شرف العلم : أمانة الرسالة ورباط المسؤولية .. للشاعر والأديب طارق محمد عبد السلام غرابة

شرف العلم: أمانة الرسالة ورباط المسؤولية

يتنفس الوجود صعداء حين يرتكز على قواعد الحق واليقين، وما العلم — في مفهومه الحضاري والإنساني الأوسع، شرعياً كان أو كونياً، طبياً أو عمرانياً — إلا السراج المنير والأمانة الكبرى التي يُطوق بها العنق؛ فالعالم في دينه حارس للعقائد، والطبيب في مهنته حارس للأبدان، والمشرف في موقعه حارس للعدل والحقوق، وكل صاحب اختصاص ائتمنه الله على مصالح عباده هو شريك في هذا الميثاق العظيم. وإن الأمة لترنو إلى أرباب المعارف والخبرات طامعةً في عدلهم وإتقانهم، فالعالم وصاحب القرار هما جناحان إن صلُحا طارت الأمة في سماء العز والتمكين، وإن فسدا هوت في أودية الضياع والشقاء.

ولقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذه الرابطة المقدسة حين قرن شهادة أولي العلم بشهادة التوحيد والعدل في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صور هذا التلاحم الوجودي بقوله: «صِنفانِ مِن النَّاسِ إذا صَلَحا صَلَحَ النَّاسُ، وإذا فَسَدا فَسَدَ النَّاسُ: العُلماءُ والأمراءُ»، ليظل استقامة المجتمع مرهونة بنزاهة العقل وقوة السلطان. غير أن أعظم ما يفتك برسالة العلم هو ابتغاء عرض الدنيا به واستبدال الإخلاص بالجاه، فحين يتخلى صاحب المعرفة عن ضميره ويبيع أمانة علمه لمصلحة زائلة، تضطرب الحياة وتعم الفوضى الأخلاقية؛ وهو ما أشار إليه ابن القيم رحمه الله مبيناً تفاوت الناس بين عالم آخرة، وعالم دنيا، وعالم فجور، ومحذر الفضيل بن عياض بقوله: «أبغض الخلق إلى الله العالم المداهن للناس».

وفي مقابل هذا الانحراف، يبقى التاريخ الإنساني ينبض بنماذج مضيئة تشهد على عظمة اليقين، وفي طليعتها الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله، الذي جمع بين سعة العلم، وجهاد النفس، والزهد العظيم، والإنفاق في وجوه البر؛ فكان تاجرًا غنيًّا استعمل ماله وجهده في خدمة أمته، رمزًا للورع والعفة، لا تأخذه في الله لومة لائم، حتى قال فيه الفضيل: «ما رأيت أحداً طلب العلم للآخرة غير عبد الله بن المبارك». ومن رحم هذه القيم الشامخة، وفي حضرة هذا الوعي العميق بأمانة الرسالة، تأتي هذه الأبيات مسكاً لختام هذا البيان:

شَرَفُ الْعَالِم

​(من بحر الكامل)

​أُولُو العِلْمِ، إنَّ الأَرْضَ عَطْشَى … كُونُوا لِأَمْرِ الهُدَى نَهْجاً، وَمُذْكِرَا

​عَدْلُ الأَميرِ، عِلْمُ العَالِمِ: ارْتَبِطَا … فِي نُصْرَةِ الحَقِّ، إنْ صَلَحَا، ازْدَهَرَا

​كَمْ مِنْ فَقِيهٍ رَأَى الدُّنْيَا، فَبَدَّلَهَا … لِلْجاهِ، باعَ هُدَى التَّوْحِيدِ وَالحَذَرَا

​اسْلُكْ طَرِيقَ (ابْنِ مُبَارَكٍ) هُدًى … إِمَامِ زُهْدِ السَّلَفِ الصَّالِحِ افْتَخَرَا

​رَبِّ اجْعَلْ خُطَى العُلَمَاءِ مَنْهَجَنَا … يَبْنِي الحَيَاةَ، يَجْلُو الخِزْيَ وَالضَّرَرَا

​بقلم الشاعر والأديب/ طارق محمد عبدالسلام غرابة

أضف تعليق