فلا يقنط رجل ولا امرأة. جددوا، وتوبوا، وازرعوا من جديد. فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ولا المحسنات. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
المقال الرابع عشر: التوازن بين العبادة، وعمارة الأرض”.
بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
مقدمة:
من أعظم ما تكشفه سورة لقمان أنها لا تبني إنسانًا منعزلًا عن الحياة، ولا إنسانًا غارقًا في متاع الدنيا؛ وإنما تصنع الإنسان المتوازن: قلبه موصول بالله، وعقله واعٍ برسالته، وسلوكه نافع للناس، وحركته في الأرض قائمة على الحكمة والتواضع والإتقان.
والتوازن بين العبادة،وعمارة الأرض ليس مفهومًا مستوردًا من الفكر المعاصر، بل هو متجذر في القرآن الكريم، وتظهر معالمه بوضوح في وصايا لقمان لابنه؛ إذ تبدأ الوصايا بتوحيد الله وشكره، ثم تنتقل إلى المسؤولية الاجتماعية، ثم إلى الأخلاق والسلوك، في بناء متكامل للإنسان.
الصلاة علاقة بالله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية تجاه المجتمع، والصبر قدرة على تحمل تبعات الإصلاح.
وقد فسر الطبري قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ بإقامتها بحدودها، وربط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوة الناس إلى طاعة الله واجتناب معاصيه، ثم ذكر الصبر على الأذى الذي قد يصيب المصلح.
وهذا يعني أن العبادة في التصور القرآني لا تنتهي عند سجادة الصلاة؛ بل تمتد آثارها إلى إصلاح الإنسان والمجتمع.
خامسًا: العبادة التي لا تنتج أخلاقًا تحتاج إلى مراجعة:
بعد الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تأتي وصايا الأخلاق:
فالسورة تنتقل من العقيدة إلى العبادة، ومن العبادة إلى الإصلاح، ومن الإصلاح إلى الأخلاق، والسلوك.
وهذه وحدة تربوية متكاملة.
والقرطبي يبين أن النهي عن تصعير الخد مرتبط بالإعراض عن الناس تكبرًا، بينما يفسر الطبري القصد في المشي بالتواضع وترك الخيلاء، ويذكر ابن كثير أن المقصود مشي متوسط لا إفراط فيه ولا تفريط.
إذن حتى طريقة المشي ونبرة الصوت تدخل في منظومة التربية الإسلامية.
وهذا يؤكد أن الإسلام لا يريد عابدًا متكبرًا، ولا عالمًا مغرورًا، ولا مسؤولًا مستعليًا، ولا ناجحًا يحتقر الناس.
سادسًا: عمارة الأرض امتداد لمعنى الاستخلاف:
إذا كان الإنسان عبدًا لله، فهو في الوقت نفسه مستخلف في الأرض ومسؤول عن إصلاحها.
فمن الآية الثانية عشرة نتعلم الشكر، ومن الثالثة عشرة التوحيد، ومن الرابعة عشرة والخامسة عشرة البر والتوازن في العلاقات، ومن السادسة عشرة مراقبة الله، ومن السابعة عشرة العبادة والإصلاح والصبر، ومن الثامنة عشرة التواضع، ومن التاسعة عشرة الاعتدال وحسن السلوك.
إنها مدرسة متكاملة لصناعة الإنسان.
خاتمة: العبادة التي تبني، والعمران الذي يعبد الله:
إن أعظم ما نتعلمه من وصايا لقمان أن الإسلام لا يريد إنسانًا يعيش للآخرة ويهجر الدنيا، ولا إنسانًا يعيش للدنيا وينسى الآخرة.
بل يريد إنسانًا يقول بلسان حاله:
يا رب، أعبدك في محرابي، وأتقنك في عملي، وأخلص لك في علمي، وأحسن إلى خلقك، وأعمر أرضك بما ينفع، وأحفظ قلبي من الكبر والغرور.
إن العبادة تمنح العمران روحه، والأخلاق تمنحه ضميره، والعلم يمنحه قوته، والعمل يمنحه أثره.
ومن هنا فإن نهضة الأمة لا تبدأ من المباني وحدها، بل تبدأ من بناء الإنسان؛ فإذا صلح الإنسان، صلح علمه وعمله ومؤسساته ومجتمعه.
ولعل أبلغ رسالة في هذا المقال أن نتذكر دائمًا:
لسنا مطالبين أن نختار بين السماء والأرض،
بل أن نسير في الأرض وقلوبنا معلقة بالسماء.
فالمؤمن الحق يعمر الأرض بيديه، ويعمر قلبه بالإيمان، ويجعل الدنيا مزرعة للآخرة.
وهذه هي الوصية الخالدة:
اعبد الله كأن حياتك كلها عبادة، واعمل في الدنيا كأنك مسؤول عن إصلاحها، واجعل كل نجاح دنيوي جسرًا إلى رضوان الله.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم، سورة لقمان، الآيات: 12–19.
٢)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة لقمان، الآيات 12–19.
٢)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة لقمان، الآيات 12–19.
٣)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة لقمان، الآيات 12–19.
٤)السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان،
٥)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير، تفسير سورة لقمان.
٦)البغوي، الحسين بن مسعود. معالم التنزيل في تفسير القرآن، تفسير سورة لقمان.
٧)الشوكاني، محمد بن علي. فتح القدير، تفسير سورة لقمان.
٨)ابن القيم، محمد بن أبي بكر. مدارج السالكين، في مباحث الحكمة والعمل والتزكية.
٩)الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين، مباحث تزكية النفس وآداب العمل والعبادة.