ما لم يكتب لحواء .. للشاعر خليل شحادة

ما لم يُكتب لحوّاء

أضاءَ بريقُ عَبَراتِ قصيدي

حورَ عينيكِ سِحراً وسناءَ

وترقرقَ من مشكاةِ روحي

ضياءٌ على نبضِ قلبي ارتقاءَ

وزادَ الشوقُ حلاوة حروفي

فغدتْ أبجديّاتي لكِ بهاءَ

وتدلّلَتْ أنفاسُ قُبَلِ الشفاهِ

فأنجبتْ بحوراً عانقتِ المساءَ

لم ينتحرِ اليراعُ بحرفِ ذكراكِ

بل انسابَ قَدَرًا وحباً وبقاءَ

وإن داستِ الأيامُ وردَ أيّامِنا

تفجّرَ عطرُه شعراً وضياءَ

يا امرأةً تسلطنَ في الكونِ حبّي

كتبتُ لها ما لم يُكتبْ لحوّاءَ

نسجتُها شوقًا بحوراً وجزراً

وريحاً ، ومدّاً وجزراً وأنواءَ

زرعتُكِ هوىً في حدائقِ شعري

فأثمرَ فيكِ الوطنُ لواءَ

يا امرأةً، ذكراكِ بعد العمرِ كلّه

جال كل الأرضِ واخترق السماءَ

بقلمي: خليل شحادة – لبنان

سمفونية الجساس الأخير .. للأديب أحمد مجيد

“سِيمفونية الجسّاس الأخير”

حين هزم فلاحٌ بسيطٌ العلم… ثم هزمه طفلٌ بكلمة واحدة..

……………………………………………………………..

.

.

.

لو حمل دوستويفسكي هذه الحكاية، لما جعل بطلها أميرًا ولا قاتلًا، بل رجلًا ريفيًا يقف في زريبة ماشية، لأن النفس البشرية لا تُختبر في قصور القيصر وحدها، بل في تلك اللحظة التي يختلط فيها اليقين بالرزق، ويصبح مصير أسرة كاملة معلقًا على حركة أصابع رجلٍ لا يقرأ ولا يكتب، لكنه يقرأ ما تعجز عنه الكتب.

ولو التقطها بلزاك، لأقام لها مدينة كاملة، يملؤها الفلاحون والباعة وصياح الديوك، ثم يجعل أكثر رجالها نفوذًا رجلًا لا يحمل لقبًا ولا شهادة، وإنما يحمل سمعةً تتناقلها الألسنة كما تتناقل الريح رائحة الخبز الساخن.

ولو كتبها ديكنز، لزرع الضحكة في قلب الفقر، حتى يكتشف القارئ متأخرًا أن أكثر ما أضحكه كان في الحقيقة أكثر ما أبكاه.

أما الأدب العربي، فقد عرف منذ الجاحظ، ومرورًا بيوسف إدريس، أن القرية ليست مكانًا على الخريطة، بل كونٌ كامل، وأن الإنسان البسيط يستطيع، بجملة عابرة، أن يهزم آلاف الصفحات من الفلسفة.

ومن قلب ذلك الكون خرج سعيد أبو السعد…

آخر الجساسين.

لم يكن طبيبًا بيطريًا، ولم يعرف طريق الجامعات، ولم يعلّق على جدار بيته شهادةً مذهبة. كانت شهادته الوحيدة كفَّين خشنتين، صنعت الشمس على جلدهما خريطةً من السنين، فإذا استقرت أصابعه فوق خاصرة بقرة، سكت أصحابها، وسكت الطبيب البيطري، وكأن الحقيقة استأذنت الجميع قبل أن تنطق على لسانه.

كان إذا دخل قريةً، انتشر الخبر أسرع من الأذان. يخرج الرجال من الحقول، وتطل النساء من النوافذ، ويقف الأطفال خلفه كما يقف تلاميذ صغار خلف ساحرٍ عجوز يعرف أسرارًا لا يعرفها أحد.

كانت الأبقار نفسها تبدو أكثر هدوءًا في حضوره، كأنها تدرك أن ساعة الاعتراف قد حانت.

يضع يده في سكون، يغلق عينيه لحظات، ثم يرفع رأسه ويقول في هدوءٍ لا يعرف التردد:

“دي عُشر…”

أو…

“فاضية.”

ولا يجرؤ أحد على مجادلته.

ورث سعيد المهنة عن أبيه، وأبوه عن جده، حتى صار اسم العائلة نفسه مرادفًا للجس، كما تُورث بعض العائلات القضاء أو الإمامة أو حفظ القرآن. ولم يكن الناس يدفعون له أجرته لقاء دقائق يقضيها في الزريبة، بل لقاء سنوات طويلة اختبأت داخل أطراف أصابعه.

أما أبي، فقد كان رجلًا يعشق كل جديد. وحين بدأ التلقيح الصناعي يصل إلى قريتنا، كان من أوائل من أدخلوه، عن طريق صديقٍ طبيب بيطري، يحمل قشات اللقاح الأجنبية داخل ترمس صغير مملوء بالثلج، وكأنه يحمل مستقبل القطيع كله بين يديه.

كان أبي يتعامل مع ذلك الترمس كما يتعامل الصائغ مع صندوق الذهب.

أما أنا…

فكنت طفلًا لا يرى في الترمس إلا شيئًا يمكن وضعه بجوار ملعب الكرة.

في أحد الأيام، حملته من العيادة، وأنا أشعر أنني أقوم بمهمة وطنية. لكن الكرة كانت تنتظرني، والأصحاب كانوا أكثر إقناعًا من كل نصائح الكبار.

وضعت الترمس بجوار الملعب، وقلت لنفسي: خمس دقائق فقط.

لكن خمس دقائق في طفولة الريف لا تُقاس بالساعة، بل بعدد الأهداف.

وفي أثناء المباراة، اكتشف أولاد الحارة أن داخل الترمس كنزًا أبيض.

ثلج.

فتحوه، واقتسموه، ووضعوا القطع فوق رؤوسهم، وضحكوا، ثم تركوا الغطاء مفتوحًا، وانصرفوا يطاردون الكرة معي، بينما كانت حرارة الظهيرة تطارد اللقاح في صمت.

وفي اللحظة التي كنت أحتفل فيها بهدفٍ رائع، كان نصف رزق أبي يذوب داخل ذلك الترمس.

مرت الأيام.

وجاء موعد الجس.

دخل سعيد الزريبة في هدوئه المعتاد، ومد يده إلى أول بقرة.

صمت.

ثم قال:

“فاضية.”

انتقل إلى الثانية.

“فاضية.”

ثم الثالثة.

“برضه فاضية.”

ومع كل كلمة، كنت أشعر أن شيئًا يهبط من السماء فوق رأسي.

أما أبي، فاكتفى بالنظر إليَّ نظرةً طويلة، وقال وهو يزفر:

“واضح إن الولد لعب في اللقاح تاني.”

لم يحتج أحد إلى محكمة.

كانت تلك الجملة حكمًا نهائيًا.

ومنذ ذلك اليوم، صار سعيد ضيفًا دائمًا على بيتنا. كل أربعين يومًا يعود، يجس القطيع، ويغادر، بينما كنت أنا أحاول أن أختبئ كلما رأيته، خشية أن تكون أصابعه تعرف أن المجرم الحقيقي يقف أمامه.

وكان لأبي نظامٌ اقتصادي لا يعرفه إلا الفلاحون.

إذا كانت البقرة حاملًا، أخذ سعيد أجرته كاملة.

وإذا كانت فاضية، أخذ نصف الأجرة.

احتج سعيد يومًا، وقال وهو يجمع نقوده في ضيق:

“يا عم محمد… كده هفلس.”

ابتسم أبي ابتسامة الفلاح الذي يعرف كيف يحول الخسارة إلى نكتة، وقال:

“بالعكس… أنت أكتر واحد مستفيد. لو كانت كلها عُشر، كنت هتيجي مرة في السنة. دلوقتي بقيت بتزورنا أربع وخمس مرات… ربنا يفقرك على خير.”

ضحك الواقفون جميعًا.

حتى سعيد نفسه لم يستطع مقاومة الضحك، وهو يتمتم:

“ربنا يبارك لك في الولد… ويبعده عن الترمس.”

كبرت قليلًا، وصرت أعتبر نفسي مساعدًا رسميًا للجساس.

أقف خلفه، أقلد طريقة سيره، وأراقب أصابعه، وأحاول أن أكتشف السر.

هل يسمع نبضًا لا نسمعه؟

هل يشعر بحرارة لا نشعر بها؟

هل للبقرة لغة خفية لا يتقنها إلا هو؟

ولم أجد جوابًا.

حتى جاء ذلك الصباح الذي لن أنساه ما حييت.

أنهى سعيد عمله كله، ثم وقف عند الحنفية يغسل يديه بالصابون.

ناديت عليه من آخر الزريبة:

“يا عم سعيد… مين عُشر ومين فاضي؟”

نظر إليَّ، ثم ابتسم تلك الابتسامة التي لا تعرف إن كانت تحمل رحمةً أم مؤامرة.

وقال:

“البهايم كلها… زيك وزي أبوك.”

لم أفهم.

فسألته بسرعة:

“يعني كلها عُشر؟”

قال وهو يواصل غسل يديه:

“والله… زيك وزي أبوك.”

ثم أقسم بالله أكثر من مرة.

ولأنني كنت واثقًا أنني اكتشفت أخيرًا لغة الجساسين، أسرعت، وأعطيته أجره كاملًا، ثم جريت إلى داخل البيت كمن يحمل بشارة العيد.

اقتحمت الدار وأنا أصرخ:

“الحمد لله… كلهن عُشر!”

رفع أبي رأسه في دهشة.

“كلهن؟”

قلت بفخر المنتصر:

“كلهن.”

قال:

“وسعيد قال كده؟”

قلت:

“بالحرف الواحد… قال البهايم كلها زيي وزيك… وحلف بالله.”

ساد صمت قصير.

نظر أبي إليَّ.

ثم انفجر ضاحكًا.

لم تكن ضحكة عادية.

كانت ضحكة رجلٍ اكتشف أن ابنه استطاع، في دقيقة واحدة، أن يهزم ذكاء القرية كلها.

ظل يضحك حتى احمر وجهه، ثم اقترب مني، وربت على كتفي، وقال بين شهقات الضحك:

“يا ابني… هو قال لك البهايم زيك وزي أبوك؟”

قلت:

“أيوه.”

قال:

“يبقى كلها فاضية.”

وقفت مذهولًا.

“إزاي؟”

فضحك أكثر، وقال وهو يمسح دموعه:

“هو أنت… ولا أبوك… هتعشروا يا مغفل؟”

وفي تلك اللحظة، انفجرت الزريبة كلها بالضحك.

ضحك الرجال حتى انحنوا.

وضرب سعيد كفًا بكف، وهو يقول:

“قلت أهو الولد لازم يتعلم.”

وأصبحت الجملة تسافر من مجلس إلى مجلس، حتى تحولت إلى مثلٍ تتناقله القرى، وكلما رآني سعيد بعد ذلك، لم يكن يسأل عن اسمي، بل يكتفي بابتسامة ماكرة ويقول:

“عامل إيه… يا عُشر؟”

مرت الأعوام.

واختفت المهنة شيئًا فشيئًا.

دخلت الأجهزة الحديثة، وأصبحت الشاشات تعرض صور الأجنة، وحلّت التقنيات محل أصابع الرجال الذين كانت خبرتهم تُولد مع الطين، وتكبر مع الحقول.

لكن شيئًا واحدًا لم تستطع التكنولوجيا أن تستبدله.

ذلك الضحك الصادق الذي كان يولد من جملة واحدة.

ولا تلك الألفة التي كانت تجعل قريةً كاملة تعيش أسبوعًا تروي مقلبًا صنعه جساس عجوز وطفل صدّق كل كلمة سمعها.

واليوم…

كلما مررت بحقلٍ هادئ، ورأيت بقرةً ترعى في صمت، أبتسم وحدي.

لا لأنني أتذكر المقلب…

بل لأنني أتذكر زمنًا كانت فيه الحكمة تسكن الأكف الخشنة، وكانت الخبرة تُورث كما تُورث الأرض، وكانت الكوميديا تولد من البراءة، لا من السخرية.

وأقسم أنني، كلما سمعت ضحكة فلاحٍ عجوز، أكاد أرى سعيد أبو السعد يخرج من بين السنابل، يمسح يديه في جلبابه، وينظر إليَّ بابتسامته القديمة، ثم يقول الجملة نفسها التي ما زالت تتردد في أذني بعد كل هذه السنين:

“البهايم كلها… زيك وزي أبوك.”

فأضحك…

ثم أتأكد أولًا…

قبل أن أدفع الحساب كاملًا..

تمت..

——————————-

القصة عجبتك متنسـاس تتفاعل عليها عشان دعمك مهم جدا لظهور المحتوي ، وشكرا ❤️

#سِيمفونية_الجسّاس_الأخير

#كل_يوم_قصه_جديدة

Ahmed Maged

خداع فنجان .. للشاعر محمد ثروت

#خداع فنجان(خاطرة بقلم محمدثروت)

قرأتْ فنجاني

وقالتْ بكل ثقة : لاتحزن

ستعود يحدوها الحنين

فلماطال انتظاري

سألتُ قلبي :

هل مازلتَ تنتظرُ وهمًا

غادر منذ سنين ؟

فلم يجبني سوى الأنين

فكتبتُ إلى قلبي لا تنتظر

كذبَ ولو صدفَ المنجمون

وكتبتُ إليها …….

لقد غادرتُ ولن أعود

ولو استعطفني إليكِ الحنين

ثم مررت بفنجانها صدفةً

فسألتُها :…….

ألم تقولي سوف تعود ؟

قالتْ : هكذا قال فنجانك

فسلها : هل خذلها الحنين

أم خانتها أيام كانت بلسمًا

يداوي بينكما الأنين ؟

فقلت : لا عليكِ

فقد غادرتُ

وكسرتُ فنجان الحنين

وقتلتُ أحزاني

ودفنتُ بين ضلوعي الأنين

فقلوبٌ بلا حبٍ

سرعان ما يموتُ فيها الحنين

فياقلبي :إن عادت

هل ستقبلها

بعد هجرِ السنين ؟

أجبني……

ولا تكن عبدًا

لخداع الحنين

#ثروتيات

فليكتب القدر ما يشاء .. للشاعر د. عادل داغر فهد

فليكتب القدر ما يشاء

لقد حان وقت الأعتزال

ودقت ساعة الرحيل

لقد جف القلم ولم يعد

ينبض بالحياة من جديد

ذهبت انفاسه ولم يعد

يقوى على الكلام

الكلمات تلاشت و

الحروف اختفت

والعمر يمضي بين

زوايا الأبيات مسلوبة

النوافذ و الابواب

لقد جف الحبر

ولم يعد لأنفاس مكان

ماتت الأغصان و

تساقطت الأوراق

وذبلت قبل ان

تلامس الأرض

فليكتب القدر ما يشاء.

د عادل داغر فهد

حسن تصبح السياسة قدرا لا خيارا .. بقلم سمير ألحيان ابن الحسين

➖️ حين تُصبحُ السِّياسَةُ قَدَرًا لا خِيارًا :

حين يصبح الهروب مستحيلًا

قال لي يومًا:

«دَعْنا نبتعدُ قليلًا عن السِّياسة…»

فابتسمتُ، وقلتُ في نفسي: وهل بقي للإنسان سبيلٌ إلى الابتعاد عنها؟

إنَّ السِّياسة التي يتحدَّث عنها كثيرون بوصفها شأنًا خاصًّا بالحكَّام وأصحاب القرار، لم تَعُد كذلك؛ بل غدت واقعًا يتسلَّل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حتى أصبح الهروب منها أشبه بمحاولة الهروب من الظل.

ولستُ أُنكر أنَّ كثيرًا من الناس ينظرون إلى السِّياسة على أنها عالمٌ مُعتم، تتنازعه الانتهازية والوصولية، ويغيب عنه الضمير، حتى بات النفور منها مفهومًا عند فئةٍ واسعة من الناس.

غير أنَّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في رغبتنا في الابتعاد عنها، وإنما في أنها لا تبتعد عنَّا.

فمهما حاولنا أن ننأى بأنفسنا عن دهاليزها، وجدناها تتسلل إلينا من أبوابٍ أخرى؛ لأنَّ أهل النفوذ والفساد والإفساد جعلوا من السِّياسة والاقتصاد محورًا تدور حوله معظم شؤون الحياة، حتى غدوا يتدخلون في تفاصيلها، من أصغرها إلى أكبرها.

ولذلك، فإنَّ دعوتنا إلى الابتعاد عن السِّياسة تبدو في كثيرٍ من الأحيان دعوةً مثاليةً تصطدم بواقعٍ مغاير؛ إذ كيف يُطلب من الإنسان أن يبتعد عن شيءٍ أصبح حاضرًا في تعليمه، ووظيفته، وقضائه، واقتصاده، وإعلامه، بل وفي تفاصيل يومه العادية؟

ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى؛ فنحن لا نذهب إلى السِّياسة دائمًا، بل كثيرًا ما تأتي السِّياسة إلينا، وتفرض نفسها على حياتنا فرضًا، حتى تصبح قدرًا لا خيارًا

حين ترتدي السياسة ثوب القانون

نظنُّ أننا ابتعدنا عن السياسة، غير أنها تظل ترافقنا في كلِّ لحظةٍ من لحظات حياتنا. ومهما حاولنا أن ننأى بأنفسنا عنها، وجدناها تعود إلينا من أبوابٍ لم نتوقعها.

إنهم يضعون القواعد على مقاس مصالحهم، ثم يقدمونها للناس في صورة قوانين وُلدت من رحم العدالة، فيظن كثيرون أنها لا تعرف إلا الإنصاف.

ثم يأتون بالحكام والقضاة، ويقولون لنا:

هؤلاء درسوا القانون، وهم أدرى منكم بأحكامه.

فإذا صدر حكمٌ جائر، أو بدا للناس أن العدالة قد انحرفت عن مسارها، كان الجواب حاضرًا:

أنتم لا تفهمون… والقانون أدرى.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكون الخلل دائمًا في القانون، أم فيمن يملك سلطة توجيهه وتطبيقه؟

إن المأساة في كثيرٍ من بلدان العالم الثالث لا تكمن في النصوص القانونية وحدها، وإنما في فقدان استقلاليتها عندما تصبح أسيرة الإرادة السياسية. فحينئذٍ لا يعود القانون ميزانًا للحق، بل قد يتحول إلى غطاءٍ يمنح الظلم مظهرًا قانونيًا، ويكسو القرار السياسي ثوب العدالة.

وهكذا، لا يُقدَّم الظلم بوصفه ظلمًا، بل يُقدَّم على أنه حكمٌ صادر باسم القانون، ثم يُطلب من الناس الصمت؛ لأن «القضاء قال كلمته».

ولو كُشف المستور، وقيلت الحقيقة كما هي، لأدرك كثيرون أن بعض المؤسسات التي وُجدت لحماية العدالة قد تتحول ـ عندما تُسلب استقلاليتها ـ إلى أدواتٍ تُكرِّس نفوذ السلطة السياسية بدل أن تقف في وجهها.

وحين تبلغ السياسة هذه المرحلة، فإنها لا تكتفي بإدارة الدولة، بل تبدأ في إعادة تعريف العدل نفسه، حتى يصبح الحق ما تريده السلطة، لا ما يقتضيه القانون أو يمليه الضمير

حين يمتدُّ ظلُّ السِّياسة إلى سائر الميادين

وليس هذا النمط حكرًا على السِّياسة وحدها، بل يكاد يمتد إلى مجالاتٍ كثيرة من حياتنا.

فنحن نراه أحيانًا في الرياضة، ونلمحه في الفن، وقد نجده في مؤسساتٍ أخرى، وفي كلِّ ساحةٍ يُعيَّن فيها من يملك سلطة الفصل أو الترجيح أو إصدار القرار.

فليست المشكلة دائمًا في وجود الحَكَم أو اللجنة، وإنما في الجهة التي تملك سلطة تعيينهما، وفي مقدار استقلاليتهما عن إرادتها.

وحين تغيب الاستقلالية، أو تضعف أمام النفوذ، يصبح الحقُّ هو أول الخاسرين؛ إذ لا يُنصَف صاحب الحق لكونه صاحب حق، بل قد يُنصَف من يملك النفوذ، أو من يقف خلفه، أو من جاءت إرادة أصحاب القرار في صالحه.

ولذلك، فإنَّ العدالة لا تُقاس بوجود القوانين أو اللجان أو الحكَّام فحسب، وإنما تُقاس بقدرتهم على التحرر من الضغوط، وأن يكون ولاؤهم للحقيقة قبل الأشخاص، وللمبدأ قبل السلطة.

وحين تفقد المؤسسات هذه الاستقلالية، لا يعود الخلل في الأشخاص وحدهم، بل يصبح جزءًا من بنيةٍ تُعيد إنتاج الظلم في صورٍ مختلفة، حتى يبدو وكأنه أمرٌ طبيعي، بينما هو في حقيقته انحرافٌ عن جوهر العدالة

التَّاريخُ لا يكتب دائمًا أسماءَ الأبطال

قبل أيام، كنتُ أجلس في أحد المقاهي أتابع بعض المباريات الرياضية؛ مباراةً في كرة القدم، وأخرى في كرة السلة. وبينما كنت أراقب مجريات اللعب، استوقفني مشهدٌ بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه أثار في داخلي سؤالًا عميقًا.

كان هناك لاعبٌ يقف في خط الدفاع، يتصدى للهجمات، وينقذ مرماه من أهدافٍ محققة، ويشكل السند الذي يستند إليه الفريق حتى لا ينهار أو يخسر المباراة.

ومع ذلك…

حين تنتهي المباراة، لا يكاد أحد يذكر اسمه، ولا تتصدر صوره عناوين الصحف، ولا تُروى بطولاته للأجيال.

أما اللاعب الذي سجل الهدف الأخير، فقد يكون الهدف ثمرة عملٍ جماعي، شارك في صناعته المدافع، وصانع الألعاب، وبقية زملائه، غير أن التاريخ لا يكتب غالبًا إلا اسم من وضع الكرة في الشباك، ويقدمه وحده بوصفه بطل الانتصار.

ولم يكن هذا المشهد خاصًا بتلك المباراة وحدها، بل هو يكاد يتكرر في معظم الألعاب الجماعية، حيث تذهب الأضواء إلى من يقطف الثمرة، بينما يغيب عن الذاكرة من سقى الشجرة وحرسها حتى أثمرت.

عندها أدركت أن القضية ليست رياضية فحسب، بل هي صورةٌ مصغرة لما يحدث في واقعنا.

فكم من إنسانٍ دافع عن قومه، أو حمى وطنه، أو نصر مبدأً آمن به، أو أنقذ أرواحًا لا تُحصى، وكان السبب في بقاء أمته واقفةً أمام العواصف، ثم مضى من هذه الدنيا دون أن يخلد التاريخ اسمه، أو يوثق شيئًا من عطائه، حتى كأنه لم يكن يومًا جزءًا من صناعة ذلك الإنجاز.

وفي المقابل، كم من شخصٍ ارتبط اسمه بالحروب والدمار وسفك الدماء، ومع ذلك احتفظ له التاريخ بمكانٍ بارز في صفحاته، بل وربما أحاطه بهالة البطولة، وجعله رمزًا تتناقله الأجيال.

ومن هنا، لا ينبغي لنا أن نتعامل مع التاريخ على أنه مرآةٌ تعكس الحقيقة كاملة؛ لأن التاريخ ـ في كثيرٍ من الأحيان ـ لا يروي كل ما حدث، وإنما يروي ما كُتب له أن يُروى.

ولذلك، فإن غياب الاسم عن صفحات التاريخ لا يعني غياب البطولة، كما أن حضور الاسم فيها لا يكفي وحده ليمنح صاحبه شرف البطولة.

فكم من بطلٍ حقيقي عاش مجهولًا، وكم من مشهورٍ لم يصنع مجده إلا قلمُ المنتصرين

حين يكتب المنتصرون ذاكرة الأمم

إنها ليست سوى تذكرة…

تذكرةٌ لأولئك الأبطال المجهولين الذين عبروا الحياة في صمت، وبذلوا أعمارهم دفاعًا عن أوطانهم، أو مبادئهم، أو شعوبهم، ثم رحلوا دون أن يترك التاريخ لهم صفحةً تليق بتضحياتهم.

ولعلَّ أكثر ما يؤلم في مسيرة التاريخ، أنه لا يُكتب دائمًا بأقلام الباحثين عن الحقيقة، بل كثيرًا ما يُكتب بأقلام المنتصرين.

وحين يصبح المنتصر هو الكاتب، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد ترتيبها، ويختار ما يُروى منها وما يُطوى، وما يُرفع إلى منزلة البطولة، وما يُلقى في ظلمات النسيان.

وعندما تخضع كتابة التاريخ لمزاج السلطة، أو لإرادة السياسي، أو لمصالح أصحاب النفوذ، فإنها تفقد رسالتها، وتتحول من توثيقٍ للحقيقة إلى صناعةٍ للرواية التي يراد للناس أن يصدقوها.

فقد يُثبت التاريخ ما يخدم أصحاب القرار، ويُهمل ما يكشف عيوبهم، أو يمحو أسماء من لا ينسجم حضورهم مع الرواية الرسمية.

وعندئذٍ، لا يصبح التاريخ سجلًا أمينًا للأحداث، بل يغدو ـ في بعض البيئات ـ إحدى أدوات السلطة، يُعاد تشكيله كلما تغيرت موازين القوة، حتى تصبح ذاكرة الأمم نفسها رهينةً لمن يملك القرار.

ولهذا، فإن البحث عن الحقيقة لا ينبغي أن يتوقف عند ما كُتب في صفحات التاريخ، بل يجب أن يمتد إلى ما سكتت عنه تلك الصفحات، وإلى الأصوات التي غُيِّبت، وإلى البطولات التي لم تجد من يدوّنها.

فليس كل ما كُتب هو الحقيقة، كما أن الحقيقة ليست دائمًا كل ما كُتب

السياسة… حين تصبح قدرًا لا خيارًا

وبناءً على ذلك، إذا كانت السياسة، والفلسفة، وكل فكرٍ نقدي، تُقلق مضجعك أيها المسؤول، وترى أن السلامة تكمن في ابتعاد الناس عنها، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو:

لماذا تُدرَّس هذه العلوم أصلًا في الجامعات، والمعاهد، والكليات؟

إن كنت ترى أن المجتمع لا يحتاج إلى وعيٍ سياسي، ولا إلى عقلٍ ناقد، ولا إلى إنسانٍ يفكر ويسأل، فلماذا تُدرج هذه المعارف ضمن المناهج الدراسية؟ ولماذا يُطلب من الطالب أن يدرسها سنواتٍ طويلة، ثم يُلام بعد ذلك إذا جعلها جزءًا من وعيه ورؤيته للحياة؟

إن التناقض لا يكمن في اهتمام الناس بالسياسة، وإنما في مطالبتهم بالابتعاد عن شيءٍ أنتم أنفسكم قدَّمتموه لهم بوصفه علمًا يُدرَّس، ومعرفةً تستحق أن تُكتسب.

ولذلك، فإن العيب ليس فيمن تعلَّم، ولا فيمن فكَّر، ولا فيمن مارس حقه في النقد، بل فيمن أراد تعليم العقول كيف تفكر، ثم ضاق بها حين بدأت تمارس التفكير.

ولعلَّ من أهم أسباب نجاح كثيرٍ من الأنظمة في عالمنا المعاصر أنها تجعل أفعالها أكثر انسجامًا مع سياساتها العامة، فلا تعلن شيئًا وتمارس نقيضه، ولا تُربي الناس على مبدأ، ثم تعاقبهم لأنهم أخذوا ذلك المبدأ على محمل الجد.

لذلك، قبل أن تقول لي: «اترك السياسة»، قُل للسياسة أولًا أن تتركني وشأني، وألَّا تتدخل في تعليمي، واقتصادي، وقضائي، وإعلامي، وتاريخي، وفي أدق تفاصيل حياتي.

وعذرًا للإمام الألباني، رحمه الله، حين قال: «من السياسة ترك السياسة»؛ فلعلَّ هذا القول كان ينتمي إلى سياقٍ غير سياقنا.

أما اليوم، فقد أصبحت السياسة تتسلل إلى كل شيء، حتى غدا فهمها ضرورةً لا ترفًا، ووعيًا لا رفاهية، لأنها لم تعد شأنًا يخص السياسيين وحدهم، بل أصبحت تمس حياة الإنسان اليومية في كل تفاصيلها.

فحين تصبح السياسة حاضرةً في التعليم، والقانون، والاقتصاد، والإعلام، وكتابة التاريخ، فإن الابتعاد عنها لا يعود قرارًا فرديًا، بل أمنيةً يصعب تحقيقها.

ولهذا، فإن القضية ليست في أن نُحب السياسة أو نكرهها، وإنما في أن نفهمها؛ لأن من لا يفهم ما يؤثر في حياته، يترك مصيره لغيره.

حينئذٍ فقط، تصبح السياسة قدرًا لا خيارًا.

بقلم: سمير ألحيان ابن الحسين

أنا النبض المخبأ في ثنايا قلبك المملوء بالأشواق .. للشاعر صبري الحصري

صبري الحصري ·

أنا النبضُ المخبَّأُ في ثنايا قلبكِ المملوءِ بالأشواقْ

أنا الحُبّ الذي يجري كنَهرٍ في شرايينكْ

ليُطفئَ لوعةَ الأعماقْ

أنا الليلُ الذي يغفو على صمتِكْ

أنا الصبحُ الذي يصحو على صوتِكْ

أنا العِطرُ الـمُعبّأُ في زجاجاتِكْ

أنا النسماتُ والبسماتُ تغمُرُ كلّ أوقاتِكْ

أنا المطرُ الذي يأتيكِ مُنهمِراً

ليمحو صورةَ الأحزانِ عن إحساسكِ المُرهَقْ

أنا وجهُ السماءِ يُطلُّ في رفقٍ ليغمُرَ نور عينيكِ

بلونِ ردائهِ الأزرقْ

يُقالُ الحبّ كالبحرِ وفيهِ الناسُ كم تغرقْ

ولكني إذا أحبَبتُ كنتُ البحرَ والبحّارَ والزورقْ

فلا الطوفانُ يُغرِقُني ولا الأمواجُ تُرهِقُني

ولا الدنيا ستحجُبُ حبكِ المجنونَ إنْ أشرقْ

فيا أمَلاً تعلّقَ في سماءِ القلبِ

يا حُلْماً سماوياً قضَيْتُ العُمرَ في عينيّ أحفظهُ

ولن أرضى لهذا الحُلْمِ أن يُسرقْ

لأنّ هواكِ علّمني بأنّ الحبّ في يومٍ سينتصرُ

وأنّ مسافةَ اللُّقيا وإن طالتْ ستُختصَرُ

وأنّي رغمَ ما ألقاهُ في سفري إلى عينيكِ

لن أخشى مِن الأقدارِ أو أقلقْ

وها أنا ذا أتيتُ إليكِ في ولهٍ

أمُدّ إليكِ حبلَ الشوقِ والذكرى

وبُركانُ المشاعرِ كم يعاندُني

ويعصرُ خاطري عصراَ

فكُل مدامِعي حيرى

وكل جوارحي تخفِقْ

فحُبكِ قد تملّكَني

وإنْ لم أُبْدِ ما في النفسِ أو أنطِقْ

لأن الحُبّ في جنبيّ إحساسٌ

يفوقُ الوَصفَ والتفكيرَ والمنطِقْ!

ارسميني .. للشاعرة هناء المحايري

ارْسُمِينِي

هَاتِ يَدَكِ، وَارْسُمِي دَمْعَةَ اشْتِيَاقٍ عَلَى خَدِّي،

وَارْسُمِي وَجْهًا مَطْبُوعًا عَلَى وَجْهِكِ،

وَارْسُمِي عَيْنَيْنِ تَتَلَهَّفَانِ لِرُؤْيَتِكِ،

وَارْسُمِينِي شَامَةً عَلَى خَدِّكِ،

وَرُوحًا تَتَلَهَّفُ لِلِقَائِكِ.

مَا أَجْمَلَ لَمْسَةَ يَدِكِ،

أَنَامِلِي لَامَسَتْ أَنَامِلَكِ،

فَسَرَى دَمِي فِي دَمِكِ،

يُلَوِّنُ حِبْرَ الْيَرَاعِ،

وَيُلَمْلِمُ أَيَّامًا مِنْ عُمْرِنَا،

وَحُلْمًا يَأْبَى الضَّيَاعَ.

لِلْفِرَاقِ… لَا،

لِلْفِرَاقِ لَا انْصِيَاعَ.

رُوحِي لَكِ تَشْتَاقُ.

✍️ هَنَاءُ الْمُحَايِرِي

أهلا وسهلا .. للشاعر عبد العزيز كرومي

(بحر البسيط)

أهلا وسهلا

أهلا وسهلا ومرحى بالتي عَبَقا

بالطيب حرفٌ سَقَته صدقها غدَقا

أنتِ التي أزْهَرَتْ في الملتقى ألقا

أبهى على ألقٍ.ما أغدَقَ الألقا!!

أشْرَقْتِ عاصمةً للشعر أسمَقِه

فأنتِ مَنْ ضاء هذا الملتقى وسَقى

أَبْرَقْتِ قاصمةً ظهرَ الذين لَغَوْا

بشعرهم وبغَوْا قد لوثوا الأفقا

هنا الأحبة لا يَجفون قاصدَهم

بل يفرحون بِمَن أبوابَهم طَرقا

شتان بين التي بالحرف سيدة

وبينَ مَنْ يَدَّعِي بالأحرف ارْتَزقا

يا خيرَ مدرسة في السبك نادرة

كالبحر هادرة ؛ يا ويحَ مَن نعَقا

في منتهى سدرة الأشعار سامقة

أَوْرَقْتِ فيه جمالا بالسنا دَفَقا

ما صدَّكِ الشوك مُذْ أقبلتِ عاشقة

هل يَغلِبُ الشوكُ شوقا يشتهي النَّبقا؟؟

عبد العزيز كرومي

المغرب

عاهدت قلبي .. للشاعر د . المهندس حافظ القاضي

عاهدت قلبِيْ (رباعيات)

عاهَدت قلبِي باعِداً ، كَأس الثمَلْ ،

أبقِيهِ حلمَاً فِيْ ، أراجِيحِ الأمَلْ .

مِن عِرقِ يَبقىْ , مَاسِكَاً بِحِبَالِهَا ،

وَلنبض يَرخِيْ فِي ، جُديلاتِ الخُصلْ .

فرسمت خدّهَا واضِعاً ، فِيهِ القبَلْ ،

وبوَجهِ يحنِي مِن ، تواشِيحِ الغزلْ .

وَ حنِين يبقىْ ، عالٓقاً بِشِباكِهَا ،

فمحارِ لؤلؤ عِقدِهَا ، بين الحلَلْ .

فبِحدقِ بَارِقِ عينِهَا ، ذاكَ الهَلَلْ ،

و غمَيز خدّهَا ، طارِحاً كُلّ الجدلْ .

أوّاهُ ربّيْ ، تشتفِيْ بِخِمَارِهَا ،

مِن رهفِ طيفٍ ، ساجٓيَا ربّ اتّكَلْ .

أرجُوحتِيْ سبّاقةً ، بينَ الأُوَلْ ،

مِن عِرقِ يَشقىْ ، حامِلَاً كُلّ العِلَلْ .

فحنِينِ قلبِيْ ، داعِمَاً لِوِصالِهَا ،

وَقرار حبّي مصلِحاً ، ذاكَ الخلَلْ .

د. المهندس حافظ القاضي/لبنان.

إلى من تقيم في صدري .. للشاعر د . بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

*** يا من تقيم في صدري ***

على نغمات البسيط

**

يَا قَلبَ مِن شَغَفِ الأَشوَاقِ قَد نَهَلُوا

وَالنَّارُ فِي مُهجَةِ العُشَّاقِ تَتَّقِدُ

أَمشِي إِلِى الحُبِّ، لَا أَخشَى تَوَجُّعُهُ

فَالوَجدُ فِي صَدِرِي بَحرٌ لَهُ زَبَدُ

وَاللَّيلُ إِن مَرَّ طَيفُ الحُبِّ فِي أُفُقٍ

تَسعَدهُ رُوحٌ ، تُبَدِّد غَمُّ وَالكَمَدُ

قَلبِي يُنَازِعُهُ شَوقٌ يُؤَرِّقُهُ

وَالدَّمعُ يَسرِي إِذَا مَا هَاجَهُ الكِيَدُُ

يَمشِي إِلَى الحُبِّ مَزهُوًّا يُؤازِرُهُ

نَبضٌ يُجَدِّدُ فِي الأَعمَاقِ مَا فَقَدُوا

وَاللَّيلُ يَبسُطُ أَستَارًا يُغَطِّيهَا

حُزنٌ يُحَاوِرُهُ، وَالوِجدُ يَتَّقِدُ

حَتَّى إِذَا لَاحَ وَجهُ الصُّبحِ مُبتَسِمًا

عَادَ الفُؤَادُ إِلَى أَنفَاسِهِ وَجِدُ

يَا مَن تُقِيمُ بِصَدرِي حَيثُ مَوطِنُكَ

وَالرُّوحُ تَهفُو إِلَى لُقيَاكَ تَتمَجَدُ

إِنْ غِبتَ يَومًا، فَنَبضِي لَا يُفارِقُنِي

وَالشَّوقُ فِي مُهجَتِي نَارٌ لَهَا وَقِدُ

إِبقِي عَلَى القَلبِ أَستَارٌ تُظَلِّلُهُ

حَتَّى إِذَا جِئتَ، ذَابَ السِّترُ وَيَنسَعَدُ

فَامكُث، فَكُلُّ لَيَالِي العُمرِ تَسكُنُهُ

عَينٌ تُحِبُّ ، وَقَلبٌ فِي هَوَاكَ نَدُ

يَا مَن إِذَا مَرَّ ذِكرُك فِي خَوَاطِرِنَا

أَسعَدتَ رُوحِي ، وَزَالَ الحِزنُ والكَمَدُ

والحُبُّ إنْ مَرَّ فِي نَبضِ القُلُوبِ سَرَى

نُورًا يُبَدِّدُ مَا قَد أَثقَلَ الجَسَدُ

فَامكُث، فَفِي حَضرَةِ الأَشوَاقِ مَنزِلَةٌ

مَا ضَلَّ عَنهَا الَّذِي فِي قَلبِهَا سُجُدُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النروج 24/7/2026

د . بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش