معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل السابع عشر
من الجزيرة إلى العالم… حين خرج النور من موطنه
مقدمة وجدانية
لم يعد النور حبيسَ مكة والمدينة.
فبعد أن ترسخت الرسالة في القلوب، وأصبحت المدينة مركزًا لدولةٍ تحمل عقيدةً ومنهجًا وأخلاقًا، بدأت صفحة أخرى من التاريخ.
خرج الإسلام من جزيرته، لا ليحمل اسمًا جديدًا للأرض، بل ليحمل رسالةً جديدة للإنسان.
وكانت الجزيرة العربية، التي بدت طويلًا في نظر العالم القديم بعيدةً عن مراكز الحضارات الكبرى، تستعد لأن تدخل قلب التاريخ.
هناك وراء الصحراء كانت فارس والروم، وكانت مصر والشام والعراق، وكانت حضاراتٌ عريقةٌ تحمل علومًا وتجاربَ وأسئلةً كبرى.
وكان السؤال:
ماذا يحدث حين يلتقي نور الوحي بتجارب الإنسان؟
وهنا ينبغي أن نقرأ التاريخ بعيونٍ مفتوحة؛ فلا نجعل الفتوحات مجرد أرقامٍ ومساحات، ولا نجعل الحضارة مجرد قصورٍ وسلاطين.
فالقيمة الحقيقية كانت في الإنسان الذي تغيّر.
في المسجد الذي أصبح مدرسة.
وفي الكتاب الذي أصبح طريقًا إلى المعرفة.
وفي القرآن الذي فتح للعقل أبواب التدبر.
وفي اللغة التي صارت جسرًا بين شعوبٍ مختلفة.
وفي السوق الذي دخلته الأخلاق كما دخلته التجارة.
وهكذا بدأت الحضارة تتشكل شيئًا فشيئًا؛ لا بالحجر وحده، وإنما بالإنسان الذي عرف أن العلم أمانة، والقوة مسؤولية، والمال وسيلة، والعدل أساس العمران.
أبيات الفصل
خرجَ الضياءُ من الجزيرةِ معلنًا
أنَّ الرسالةَ لا تُحَدُّ بمَوْطِنِ
ومضى إلى الآفاقِ يحملُ هديَهُ
ويشقُّ دربَ النورِ بينَ الأممِ
ما كانَ نورُ الوحيِ حكرًا على الثرى
بل كانَ للإنسانِ في كلِّ مكانِ
والناسُ في ميزانِ ربِّهمُ سواسيةٌ
لا فضلَ إلا بالتقى والإحسانِ
فالتقتْ صحارى العربِ بحضارةٍ
في الشامِ، ثمَّ بأرضِ مصرَ والعراقِ
وهناكَ لم يكنِ اللقاءُ نهايةً
بل كانَ بدءًا لمرحلةِ التلاقِ
أرضٌ لها تاريخُها وثقافتُها
وشعوبُها في العلمِ والأعرافِ
والدينُ جاءَ ليهديَ الإنسانَ لا
ليمحوَ تجاربَهُ من التاريخِ
فإذا العلومُ تُستعادُ منابرًا
وإذا الكتابُ يضيءُ دربَ السالكِ
والجامعُ المأمونُ صارَ مدرسةً
والعلمُ أصبحَ في الحياةِ شريكًا
والخطُّ يفتحُ للكتابِ نوافذًا
والحرفُ يعبرُ بينَ كلِّ لغاتِ
وتلاقحتْ في ظلِّه أفكارُنا
فغدا التراثُ بدايةَ الآفاقِ
فالعلمُ ليسَ لأمةٍ دونَ التي
تسعى إليهِ بعقلِها الوثّاقِ
والحكمةُ المأخوذةُ من أهلِها
تبقى كنوزًا تُحفظُ للأجيالِ
والقوةُ إنْ لم يحرسِ الأخلاقَ في
أهلِها تصيرُ مقدمةَ الأهوالِ
والمالُ إنْ صارَ الغايةَ في يدِ امرئٍ
أفسدَ الضميرَ وأشعلَ الآمالَ
لكنْ إذا صارَ المالُ في خدمةِ الهدى
بنى المدارسَ وأطعمَ المحتاجَ
والعدلُ كانَ عمادَ كلِّ حضارةٍ
إنْ غابَ عنها خرَّ بنيانُها هَدْمًا
فالحضارةُ ليستِ القصورَ وإنْ علتْ
وليستِ الثرواتِ والأعلامِ
إنَّ الحضارةَ أنْ يصيرَ الإنسانُ في
أخلاقِه أسمى من الأوهامِ
أنْ يقرأَ التاريخَ كي لا يستعيدَ
أخطاءَهُ في غفلةِ الأعوامِ
أنْ يجعلَ العلمَ الذي في صدرِهِ
نورًا يخففُ عن بني الإنسانِ
أنْ يجعلَ السلطانَ بابَ أمانةٍ
لا سلّمًا يصعدُ بهِ للذاتِ
وأنْ يرى الضعفاءَ في مجتمعهِ
أمانةً لا هامشَ النسيانِ
هذي رسالةُ من خرجْنا بها
من عهدِ مكةَ ثم عهدِ المدينةِ
فالنورُ إنْ حملَتهُ أخلاقُنا
بقيَتْ مناراتُ الهدى في كلِّ حينِ
أما إذا صارتْ مبادئُنا شعاراتٍ
تُقالُ ولا تُرى في واقعِ الناسِ
فالاسمُ يبقى، والروحُ ترحلُ خفيةً
ويظلُّ ظاهرُنا بلا إحساسِ
يا حاملَ التاريخِ لا تجعلْهُ
سيفًا على الإنسانِ أو ميزانَ قهرِ
اقرأْهُ كي تبني غدًا من عِبرةٍ
فالوعيُ أولُ خطوةٍ نحوَ الظفرِ
إنَّ الرسالةَ حين خرجتْ من موطنٍ
لم تخرجِ الأرضَ من معنى الوطنِ
بل علّمتْ الإنسانَ أنَّ الأرضَ كلَّها
ميدانُ معرفةٍ وميدانُ عملِ
فابنِ الحضارةَ بالعلومِ وبالهدى
واجعلْ أخلاقَك أساسَ العملِ
فالنورُ لا يبقى بغيرِ حامليهِ
والحقُّ يحتاجُ إلى قلبٍ وعقلِ
خاتمة الفصل
وهكذا خرج النور من موطنه.
لم تعد الرسالة قصةً تجري أحداثها في مكة والمدينة فقط، بل أصبحت سؤالًا مفتوحًا أمام الإنسان والتاريخ:
كيف يتحول الإيمان إلى حضارة؟
وكيف يتحول الكتاب إلى علم؟
وكيف يتحول المسجد إلى مدرسة؟
وكيف يصبح العدل أساسًا للعمران؟
لقد التقى الإسلام بشعوبٍ وحضاراتٍ مختلفة، وكان هذا اللقاء واحدًا من أكبر التحولات في التاريخ.
لكن التاريخ لا يكتفي بسرد الانتصارات.
إنه يسألنا دائمًا عن الثمن، وعن الإنسان، وعن الأخلاق، وعن المسافة بين المبدأ والممارسة.
فقد تحمل الدولة رسالةً عظيمة، ثم يضعف بعض أبنائها أمام المال والسلطان.
وقد تحمل الأمة كتابًا خالدًا، ثم تتراجع حين تهجر العلم والعمل.
ومن هنا تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا في المعلّقة:
مرحلة الحضارة حين تكبر، والدولة حين تتسع، والإنسان حين يجد نفسه أمام امتحان السلطة والثروة والمعرفة.
ومن هنا نفتح بابًا جديدًا:
الفصل الثامن عشر: حين تكبر الدولة… ويبدأ امتحان الحضارة
سنرى كيف بدأت الدولة الإسلامية تتسع، وكيف تحولت المدن إلى مراكز للعلم والتجارة والفكر، وكيف أصبح المسجد والكتاب والسوق والقضاء عناصر في بناء المجتمع.
لكننا لن نكتفي بصورةٍ مثالية.
سنقترب من الإنسان نفسه؛ لأن الحضارة مهما بلغت لا تخلو من الضعف، والدولة مهما اتسعت لا تخلو من الفتن، والقوة مهما عظمت تحتاج دائمًا إلى أخلاقٍ تضبطها.
وهنا ستدخل المعلّقة مرحلةً جديدة:
من سؤال الفتح إلى سؤال البناء،
ومن اتساع الأرض إلى اتساع الإنسان.
التوقيع الشعري
أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم
نبض الحنين به، وارتد ملتهما
الكاتب والشاعر والناقد الأدبي
محمد علي باني / تونس

