قصة قصيرة. الجبل الغربي
======== =======
لم تكن الرياح التي تهب على المحاسنة مجرد هواء عابر، بل كانت يحمل صفيرها حكايات قديمة تخفيها مغارات الجبل الغربي. في تلك القرية الهادئة بمحافظة سوهاج، كان الجبل يقف كحارس أسطوري، يطل بصمته المهيب على بيوت الطين والزرع، ويخبئ في جوفه أسرار أجداد عاشوا قبل آلاف السنين.
كان “عمران” يعرف الجبل كما يعرف كف يده. لم يكن طامعاً، بل كان يدرك أن الأرض لا تمنح كنوزها لمن يحفرها بالقسوة. لكن شقيقه الأصغر “حسين” كان يرى في الجبل شيئاً آخر: طوق نجاة سريع من الفقر، وثروة مقبوضة ينتظرها سماسرة الآثار الذين يتسللون مع انتصاف الليل.
في ليلة شديدة الظلمة، انقطع فيها ضوء القمر خلف السحاب، سحب حسين أدوات الحفر وتسلل نحو إحدى المغارات المهجورة في عمق الجبل الغربي. كان معه “الضرغام”، رجل غريب عن القرية جاء بوعود براقة وأكياس مملوءة بالمال. تبع عمران أثر شقيقه بخطوات حذرة، وصوت قلبه يدق أسرع من خطاه.
داخل المغارة، كان هواء الجبل ثقيلاً برائحة التبر والغبار العتيق. على ضوء كشاف ضئيل، برز جدار حجري منقوش برسم لملك فرعوني يحمل مفتاح الحياة. كانت عينا الضرغام تتألقان بجشع وهو يرفع الإزميل ليقطع جزءاً من اللوحة الجدارية تمهيداً لتهريبها.
“توقف يا حسين!”
تردد صداها بين صخور المغارة. وقف عمران عند المدخل، ونظراته تنقلب بين أخيه واللوحة المهددة.
قدم حسين خطوة للتردد، لكن الضرغام دفع عمران بغضب وصاح: “هذا الجبل لا يملكه أحداً، وما تحته لمن يخرجه!”
“هذا الجبل يحمل تاريخنا وجذورنا، ومن يسرق الجبل يسرق نفسه،” قالها عمران بنبرة حاسمة، وهو يتقدم ليقف بين الإزميل والجدار.
ارتفعت الأصوات وتصاعد التوتر، وفي تلك اللحظة بالذات، اهتزت سقف المغارة اهتزازاً خفيفاً. تساقطت الحجارة الصغيرة والتراب القديم، وكأن الجبل نفسه يستيقظ ليدافع عن حرمته. ذعر الضرغام، وفي لحظة جبن ألقى أدواته وفر هارباً في عتمة الليل، أعمته الحسرة والخوف.
وقف حسين مذهولاً تحت سقف المغارة المهدد، ينظر إلى الحجر الذي كاد يدمّره، ثم إلى شقيقه الذي مد له يده دون كلمة عتاب. سحبه عمران إلى الخارج بسرعة قبل أن تطبق الصخور على الفوهة وتغلقها للأبد.
عند سديم الفجر، كان الشقيقان يقفان عند حافة الجبل الغربي، ينظران إلى قرية المحاسنة وهي تستيقظ تحت شمس الصباح. كان حسين صامتاً، يدرك أخيراً أن السر المدفون في بطن الجبل ليس مجرد ذهب يُباع، بل هو كرامة أرض لا تُشترى.
تمت
أحمد عيسى

