مكارم الجميل .. للشاعر سعيد داود

مَكارمُ الجميل

إنَّ الجميلَ إذا ذُكِرتْ محاسنُهُ

تَزهو الخِصالُ، ويَستقيمُ مَوازِنُهُ

نثرتُ لهُ جُوري وأزهاري على

دربِ المكارمِ، فاستنارَ مَواطنُهُ

غارَ النهارُ منَ المُحيّا حينَما

أبدى الضياءَ، فلاحَ فيهِ مَعادنُهُ

والطيبُ إنْ سكنَ القلوبَ فإنَّهُ

يبقى، وتُشرقُ في المدى أزمانُهُ

ما كانَ فضلُ المرءِ يُنسى ذكرُهُ

فالفضلُ يبقى، خالدًا، تِبيانُهُ

سعيد داود

لا تحسبن النائبات شرارة .. للشاعر محمود متولي

لَا تَحْسَبَنَّ النَّائِبَاتِ شَرَارَةً

فَرُبَّ نَائِبَةٍ أَتَتْ بِيَقِينِ

لَمَّا تَكَلَّمَتِ الشَّدَائِدُ مَرَّةً

خَرِسَ ادِّعَاءُ الْوُدِّ وَالتَّلْوِينِ

🇪🇬 بقلم: محمود متولي

حين يصبح الطلاق جريمة .. للكاتبة رشا القمحاوي

حين يصبح الطلاق جريمة…

الأب لو طلقت .. فسوف تحبسين.

الأم لو طلقت .. سيشمت بنا الأهل والجيران.

الأخ لو طلقت .. سيعيرنا الناس بك.

الخاله لو طلقت .. ستكونين أول مطلقة في العائلة.

العمة لو طلقت .. ستكون فلانة أفضل منك، وعلانة أكثر حظا منك.

الجدة في عرفنا .. لا يوجد شئ اسمه طلاق.

فتعود لبيت الزوج مرة أخرى..

لا لأن الألم انتهى، بل لأن كل الأبواب أغلقت في وجهها.

فيستقبلها قائلاً ألم أقل لك إن أحدا لن يقبلك غيري؟

فتصمت .. وفي داخلها تتزاحم ألوان القهر، والظلم، والألم، والانكسار.

ثم يصفعها على وجهها ويقول إياك أن تفكري في ترك البيت مرة أخرى.

تمسح دموعها وتدخل المطبخ لتعد الطعام، طعاماً امتزج بدموع عينيها.

يجلس ليأكل في هدوء، ثم يرتدي أجمل ثيابه، ويخرج لمقابلة امرأة أخرى..

وهي تعلم ذلك، ولا تملك إلا الصمت، صمت فرضه الخوف، وصنعه مجتمع رأى في الطلاق عارا، ولم ير في الظلم والإهانة والاعتداء عارا أكبر.

فهل بقي لها شىء من آدميتها لتشعر به؟

وهل سمع أحد منهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «استوصوا بالنساء خيراً» ؟

وهل أدركوا أن الحياة الزوجية مودة ورحمة، لا إذلال وإهانة؟

وأن المرأة لا تكرم بالصبر على الظلم، ولا يقاس شرفها بقدرتها على احتمال الأذى، بل تصان كرامتها كما أمر الله ورسوله.

فعندما يصبح الطلاق عارا في نظر الناس، ويغض الطرف عن الظلم، والضرب، والخيانة، والإهانة. يكون الخلل في المفاهيم، لا في المرأة التي طلبت النجاة.

فليس كل بيت يحافظ عليه يستحق البقاء، وليس كل انفصال فشلا، بل قد يكون في بعض الأحيان بداية حياة أكثر أمنا وعدلا وكرامة.

ولكل فرد منكم، والله ستسألون..

ستسألون عن كل ليلة نامت فيها والدموع تنهمر على وسادتها، وعن كل مرض جسدي أصاب جسدها من كثرة الألم، وعن كل مرض نفسي أصاب روحها من شدة الوجع.

ستسألون عن كل يوم ضاع من عمرها، بينما كان زوجها يعيش حياته كما يحلو له.

ستسألون عن كل صفعة أصابت قلبها قبل أن تصيب وجهها، وعن كل خذلان ذاقته، وعن كل مرة شعرت فيها أنها وحيدة في مواجهة الظلم، بينما أنتم تعيشون أيامكم أيضا كما يحلو لكم.

ستسألون عن صمتها الذي فرض عليها، وعن خوفها الذي كبر في قلبها، وعن كرامتها التي أهدرت، وعن سنوات من عمرها عاشتها مكسورة، فقط لأنكم أقنعتموها أن الخلاص عار، وأن الطلاق فضيحة، وأن عليها أن تبقى حيث تهان وتضرب وتخذل.

فالله لن يسألكم عن كلام الناس، ولا شماتة الجيران، ولا عن نظرة الأقارب.

ولكنه سيسألكم عن الظلم، وعن القهر، وعن كل دمعة سالت من عينيها، وكان من الممكن أن تنقذوها، فتركتموها تغرق في الألم، وطالبتموها بالصمت.

فلا تجعلوا من بقاء المرأة في بيت يؤذيها بطولة، ولا من طلاقها هزيمة، فقد يكون الرحيل أحيانا هو الطريق الوحيد لاستعادة ما سلب منها من أمان وكرامة.

باب موصد..

وخلفه امرأة

تكتم صرخاتها.

وسادة ليل..

تحمل دموعا

من قلب منهك.

يقولون اصبري..

فيذبل العمر

على شواطئ الصبر.

صفعة تمضي..

ويبقى صداها

في الروح.

عار مزعوم..

من قلوب ماتت،

والظلم عادة.

حين رحلت..

استعادت كرامتها

قبل حياتها.

والآن..

ترمم ما أتلفه الظلم

في روحها وجسدها.

دموع الياسمين

بقلمي رشا القمحاوي

أنت تسألني .. للشاعر د . فيصل حمزة

أنتَ تسألني

أنتَ تسألني

لماذا أحبك؟

وأنا يا حبيبي

أسأل نفسي

لماذا أحبك

وأسألها لماذا

أنتَ تريد مني

أن أجيب على

سؤالك هذا

وأسأل نفسي

لماذا أنا عليَّ

أن أجيب

وماذا عسايَّ

أن أجيب

وأنت تعرف يا

حبيبي أني..

ولأني أحبك لا

أستطيع أن

أجيب

على سؤالك هذا

بقلمي د. فيصل حمزة

تراتيل النور .. للشاعر أبو بكر البطوش

تراتيل النور

بقلم: أبو بكر البطوش

سمية طهر ونور النساءْ

تعالي فقد طال هذا الرجاءْ

تعالي سريعا ولا تبطئي

لأنثر وردي بكل الفضاءْ

فموعدنا بعد مغيب الضياءْ

وإرخاء شمس الضحى للرداءْ

إذا الليل خيم فوق التلال

وأنفاسه لمست في خفاءْ

ورق النسيم لزهر الشوق

وأحيا بياسمين عطر المساءْ

فإني بدونك جسم خلاءْ

تموت الحياة به والرواءْ

تدلي علينا وعدي الخطى

فمأواك عندي فوق السماءْ

ومسكنك العذب بين الرموش

وفي العين للهدب حسن الغطاءْ

وفي بؤبؤ العين صيغ السرير

لترقد فيه عيون الصفاءْ

ترقص عيناك فوق الخدود

فيشدو فؤادي لها بالغناءْ

وشريان قلبي غدا كالعقود

لتعزف روحك لحن الوفاءْ

وحنجرتي صار فيها الأنين

كأبواق شاد بدا في نداءْ

فلا تحزني إن مضت لحظة

فنظرة عينيك عين الشفاءْ

كغيث تهامى على المحل حتى

أعاد لدحنوننا الانتشاءْ

حبيبة قلبي لهيب الجوارح

ذاب حنينا وشوقا أضاءْ

فدعني أحلق فوق السحاب

لينصهر النور بعد التقاءْ

ما لا يرى .. للشاعرة ماجة الريماوي

ما لا يُرى

_________

أَمْشي وَفي داخِلي سِرٌّ أُطَارِدُهُ

كَأَنَّني الهارِبُ المَنْفِيُّ مِنْ دَاري

وأَضْحَكُ حينَ يَسْتَدْعِي الأَسَى ضَحِكي

كَيْ لَا يَرى أَحَدٌ ما خَلْفَ أَسْتَاري

مَا كُلُّ جُرْحٍ يُرَى كَيْ نَسْتَدِلَّ بِهِ

بَعْضُ الجِراحِ لَها صَمْتٌ وَأَسْرارِ

وَأَحْمِلُ القَلْبَ رَغْمَ الوَهْنِ مُبْتَسِما

كَأَنَّ وَجَعي لَمْ يَسْكُنْ بِأَفْكَاري

أَنَا بِخَيْرٍ… وهذهِ الكِذْبَةُ الَّتي

أُتْقِنُهَا كُلَّ يَوْم كَيْ أُخْفي انْكِساري

وَكَمْ دَفَنْتُ حِكَاياتٍ لِأُبْصِرَها

تَعُودُ مِنْ بَيْنِ أَنْقَاضي وأَعْمارِي

سَأَظَلُّ أَزْرَعُ فِي صَحْراءِ أَيَّامي

وَرْدا، وَإِنْ كَانَ شَوْكُ الوَرْدِ ناري

وَأَمْنَحُ العَابِرِينَ الضَّوْءَ مِنْ قَمَري

وَإِنْ بَقِيتُ طَويلًا خَلْفَ أَسْواري

يَكْفينِي الآنَ أَنْ أَبْقى كَما أَنَا

قَلْبا يَفِيضُ، وَإِنْ أَضْناهُ إِصْراري

وَإِنْ كَانَ هَذا العُمْرُ بَعْضَ جِراحِنا

فَحَسْبِي أَنْ أَجْعَلَ مِنْ جِراحي أَشْعارِي.

……………………………………….

ماجده الريماوي

فلسطين🇵🇸

١٠_٨_٢٠٢٦

همسة الصباح .. للشاعر د . رمضان بلال

🌿 همسة الصباح

حين يتأخر الفجر… يكون اليقين أجمل

في الحياة أشياء كثيرة لا تأتي في موعدها الذي نريده، وأمنيات نرفعها إلى السماء ثم نمضي وكأننا لم نسمع جوابًا. ننسى أحيانًا أن تأخر الإجابة ليس رفضًا، وأن إغلاق باب قد يكون حماية من طريق لم نكن نعرف نهايته.

إن الله لا يؤخر الجميل عبثًا، ولا يمنع عنّا شيئًا إلا وفي علمه ما لا نعلم. وربما كان الشيء الذي نبكي على تأخره هو ذاته الشيء الذي سيجعلنا يومًا نحمد الله أنه لم يأتِ في الوقت الذي أردناه.

لذلك لا تستعجل الأقدار، ولا تجعل لحظة عابرة تحكم على حكايتك كلها. فالفجر لا يستأذن الليل حين يأتي، لكنه يأتي حتمًا في موعده الذي قدره الله.

وقد عبّرت عن هذا المعنى في أبياتي:

«لا تحزنْ إن تأخّرَ عنكَ المدى

فربُّكَ يعلمُ أينَ يكونُ الندى

وكم أمنيةٍ حسبتَ الطريقَ إليها

قد أُغلِقَتْ… وكانَ إغلاقُها ابتداءَ الهدى

فلا تستعجلِ الأقدارَ، إنَّ وراءَها

لُطفًا خفيًّا لا تراهُ إذا اعتدى

قد يُبطئُ اللهُ الجميلَ لحكمةٍ

حتى يجيءَ الخيرُ أصفى وأشهدا

فاهدأْ… وثقْ باللهِ مهما أظلمتْ

دربُ الحياةِ، فبعدَ الليلِ فجرٌ قد بدا»

ولأن هذا المعنى ليس جديدًا على قلوب الحكماء والشعراء، فقد خلّده الشعر العربي في أبياتٍ بديعة، من أشهرها قول الإمام الشافعي:

«دعِ الأيامَ تفعلُ ما تشاءُ

وطبْ نفسًا إذا حكمَ القضاءُ

ولا تجزعْ لحادثةِ الليالي

فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ»

وقال أبو القاسم الشابي:

«ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي

بصبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ»

وقال المتنبي:

«وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا

تعبتْ في مرادِها الأجسامُ»

وهكذا تبقى الحكمة واحدة، مهما اختلفت الأزمنة: لا تجعل تأخر الفرج سببًا لفقدان اليقين.

فربما كان الله يهيئ لك شيئًا أعظم مما طلبت، وربما كان يؤخر عنك أمنيةً لأن وقتها لم يحن بعد، وربما كان يصرف عنك أمرًا تظنه خيرًا وهو في الحقيقة ليس كذلك.

اصبر، واهدأ، واطمئن…

فما دام الله هو الذي يدبر أمرك، فلا تخف من تأخر الطريق.

قد يتأخر الفجر قليلًا… لكنه لا يخلف موعده. 🌿

☀️ صباحكم يقين

صباحٌ نؤمن فيه أن تدبير الله أجمل من استعجالنا، وأن وراء كل تأخير حكمة، ووراء كل صبر جبرًا، ووراء كل ليلٍ فجرًا.

د/ رمضان بلال ✍️

خواطر النسر .. للشاعر د . أبو علي مرهج

خواطر النسر

اليوم الكلام بالعاميه

عن أحوالنا الشخصيه

من يوم اللي كنا صغار

كانت لدينا أحلام …

كنا نتسابق بالمدرسي

أنا ورفقاتي الطلاب

وكل واحد يحكي عن

حالوووو……

اللي بدو يصير دكتور

تيداوي الناس ببلاش

والتاني بدو يصير محامي

تيدافع عن الفقراء

والتالت بدو يصير استاذ

حتى يعلم الطلاب الأحساس

…وووو….

أنا فكرت كتير بحالي.؟.

قلت بدي غير أفكاري..

وسمعت صوت فيروز الملائكي

بيقول طيري يا طياره طيري

قلبي نبض بالحال…

وبلشت تتزاحم الأفكار

وارسم للمستقبل آماااال

أخدت السرتفيكا والبريفيل

وتابعت حتى حصلت على

شهادة محو الأمية..؟؟؟؟

وتقدمت لنادي الطيران

في الباكستان……

ودرست لغة الحب والحياة

عند شهرزاد وشهريار…

وتخرجت بتفوق عالي

نلت بعدوا يا اللي بالي

شو حلوي تحقيق الأحلام

بعد طول سهر الأيام

وتعلقت فيني السموره

وقالت لي بدي رافقك

مدى الأيام والأعوام..

على الحلوي والمره

ونعيش بأمن وسلام

ما فيني استغنى عنك

أحلامي تشبه أحلامك

مهري رحله بالجو…

بدي شوف الأرض من العالي

ركبت جنبي بالطياره..

وطلعنا لفووووق الغيم

تجاوزنا الجبال والوديان

وشفنا مالك ورضوان

ومعهم شيخ الإسلام

عقدوا عقاد القراااان

وشربنا من نهر العسل

مي وخمر. ولبن…..

لا تسألوني ليش سكران

هيدي فرحة العمر…

وهيك بتكون تحققت

الأحلاااااااااااام….

وفزت بالجنة وأعلى مقام

أنت يا اللي عم تقرااااا

عبر عن رأيك بقليل

من الكلام…؟؟؟

تحياتي والمساء لجميع

الأصدقاء.

بقلمي

د. أبو علي مرهج

٢٠٢٦/٨/١٠

الوصايا الخالدة : قراءة معاصرة في سورة لقمان – المسؤولية الفردية في إصلاح المجتمع .. للدكتور عبد الكافي حافظ النوقي

الوصايا الخالدة: قراءة معاصرة في سورة لقمان”.

المقال “11” “المسؤولية الفردية في إصلاح المجتمع”.

بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

مقدمة:

لا يبدأ إصلاح المجتمع من المؤسسات وحدها، ولا من القوانين والأنظمة فحسب، وإنما يبدأ أولًا من الإنسان؛ من ضميره، وسلوكه، وأخلاقه، وشعوره بالمسؤولية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه.

وهذه الحقيقة تتجلى بوضوح في وصايا لقمان الحكيم لابنه، تلك الوصايا التي جاءت في سورة لقمان لتؤسس منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان الصالح، القادر على أن يكون عنصرًا فاعلًا في إصلاح الحياة من حوله.

قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾،[لقمان: 17].

إن الآية الكريمة تنقل الإنسان من دائرة الصلاح الفردي إلى دائرة الإصلاح المجتمعي؛ فبعد إقامة الصلاة وبناء الصلة بالله، يأتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يأتي الصبر، لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى وعي وحكمة وثبات.

أولًا: الإصلاح يبدأ من الذات:

من أكبر الأخطاء أن يطالب الإنسان بإصلاح الآخرين بينما يهمل إصلاح نفسه.

فالمجتمع ليس كيانًا منفصلًا عن أفراده، وإنما هو مجموع هؤلاء الأفراد؛ فإذا صلح الإنسان صلح جزء من المجتمع، وإذا استقام سلوكه أصبح قدوة لمن حوله.

وقدّم لقمان في وصيته بناء العلاقة مع الله قبل الحديث عن إصلاح المجتمع، فقال:

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان: 13]،

ثم قال:

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [لقمان: 17].

وهذا يدل على أن الإصلاح الخارجي لا يستقيم من غير إصلاح داخلي، وأن الأخلاق التي نريد أن نراها في المجتمع ينبغي أن تبدأ أولًا من داخل الإنسان.

فلا يمكن أن ندعو إلى الصدق ونحن نمارس الكذب، ولا إلى الأمانة ونحن نخون، ولا إلى العدل ونحن نظلم، ولا إلى الرحمة ونحن نقسو على الآخرين.

ثانيًا: الفرد مسؤول عن أثره في المجتمع:

المسؤولية الفردية لا تعني أن الإنسان مسؤول عن نفسه فقط، بل تعني أنه مسؤول كذلك عن أثره في الآخرين.

فالكلمة مسؤولية، والتصرف مسؤولية، والمنشور الذي نكتبه مسؤولية، والمعلومة التي ننشرها مسؤولية، والموقف الذي نتخذه مسؤولية.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مسؤولية الفرد أكبر من أي وقت مضى؛ لأن كلمة يكتبها الإنسان في لحظة قد تصل إلى آلاف الأشخاص، وقد تبني وعيًا أو تنشر فتنة، وقد تصلح علاقة أو تفسدها.

ولهذا فإن الإصلاح في عصرنا لا يكون فقط بالمنبر أو المدرسة أو المؤسسة، بل أصبح الهاتف نفسه ميدانًا من ميادين الإصلاح.

فكل فرد يستطيع أن يسأل نفسه قبل أن ينشر أو يتحدث:

هل ما أفعله حق؟ هل ينفع الناس؟ هل يحفظ كرامة الآخرين؟ هل يسهم في بناء الوعي أم في نشر الفوضى؟

ثالثًا: الأمر بالمعروف مسؤولية تحتاج إلى حكمة:

قال لقمان لابنه:

﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان: 17].

لكن الإصلاح ليس صراخًا، ولا تشهيرًا، ولا تجريحًا، ولا بحثًا عن أخطاء الناس.

الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى علم وحكمة ورحمة، وأن يختار الإنسان الأسلوب الذي يحقق المقصود ولا يفتح أبوابًا أكبر للفساد.

ومن هنا فإن الإنسان المسؤول لا يتعامل مع أخطاء الآخرين بعقلية الانتقام، وإنما بعقلية الإصلاح.

والفرق كبير بين من يريد أن ينتصر على المخطئ، ومن يريد أن ينتصر للحق ويعيد المخطئ إلى الطريق الصحيح.

رابعًا: لا تنتظر أن يبدأ الآخرون:

من أخطر مظاهر السلبية في المجتمعات أن ينتظر كل إنسان غيره حتى يبدأ الإصلاح.

يقول أحدهم: لماذا أصلح وأنا وحدي؟

ويقول آخر: ماذا سأغير؟

ويقول ثالث: الناس كلهم فاسدون.

وهكذا يتحول الشعور بالعجز إلى ثقافة عامة، ويصبح الجميع جزءًا من المشكلة بدل أن يكونوا جزءًا من الحل.

لكن وصية لقمان تعلمنا أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من موقعه، وبقدر استطاعته.

فالأب يصلح أسرته، والمعلم يصلح طلابه، والكاتب يصلح بالكلمة، والعالم يصلح بالعلم، والإعلامي يصلح بالرسالة الصادقة، والمسؤول يصلح بما تحت يده من صلاحيات، والشاب يصلح بين أصدقائه، وكل إنسان يستطيع أن يكون لبنة في بناء المجتمع.

خامسًا: الصبر شرط أساسي في طريق الإصلاح:

لم تأتِ الوصية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منفردة، بل أعقبها قوله تعالى:

﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: 17].

وهذه إشارة عميقة إلى أن المصلح قد يواجه الرفض، وسوء الفهم، والاتهام، وربما السخرية أو الجحود.

ولهذا لا يكفي أن يمتلك الإنسان الرغبة في الإصلاح، بل يحتاج إلى الصبر.

فالإصلاح عملية تراكمية، وقد لا يرى الإنسان نتائج جهده سريعًا، لكن ذلك لا يعني أن جهده ضاع.

فكلمة طيبة قد تبقى في قلب إنسان سنوات، ونصيحة صادقة قد تغير حياة شاب، وقدوة حسنة قد تربي جيلًا كاملًا دون أن يشعر صاحبها بحجم أثره.

سادسًا: الإصلاح يبدأ من الأسرة:

إذا أردنا مجتمعًا صالحًا فعلينا أن نبدأ من الأسرة.

فالطفل الذي يتعلم الصدق في البيت، ويحترم والديه، ويشعر بالمسؤولية، ويتعلم الحوار وضبط الغضب، سيكون أكثر قدرة على أن يكون مواطنًا صالحًا في المستقبل.

ومن هنا فإن دور الوالدين لا يقتصر على توفير الطعام والملبس والتعليم، بل يمتد إلى صناعة الشخصية وبناء الضمير.

وقد جاءت وصايا لقمان في صورة حوار أبوي مليء بالحنان:

﴿يَا بُنَيَّ﴾

وتكررت هذه العبارة في السورة، لتؤكد أن التربية الناجحة تجمع بين المحبة والتوجيه، وبين الرحمة والمسؤولية.

سابعًا: مكافحة الفساد تبدأ من رفضه في حياتنا اليومية:

كثيرون يتحدثون عن فساد المجتمع، لكن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يرفض الإنسان أن يكون جزءًا من الفساد، مهما كان صغيرًا.

فمن يرفض الغش في عمله، ويؤدي الأمانة، ويحترم حقوق الناس، ولا يستغل حاجة الآخرين، ولا ينشر الشائعات، ولا يعتدي على سمعة إنسان، فإنه يمارس إصلاحًا حقيقيًا.

قد يبدو الفعل صغيرًا في نظر صاحبه، لكنه عندما يتكرر من ملايين الأفراد يتحول إلى ثقافة مجتمعية.

إن المجتمعات لا تنهض بالشعارات، وإنما بالسلوك اليومي لأفرادها.

ثامنًا: التواضع من أخلاق المصلحين:

تواصل سورة لقمان وصاياها بقوله تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].

وهنا تتضح قاعدة مهمة: لا يمكن أن يكون الإنسان مصلحًا حقيقيًا إذا كان متكبرًا على الناس.

فالمصلح لا يرى نفسه فوق المجتمع، ولا يحتقر المخالف، ولا يحول الإصلاح إلى وسيلة لإثبات الذات.

بل كلما ازداد الإنسان علمًا ووعيًا ازداد تواضعًا ورحمة بالناس.

تاسعًا: الإصلاح مسؤولية مشتركة تبدأ بفعل فردي:

قد يظن البعض أن مسؤولية الإصلاح تقع على العلماء أو الحكومات أو المؤسسات فقط، وهذا تصور ناقص.

نعم، للمؤسسات دور كبير، لكن المؤسسة نفسها تتكون من أفراد، والمجتمع يتكون من أسر، والأسرة تتكون من أفراد.

لذلك فإن كل إنسان يملك مساحة يستطيع من خلالها أن يصلح.

قد لا تستطيع تغيير العالم، لكنك تستطيع أن تغير إنسانًا.

وقد لا تستطيع إصلاح مدينة، لكنك تستطيع إصلاح بيتك.

وقد لا تستطيع القضاء على مشكلة اجتماعية كاملة، لكنك تستطيع ألا تكون جزءًا منها.

وهنا تبدأ النهضة.

عاشرًا: من الفرد الصالح إلى المجتمع الصالح:

إن مشروع الإصلاح الذي تقدمه سورة لقمان يقوم على بناء الإنسان أولًا.

إيمان صحيح، وعبادة مستقيمة، وأخلاق حسنة، وتواضع، وضبط للسلوك، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وصبر على الطريق.

وهذه ليست وصايا فردية منعزلة، بل هي عناصر لبناء مجتمع متماسك.

فحين يصلح الفرد، تتحسن الأسرة، وحين تصلح الأسرة يتحسن المجتمع، وحين يصلح المجتمع تصبح الأمة أكثر قدرة على مواجهة تحدياتها وبناء مستقبلها.

خاتمة:

إن المسؤولية الفردية في إصلاح المجتمع ليست ترفًا فكريًا، وإنما هي واجب أخلاقي وتربوي وحضاري.

وتعلمنا وصايا لقمان أن الإنسان لا ينبغي أن ينتظر غيره حتى يبدأ، بل يبدأ بنفسه، ثم بأسرته، ثم بمحيطه، مستخدمًا الحكمة والرحمة والصبر.

إن أعظم إصلاح يمكن أن تقدمه للمجتمع هو أن تكون أنت النموذج الذي تتمنى أن تراه في الآخرين.

فإذا أردت الصدق، فكن صادقًا.

وإذا أردت الأمانة، فكن أمينًا.

وإذا أردت الرحمة، فارحم.

وإذا أردت مجتمعًا صالحًا، فابدأ بإصلاح نفسك.

وهكذا تتحول الوصايا القرآنية من كلمات نتلوها إلى منهج حياة نعيشه، ومن قيم فردية إلى مشروع حضاري يبني الإنسان ويصلح المجتمع.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[الرعد: 11].

فالنهضة تبدأ من إنسان، والإصلاح يبدأ من قلب، والتغيير يبدأ من قرار يتخذه الفرد حين يرفض أن يكون جزءًا من المشكلة ويختار أن يكون جزءًا من الحل.

المراجع العربية :

١)القرآن الكريم، سورة لقمان، الآيات: 13–19.

٢)الطبري، محمد بن جرير. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة لقمان، الآية 17.

٣)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة لقمان، الآيات 13–19.

٤)القرطبي، محمد بن أحمد. الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة لقمان، الآية 17.

٥)ابن عاشور، محمد الطاهر. التحرير والتنوير، تفسير سورة لقمان، الآيات 13–19.

٦)السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تفسير سورة لقمان.

٧)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري.

٨)مسلم، مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.

دمعة قلم أراد أن يكون إنسانا .. للشاعر أ . د . أحمد سلامة

دمعة قلمٍ أراد أن يكون إنسانا

بقلم أ.د. أحمد سلامة

مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات

بكت الحروفُ على السطورِ حكايةً

فيها القلمْ قد صارَ فينا فنانا

قلمٌ يُجاهدُ أن يُرى فينا كروحٍ

لا أن يُقيَّدَ في الدفاترِ هوانا

قال: اكتُبوني لا كأداةٍ صامِتةٍ

بل كائنًا قد ذاقَ نارًا وأمانا

أنا لستُ حبرًا في الزجاجِ مُقيَّدًا

بل نَبضُ فكرٍ قد تَجسَّدَ لسانا

أرنو إلى الإنسانِ لا كي أُقلّدهُ

بل كي أُعيدَ لِقلبِهِ الميزانا

ما بينَ حدٍّ والحدودِ حكايةٌ

لكنْ سؤالي: أينَ فيكمْ كانا؟

هل كانَ فيكمْ من يُساوي صِدقَ حرفي؟

أم أنكمْ قد بعتُمُ الإيمانَا؟

أنا لا أُجيدُ سوى البكاءِ على الورى

حينَ استباحوا الحرفَ والميزانا

أرنو إلى لامٍ تُعانقُ ألفها

فيجمعانِ على الجمالِ بَيانَا

لكنْ أراكمْ في المعاني تائهينَ

تُحصونَ ما لا يُحصَدُ العُميانا

أنا لستُ ضدَّ العقلِ لكنّي شاعرٌ

أُهدي المعاني قلبَها الحيّانا

أُعطي البسيطَ نغيمةً من وجْدِهِ

وأُعيدُ للمعنى صدىً وحنانا

أُهدي البديهةَ نغمةَ العشاقِ في

ليلِ التأملِ، والسكوتِ أمانا

أُعطي السؤالَ حرارةً إنسانيّةً

وأُعيدُ ترتيبَ الحياةِ مكانَا

أنا دمعةٌ من مُفرداتِكَ يا فتى

سقطتْ على دفترِكَ المَفتانا

فإذا بكَ تبكي، والقوافي شاهدةٌ

أنَّ الحروفَ تُعلِّمُ الإنسانَا

ما بينَ حدٍّ والخيالِ مسافري

واللاحدودُ احتوتني حِنانَا

أنا لستُ مجهولًا، ولكنْ في دمي

كلُّ الرموزِ تَصارعتْ تِبيانا

أُقسمْتُ أنْ أُبقي على وجعي نقيًّا

لا أنْ أُباعَ كحِكمةٍ تُشْتَانَا

في كلِّ بيتٍ من بُكائي هندسةٌ

تُبكي المعاني والزمانَ أمانا

أنا منْ كتبتُ على الجُدرانِ صمتي

فقرأتموهُ كأنّهُ نكرانا

أنا منْ بكى فيكمْ ولمْ تبكوا معي

فكتبْتُكمْ في دفترِ النسيانا

أنا منْ رأى في اللاحدودِ مأتمًا

وكتبْتُ فيهِ قصيدةً تَفطانا

أنا منْ جعلْتُ الحروفَ تبكي الهوى

وتقولُ: يا حرفَ الحياةِ، كفانا

أنا منْ إذا ما قالَ صمتي قاتلٌ

قلتُ: البدايةُ فيهِ والإحسانَا

أنا منْ إذا ما قالَ قُيِّدَ قالَ لي

لا تنسَ أنَّ القيدَ كانَ كَمانَا