إبدأ بنفسك : إمتلك مهارات الإدارة .. أ. د. عصام محمد عبد القادر

ابدأ بنفسك: امتلك مهارات الإدارة

بقلم: أ.د/ عصام محمد عبد القادر

طريقك نحو القيادة الفعالة يوجب عليك البدء بتهذيب عالمك الداخلي، وتوجيه انتباهك نحو المحفزات التي ترتقي بالأداء الفردي والمؤسسي؛ فحين تسبغ على نفسك هدوء الوجدان واستقرار البنيان، تمتلك صفاء الذهن وقوة الإدراك لتسيير دفة العمل باتزان، لينعكس هذا التناغم الإيجابي تلقائيًا على من يحيط بك في بيئتك المهنية؛ لذا بادر باستثمار أساليب التحفيز المتاحة لك، عبر استعراض ما تحقق من إنجازات أمام فريقك، واجعل الأهداف المنشودة ماثلة أمام أعينهم لتستنهض طاقاتهم الكامنة، واحرص على اعتماد معايير تقييم شفافة تثمن الجهد المخلص والابتكار الخلاق، لتفلح في إرساء مناخ تعاوني يغمر الجميع بالاستقرار والطمأنينة.

بلوغك مراتب التميز في العمل الإداري يفرض عليك تقييم مستوى نضجك التنظيمي بعين فاحصة، متجاوزًا تلك الأطر الجافة التي ترتهن للرقابة التقليدية؛ فالريادة الحقيقية تصنعها عبر تأسيس بيئة عمل دافئة تتخذ من الأمان النفسي ركيزة أساسية لنجاح فريقك؛ لذا أطلق العنان لمبادرات مرؤوسيك، وحفز فيهم ملكة الابتكار عبر تحريرهم من هواجس الخوف المتولدة عن النقد اللاذع، أو الانتقاص عند وقوع الهفوات، لتبصر حينها صعود دافعيتهم الداخلية ونمو قدراتهم الذهنية بصورة ملحوظة، محولًا بذلك الروابط الإنسانية داخل مؤسستك إلى شبكة حماية راسخة تكفل الاستقرار الفسيولوجي والوجداني في وجه كافة التغيرات المتسارعة، لتغدو بذلك قائدًا ملهمًا، مبادرًا بصناعة التغيير من ذاتك أولًا.

بلوغك مصاف الإدارة الحديثة يوجب عليك هندسة شبكات الاتصال بذكاء، وجسر الهوة بين التنظير الأكاديمي والواقع التطبيقي، منطلقًا من ذاتك في نسج علاقات تشاركية مثمرة؛ لذا احرص على تفعيل مسارات التواصل الصاعد مانحًا مرؤوسيك منبرًا آمنًا للمبادرة والتعبير، ونظم قنوات التواصل الهابط لترتكز على جلاء الرؤية ومشاركة المعرفة بمنأى عن قوالب الأوامر الجامدة، مستثمرًا ملكات الإنصات النشط وإدارة الخلاف بحكمة بالغة، ليقودك هذا النهج نحو استثمار التنوع الثقافي وتعدد الخبرات داخل فرق عملك، مسهمًا في بناء هوية قيادية هادفة تبرز تفرد مؤسستك وكفاءة أفرادها، لتستحيل بيئتك الإدارية برمتها مجتمعًا معرفيًا مرنًا يزخر بدافعية متأصلة تدفعه دومًا نحو التعلم والابتكار والتطوير الذاتي.

ارتقاؤك مراتب التميز القيادي يفرض عليك تبني عقلية ريادية تصقل مهاراتك في إدارة المشروعات وفق استراتيجيات العمليات المرنة، منطلقًا من ذاتك في تنظيم دورة حياة العمل عبر التخطيط المحكم، ورسم الأهداف الإجرائية، وجدولة المهام بوعي نافذ، لتمضي بعدها شطر التنفيذ القائم على تذليل العقبات وصولًا إلى المتابعة الشاملة الضامنة لجودة المخرجات، حريصًا على تفعيل تكتيكات المواجهة الإقدامية والتصدي المعرفي للمشكلات، ومستبدلًا التنفيس الانفعالي برصد إشارات الإنذار المبكر وتطويق الأزمات في مهدها، فضلًا عن إشراك فريق عملك في جلسات العصف الذهني وتبادل الأدوار لتطويع القواعد إبان الطوارئ، لتخلق بذلك مناخًا تشاركيًا يبدد التوترات ويغرس في نفوس الجميع روح المسؤولية.

انخراطك في خضم بيئات العمل المعاصرة يحتم عليك التوجه بخطى واثقة شطر القيادة الرقمية، واستثمار تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنظم الخبيرة كأدوات فاعلة لتنظيم الموارد والعمليات بكفاءة متناهية، منطلقًا من ذاتك في إرساء قاعدة معرفية مؤسسية تضاهي كفاءة المتخصصين، ومفعلًا محركات استدلال متطورة تعالج البيانات بدقة فائقة لاستشراف السيناريوهات المستقبلية وصياغة قرارات استباقية سديدة، ليثمر دمجك لهذه التقنيات عن تخفيف الأعباء المعرفية وتطويع منظومة التغذية الراجعة لتغدو لحظية بالغة الدقة، مرتقيًا بذلك بمستوى الوعي التنظيمي الشامل داخل مؤسستك، وكافلًا استجابة ذكية للمعضلات المعقدة، لتشيد بذلك مسارًا إداريًا مبتكرًا يلهم فريق عملك ويوجه طاقاتهم نحو التميز الرقمي.

تطلعك لآفاق التميز الإداري يوجب عليك تجاوز مجرد امتلاك المهارات الإلكترونية والنظم الذكية، متجهًا نحو تحصين ممارساتك التقنية بأبعاد المواطنة الرقمية وضوابطها الأخلاقية، لتبدأ من ذاتك عبر الالتزام التام بالشفافية والعدالة إبان التعامل مع الأنظمة الخبيرة، واضعًا حماية خصوصية البيانات وأمن المعلومات في صدارة أولوياتك القيادية لدرء مخاطر الاختراقات، ليثمر وعيك العميق بمسؤولياتك القانونية والتربوية عن تهيئة بيئة تقنية آمنة تكفل لك كسب ثقة المرؤوسين والمستفيدين، مبددًا بذلك أي مقاومة للتحول الرقمي قد تنجم عن الغموض، لتشيد نموذجًا إداريًا إلكترونيًا يتسم بالمسؤولية والاستقرار، موجهًا طاقات أفرادك نحو الإنتاجية والأداء الأخلاقي الرفيع، ومستلهمًا قيم التطوير الذاتي المستدام في كنف العصر الرقمي.

سعيك الدؤوب نحو إرساء دعائم التطوير المؤسسي يوجب عليك انتهاج خطة إجرائية متدرجة تكفل التدريب المستمر والتحسين النظامي الشامل، منطلقًا من ذاتك في رصد الاحتياجات وحصر الأصول المتاحة، والنهوض بكفاءة الموارد البشرية وفق نسق منهجي متكامل، حريصًا في الوقت ذاته على عقد ورش عمل ودورات دورية تمكن فريقك من مواكبة أحدث المستجدات التقنية ودمج مهارات التحول الرقمي في صميم ممارساتهم اليومية، فضلًا عن ابتكار آليات تتبع جلية تضمن جودة المخرجات، ليثمر ربطك لبرامج التنمية المهنية بالواقع التطبيقي ومتطلبات سوق العمل عن تحديث السياسات المرنة وغرس قيم المسؤولية والولاء لروح العمل الجماعي، لتشيد بذلك مسارًا قياديًا هادفًا يكلل بالنجاح المستدام، كافلًا ارتقاء منظومتك الإدارية والتعليمية نحو مدارج التميز والريادة.

اضطلاع القائد بأمانة الإدارة يستلزم إدراكًا قويمًا ممتزجًا باستقرار ذاته وصفاء وجدانه؛ ليغدو قادرًا على إرساء مناخ مهني آمن يعتق العقول من هواجس الخوف ويستنهض طاقات الابتكار، مستثمرًا قنوات تواصل مرنة قوامها الإنصات النشط والمشاركة الفاعلة، ليوجه دفة العمل بعقلية ريادية تخطط بإحكام وتستشرف المعضلات بحنكة نافذة، مطوعًا تقنيات العصر الرقمي في كنف ضوابط أخلاقية راسخة تصون ثقة الجميع، ليكلل مساره برؤية تطويرية مستدامة تتعهد الكوادر البشرية بالصقل والتأهيل المستمر، لتمضي المؤسسة قاطبة نحو مدارج التقدم ومراقي الرقي وآفاق الازدهار.

ماذا حجث لأحلامنا حين أصبح الخوف أكبر من الطموح -من سلسة ماذا حدث لنا .. بقلم الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

سلسلة «ماذا حدث لنا؟»:

قراءة فكرية في الإنسان والمجتمع والحياة

المقال الثالث عشر:

“ماذا حدث لأحلامنا، حين أصبح الخوف أكبر من الطموح؟”.

بقلم / الدكتور عيد كامل حافظ النوقي

المقدمة؛

ماذا حدث لأحلامنا؟ ومتى أصبح الخوف من الفشل أكبر من رغبتنا في النجاح؟ ومتى صار كلام الناس أقوى من صوت أحلامنا؟

وُلد الإنسان وفي داخله قدرة على الحلم، لكن الحياة قد تعلّمه الخوف قبل أن تعلّمه المحاولة؛ فيكبر، وتكبر مسؤولياته، ثم يقف أمام حلمه قائلًا: «ربما لا أستطيع»، قبل أن يمنح نفسه فرصة ليقول: «سأحاول».

قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

أولًا: حين يصبح الخوف سجنًا للأحلام:

الخوف غريزة تحمي الإنسان، لكنه يصبح خطرًا حين يمنعه من الحياة. فكم من إنسان لم يبدأ لأنه خاف الفشل، ولم يتقدم لأنه خاف الرفض، وأخفى موهبته خوفًا من السخرية. وهكذا لا يموت الحلم لأن صاحبه عاجز، وإنما لأنه خاف أن يحاول.

ثانيًا: الخوف من كلام الناس:

من أخطر ما حدث لنا أننا أصبحنا نعيش أحيانًا وفق توقعات الآخرين. نختار ما يرضيهم، ونترك ما نحب خوفًا من حكمهم علينا.

لكن الناس لن يعيشوا حياتك بدلًا منك، ولن يحملوا نتائج ترددك، ولن يحققوا أحلامك نيابة عنك. فلا تجعل صوت الناس أعلى من صوت رسالتك.

ثالثًا: الطموح لا يعني غياب الخوف:

الشجاع ليس من لا يخاف، بل من لا يسمح للخوف أن يقوده. قد تخاف وأنت تبدأ، وقد تفشل في الطريق، لكن الفشل ليس نهاية الحلم، بل قد يكون درسًا من دروس الوصول.

قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39-40].

المطلوب منك أن تسعى، لا أن تضمن النتيجة.

رابعًا: لا تقتل حلمك قبل أن يولد:

كم من موهبة دُفنت لأنها لم تجد التشجيع، وكم من مشروع لم يبدأ لأن صاحبه ظل ينتظر «الوقت المناسب»!

أحيانًا يكون أكبر عدو للإنسان هو الصورة السلبية التي صنعها عن نفسه. فلا تقل: «أنا لا أستطيع»، بل قل: «سأتعلم كيف أستطيع»؛ فبين العبارتين قد تتغير حياة كاملة.

خامسًا: ربِّ أبناءك على المحاولة لا على الخوف:

من أخطر أخطاء التربية أن نربط قيمة الطفل بنتيجته؛ فنفرح بنجاحه ونحبطه عند إخفاقه.

علّم أبناءك أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن المحاولة شجاعة، وأن النجاح رحلة وليس لحظة. نحن لا نريد جيلًا لا يفشل، بل نريد جيلًا يعرف كيف ينهض بعد الفشل.

سادسًا: استعد حلمك:

ربما تأخر حلمك، وربما تغير الطريق، وربما جعلتك الحياة تفقد ثقتك بنفسك، لكن ما دام في القلب نبض، ففي العمر بقية، وما دام الإنسان قادرًا على السعي، فهناك بداية جديدة.

لا تنتظر اختفاء الخوف حتى تبدأ؛ ابدأ رغم الخوف. فالأحلام لا تحتاج دائمًا إلى ظروف مثالية، بل تحتاج إلى قلب يؤمن، وعقل يخطط، وإرادة تتحرك.

الخاتمة:

ماذا حدث لأحلامنا؟

لقد كبرت مخاوفنا حتى ظننا أنها أكبر من قدراتنا، وسمحنا لفشل الماضي أن يحكم على المستقبل، ولرأي الآخرين أن يرسم لنا الطريق.

لكن الحلم لا يموت لأننا تأخرنا، ولا لأننا فشلنا، ولا لأننا خفنا؛ إنما يموت عندما نستسلم.

فانهض من مقعد الخوف، وافتح نافذة الطموح، وأعطِ نفسك فرصة أخرى؛ فربما يكون الحلم الذي ظننته مستحيلًا هو الباب الذي سيقودك إلى أجمل فصول حياتك.

لا تجعل الخوف يكتب نهاية قصة لم تبدأ فصولها بعد.

احلمْ، وإن ضاقتْ عليكَ مسالكٌ

فاللهُ يفتحُ للقلوبِ طريقا

وامضِ، فإن الخوفَ بابٌ عابرٌ

والعزمُ يجعلُ مستحيلَكَ حقيقا.

عندما تخون الذاكرة .. للكاتب حسين عبد الله جمعة

عندما تخون الذاكرة

متى تغيّر كل شيء إلى هذا الحد؟

سؤال قد يمرّ في خاطر كثيرين ونحن نرى أشياء لم نعتدها، ونسمع كلمات لم نكن نسمعها، ونرى علاقات كانت لها هيبة ومكانة، ثم أصبحت أكثر خفة، وكأن السنوات والتجارب لم تعد تمنح الإنسان مكانته كما كانت.

لم نتربَّ على ذلك، ولم نكن كذلك.

كان للكبير احترامه، وللأب مكانته،كذلك لمن سبقونا في العمر قدر من الهيبة. لم يكن ذلك يعني أن الصغير بلا رأي، أو أن الكبير لا يُناقش، لكنه كان يعرف كيف يختلف، وكيف يتكلم، وأين تقف حدود الكلام.

أما اليوم، فقد دخلت الندية إلى كثير من العلاقات من باب لم ننتبه إليه.

أن تكون للإنسان شخصيته ورأيه شيء طبيعي، وأن يستقل بحياته أمر مفهوم، لكن الاستقلال لا يعني سقوط الاحترام، والاختلاف لا يحتاج إلى قسوة، والحرية لا تعني أن يصبح الكبير مجرد شخص آخر لا مكانة له.

هناك فرق بين أن تختلف مع من هو أكبر منك، وبين أن تنسى وأنت تختلف معه أنك تقف أمام عمر طويل من التجربة.

ولعل المسألة لا تتعلق بالندية وحدها.

هناك شيء آخر يتراجع بهدوء: الحياء.

ليس الحياء الذي يمنع الإنسان من الحياة، وإنما ذلك الشعور الداخلي الذي يجعله يعرف أن لكل مكان كلامًا، ولكل مقام ما يناسبه، ولكل علاقة حدودًا تحفظ لها احترامها.

حتى الحشمة والوقار، اللذان كانا جزءًا من صورتنا عن الإنسان، أصبحا عند البعض أمرين من زمن مضى.

وما نراه على الشاشات أصبح أيضًا جزءًا من حياتنا اليومية. صور ومظاهر وعرض دائم لما نملك وكيف نعيش. لا مشكلة في أن يفرح الإنسان بما لديه، لكن المشكلة حين يصبح إظهار الحياة أهم من عيشها، وحين ننشغل بأن يرانا الآخرون وننسى أن نرى بعضنا.

والدين، بما فيه من برّ وإحسان وصلة رحم واحترام للوالدين والكبار، كان دائمًا يضع للإنسان ميزانًا حتى لا تأخذه الحياة بعيدًا عن القيم التي تربى عليها.

ربما لم نتغير في يوم واحد.

تغيّرت أشياء صغيرة، ثم اعتدناها.

زيارة تؤجل.

سؤال لا يأتي.

كلمة تُقال بغير ما اعتدنا.

كبير يُعامل كأنه ندّ في كل شيء.

وقرب يتحول مع الوقت إلى مجاملة.

ثم نعتاد.

وهنا تبدأ الذاكرة بالخيانة.

فالإنسان قد يتذكر نفسه كما هو الآن، وينسى كيف كان.

ينسى أيام ضعفه، ومن وقف إلى جانبه، ومن فتح له بابًا حين كانت الأبواب مغلقة.

ينسى أن بعض الذين لا يلتفت إليهم اليوم كانوا يومًا جزءًا من حياته، أو سندًا له، أو أصحاب فضل لم يطلبوا منه يومًا أن يردّه.

ليس المطلوب أن يعيش الإنسان أسيرًا لما مضى، ولا أن يشعر أنه مدين لأحد طوال حياته.

المطلوب فقط ألا يفقد ذاكرته الأخلاقية.

أن يتذكر أن الإنسان الذي أمامه اليوم لم يكن دائمًا كما يراه الآن.

وأن الكبير الذي يبدو ضعيفًا أو وحيدًا، قد يكون أمضى عمرًا كاملًا وهو يعطي ويحمل ويتعب، دون أن يفكر يومًا في حساب ما فعله.

ولهذا فإن أكثر ما يؤلم ليس أن تتغير الظروف أو يقل المال.

الألم أن يشعر الإنسان في آخر الطريق أن وجوده أصبح ثقيلًا على من أحب، وأن السؤال عنه صار مجاملة، وأن الزيارة أصبحت رفع عتب، وأن الوقت الذي كان يُمنح له بسهولة أصبح محسوبًا.

وهنا لا تعود المسألة مسألة مال أو هدية أو خدمة.

إنها مسألة مكانة في القلب.

والأصعب أن نعرف قيمة بعض الناس بعد رحيلهم.

عندها تصبح الكلمات كثيرة، والذكريات حاضرة، ونقول: ليتنا فعلنا.

لكن «ليت» لا تعيد أحدًا.

لذلك، ونحن ما زلنا نملك الوقت، ربما علينا أن نسأل أنفسنا ببساطة:

كيف نتعامل مع من هم أكبر منا؟

كيف نتحدث مع والدينا؟

هل ما زالت صلة الرحم تعني لنا شيئًا؟

هل ما زال للحياء والوقار مكان في حياتنا؟

وهل نتذكر من كانوا معنا في البدايات، أم أننا لا نرى إلا ما أصبحت عليه حياتنا اليوم؟

لسنا مطالبين بأن نعود إلى زمن مضى.

لكننا مطالبون ألا نفقد كل ما كان جميلًا ونحن نتقدم إلى الأمام.

فالزمن يتغير، والناس تتغير، والظروف تتغير.

لكن بعض القيم إذا ضاعت، لا يعوضها المال ولا المظاهر ولا ما نظهره أمام الآخرين.

تذكروا من تحبون وهم بينكم.

اقتربوا منهم قبل أن يصبح الاقتراب مستحيلًا.

قولوا الكلمة التي تؤجلونها، وزوروا من تنتظرونه دون أن تنتظروا مناسبة.

واحفظوا للكبير مكانته، لا لأنه أكبر سنًا فقط، بل لأن وراء هذا العمر حياة كاملة لا تعرفون كل ما مرّ بها.

فبعض الغياب إذا جاء، لا ينفع معه الندم.

وقد تكون أقسى خيانة للذاكرة أن نتذكر الإنسان جيدًا، بعد أن يصبح عاجزًا عن سماعنا.

حسين عبدالله جمعة _ سعدنايل لبنان

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة .. للشاعر محمد علي باني

معلقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة

الفصل السابع عشر

من الجزيرة إلى العالم… حين خرج النور من موطنه

مقدمة وجدانية

لم يعد النور حبيسَ مكة والمدينة.

فبعد أن ترسخت الرسالة في القلوب، وأصبحت المدينة مركزًا لدولةٍ تحمل عقيدةً ومنهجًا وأخلاقًا، بدأت صفحة أخرى من التاريخ.

خرج الإسلام من جزيرته، لا ليحمل اسمًا جديدًا للأرض، بل ليحمل رسالةً جديدة للإنسان.

وكانت الجزيرة العربية، التي بدت طويلًا في نظر العالم القديم بعيدةً عن مراكز الحضارات الكبرى، تستعد لأن تدخل قلب التاريخ.

هناك وراء الصحراء كانت فارس والروم، وكانت مصر والشام والعراق، وكانت حضاراتٌ عريقةٌ تحمل علومًا وتجاربَ وأسئلةً كبرى.

وكان السؤال:

ماذا يحدث حين يلتقي نور الوحي بتجارب الإنسان؟

وهنا ينبغي أن نقرأ التاريخ بعيونٍ مفتوحة؛ فلا نجعل الفتوحات مجرد أرقامٍ ومساحات، ولا نجعل الحضارة مجرد قصورٍ وسلاطين.

فالقيمة الحقيقية كانت في الإنسان الذي تغيّر.

في المسجد الذي أصبح مدرسة.

وفي الكتاب الذي أصبح طريقًا إلى المعرفة.

وفي القرآن الذي فتح للعقل أبواب التدبر.

وفي اللغة التي صارت جسرًا بين شعوبٍ مختلفة.

وفي السوق الذي دخلته الأخلاق كما دخلته التجارة.

وهكذا بدأت الحضارة تتشكل شيئًا فشيئًا؛ لا بالحجر وحده، وإنما بالإنسان الذي عرف أن العلم أمانة، والقوة مسؤولية، والمال وسيلة، والعدل أساس العمران.

أبيات الفصل

خرجَ الضياءُ من الجزيرةِ معلنًا

أنَّ الرسالةَ لا تُحَدُّ بمَوْطِنِ

ومضى إلى الآفاقِ يحملُ هديَهُ

ويشقُّ دربَ النورِ بينَ الأممِ

ما كانَ نورُ الوحيِ حكرًا على الثرى

بل كانَ للإنسانِ في كلِّ مكانِ

والناسُ في ميزانِ ربِّهمُ سواسيةٌ

لا فضلَ إلا بالتقى والإحسانِ

فالتقتْ صحارى العربِ بحضارةٍ

في الشامِ، ثمَّ بأرضِ مصرَ والعراقِ

وهناكَ لم يكنِ اللقاءُ نهايةً

بل كانَ بدءًا لمرحلةِ التلاقِ

أرضٌ لها تاريخُها وثقافتُها

وشعوبُها في العلمِ والأعرافِ

والدينُ جاءَ ليهديَ الإنسانَ لا

ليمحوَ تجاربَهُ من التاريخِ

فإذا العلومُ تُستعادُ منابرًا

وإذا الكتابُ يضيءُ دربَ السالكِ

والجامعُ المأمونُ صارَ مدرسةً

والعلمُ أصبحَ في الحياةِ شريكًا

والخطُّ يفتحُ للكتابِ نوافذًا

والحرفُ يعبرُ بينَ كلِّ لغاتِ

وتلاقحتْ في ظلِّه أفكارُنا

فغدا التراثُ بدايةَ الآفاقِ

فالعلمُ ليسَ لأمةٍ دونَ التي

تسعى إليهِ بعقلِها الوثّاقِ

والحكمةُ المأخوذةُ من أهلِها

تبقى كنوزًا تُحفظُ للأجيالِ

والقوةُ إنْ لم يحرسِ الأخلاقَ في

أهلِها تصيرُ مقدمةَ الأهوالِ

والمالُ إنْ صارَ الغايةَ في يدِ امرئٍ

أفسدَ الضميرَ وأشعلَ الآمالَ

لكنْ إذا صارَ المالُ في خدمةِ الهدى

بنى المدارسَ وأطعمَ المحتاجَ

والعدلُ كانَ عمادَ كلِّ حضارةٍ

إنْ غابَ عنها خرَّ بنيانُها هَدْمًا

فالحضارةُ ليستِ القصورَ وإنْ علتْ

وليستِ الثرواتِ والأعلامِ

إنَّ الحضارةَ أنْ يصيرَ الإنسانُ في

أخلاقِه أسمى من الأوهامِ

أنْ يقرأَ التاريخَ كي لا يستعيدَ

أخطاءَهُ في غفلةِ الأعوامِ

أنْ يجعلَ العلمَ الذي في صدرِهِ

نورًا يخففُ عن بني الإنسانِ

أنْ يجعلَ السلطانَ بابَ أمانةٍ

لا سلّمًا يصعدُ بهِ للذاتِ

وأنْ يرى الضعفاءَ في مجتمعهِ

أمانةً لا هامشَ النسيانِ

هذي رسالةُ من خرجْنا بها

من عهدِ مكةَ ثم عهدِ المدينةِ

فالنورُ إنْ حملَتهُ أخلاقُنا

بقيَتْ مناراتُ الهدى في كلِّ حينِ

أما إذا صارتْ مبادئُنا شعاراتٍ

تُقالُ ولا تُرى في واقعِ الناسِ

فالاسمُ يبقى، والروحُ ترحلُ خفيةً

ويظلُّ ظاهرُنا بلا إحساسِ

يا حاملَ التاريخِ لا تجعلْهُ

سيفًا على الإنسانِ أو ميزانَ قهرِ

اقرأْهُ كي تبني غدًا من عِبرةٍ

فالوعيُ أولُ خطوةٍ نحوَ الظفرِ

إنَّ الرسالةَ حين خرجتْ من موطنٍ

لم تخرجِ الأرضَ من معنى الوطنِ

بل علّمتْ الإنسانَ أنَّ الأرضَ كلَّها

ميدانُ معرفةٍ وميدانُ عملِ

فابنِ الحضارةَ بالعلومِ وبالهدى

واجعلْ أخلاقَك أساسَ العملِ

فالنورُ لا يبقى بغيرِ حامليهِ

والحقُّ يحتاجُ إلى قلبٍ وعقلِ

خاتمة الفصل

وهكذا خرج النور من موطنه.

لم تعد الرسالة قصةً تجري أحداثها في مكة والمدينة فقط، بل أصبحت سؤالًا مفتوحًا أمام الإنسان والتاريخ:

كيف يتحول الإيمان إلى حضارة؟

وكيف يتحول الكتاب إلى علم؟

وكيف يتحول المسجد إلى مدرسة؟

وكيف يصبح العدل أساسًا للعمران؟

لقد التقى الإسلام بشعوبٍ وحضاراتٍ مختلفة، وكان هذا اللقاء واحدًا من أكبر التحولات في التاريخ.

لكن التاريخ لا يكتفي بسرد الانتصارات.

إنه يسألنا دائمًا عن الثمن، وعن الإنسان، وعن الأخلاق، وعن المسافة بين المبدأ والممارسة.

فقد تحمل الدولة رسالةً عظيمة، ثم يضعف بعض أبنائها أمام المال والسلطان.

وقد تحمل الأمة كتابًا خالدًا، ثم تتراجع حين تهجر العلم والعمل.

ومن هنا تبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا في المعلّقة:

مرحلة الحضارة حين تكبر، والدولة حين تتسع، والإنسان حين يجد نفسه أمام امتحان السلطة والثروة والمعرفة.

ومن هنا نفتح بابًا جديدًا:

الفصل الثامن عشر: حين تكبر الدولة… ويبدأ امتحان الحضارة

سنرى كيف بدأت الدولة الإسلامية تتسع، وكيف تحولت المدن إلى مراكز للعلم والتجارة والفكر، وكيف أصبح المسجد والكتاب والسوق والقضاء عناصر في بناء المجتمع.

لكننا لن نكتفي بصورةٍ مثالية.

سنقترب من الإنسان نفسه؛ لأن الحضارة مهما بلغت لا تخلو من الضعف، والدولة مهما اتسعت لا تخلو من الفتن، والقوة مهما عظمت تحتاج دائمًا إلى أخلاقٍ تضبطها.

وهنا ستدخل المعلّقة مرحلةً جديدة:

من سؤال الفتح إلى سؤال البناء،

ومن اتساع الأرض إلى اتساع الإنسان.

التوقيع الشعري

أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم

نبض الحنين به، وارتد ملتهما

الكاتب والشاعر والناقد الأدبي

محمد علي باني / تونس

نبض الحياة .. للشاعر أحمد عيسى

قصيدة : نبض الحياة

بقلمي/ أحمد عيسى

=============

أُمِّي..

يا نَهْرًا مِنْ دِفْءٍ لا يَهْدَأْ

يا ضَوْءًا فِي قَلْبِ العَتَمَةْ

تَتَفَتَّحُ أَيَّامِي فِيهِ.

كُلَّ صَبَاحٍ

تَزْرَعِينَ الحُبَّ بِأَيْدِيكِ

تُعَطِّرِينَ طَرِيقِي بِالدُّعَاءِ

فَتُزْهِرُ الخُطُوَاتُ صَفَاءً.

وَجْهُكِ حِكايَةُ أَمَانٍ

يَمْحُو كُلَّ انْكِسَارَاتِي

وَيُرَمِّمُ أَمْسِي المَجْرُوحَ.

فِي عَيْنَيْكِ وَطَنٌ

لا يُغَادِرُهُ الدِّفْءُ

وَلا يَعْرِفُهُ الخَوْفُ.

صَوْتُكِ لَحْنٌ

يُعِيدُ إِلَيَّ نَبْضَ الحَيَاةِ

كُلَّمَا أَعْيَانِي التَّعَبُ.

تَحْمِلِينَ شَوْقِي وَحُزْنِي

وَتُهْدِينَنِي بَسْمَةً

تَخْتَصِرُ الكَوْنَ.

يَا صَلَاةً لا تَنْتَهِي

يَا سِرَّ الفَرَحِ المُقِيمِ

فِي أَعْمَاقِي.

أَنْتِ البَدايَةُ وَالرَّجَاءُ

وَأَنْتِ النُّورُ الَّذِي

يَهْدِينِي خُطَى العُمُرِ.

أحمد عيسى

مهلا يافلب .. للشاعر محمود أحمد خضر

مهلاً …يا قلبِ اسمع الشكوى

ناجيتك…أأيانا يسمع النجوى

لمن أشكو…صبري على البلوى

احلامنا يذروها ريحاً أعتى

ياقلبِ أنسيتَ أنك مَن أهوى

*****

قل لي كلاماً صريحا

مَن مِنَّا مكلوما ذبيحا

وهبتك حياتي لتستريحا

أتبادلني تعاسة سرا وتلميحا

*****

لم أندم على وصلي

لم احسب بعد هجرك عمري

اصبر ولن ينفذ صبري

لأنك امانيا وانت قدري

****

أتذكر كم كنت مواسيا

كم أتيتك باكياً شاكيا

كنت وما زلت ملازي الباقيا

انت حصني لاأهاب عاتيا

أما زلت ياقلب صاغيا

****

أغدقت حديقتي بالماء

لاأخشى شُحَّاً انت عطائي

انام ملء جفوني لأنك غطائي

لاتخذل يقيني ورجائي

مازلت سر نبض وريدي

****

مازال حبك يكتب الرواية

لاتجعل الخذلان نهاية

كبوة الجياد ليست نهاية

الفارس مَن يُجيد الرماية

*****

لن أتجرع كأس اليأس

لنتعظ بتجارب الناس

لننس الظلم والمآسي

مازلت اراك جَلْدَ البأس

انت الحكم ياأعدل الناس

بقلمي:محمود احمد خضر /سوريا

عقول بلا عقول تعي أو تعقل .. بقلم حسن علي علي

🌸عقول..بلا..عقول..تعي..أو..تعقل..!!!!🌸

*يعد العقل من أعظم منن الله علي الإنسان إذ به يقف على حقيقة الأمور صحيحهامن خطأها.حلالهامن حرامها. *والعقل بفطرته النقية.يشهدلله تعالى بالعظمة والقدرة والوحدانية..!! *ولكن هناك بعض من وهبهم الله العقل يغتروا بعقولهم فيشتطوا بها.

ويجمحوا.بحجج من عند أنفسهم يظنونها الأصح دائما..ولكنها هي عين الخطأ..وهي العناد والجحود والكفر والإلحاد ذاته..!! *ومامن عصرإلا وفيه نماذج لهؤلاءالجاحدين الملحدين..من أصحاب العقول..ولكنهم في حقيقة أمرهم..بلا عقول..!! لأنهم جندوها في الأمور البعيدة عن الحق المبين والصواب الواضح الجلي..!! جاحدين فيها بآيات رب العالمين..ومن هؤلاء:

*النمروذ:الذي جاء ذكره في محاجاته لأبي الأنبياء إبراهيم عن كون الله هو من يحيي ويميت.ورده علي أنه أيضايحيي ويميت في جرأة وقحة..فقال له أبو الأنبياء من فوره:إن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها أنت من المغرب..؟!! فبهت الذي كفر واغتر..!!

*وإن حجج أهل الكفر والإلحاد علي طول الزمن حجج مدحوضة..رغم شدة تبجحهم..!!! *وظن متبجح آخرأنه يخلق أيضا..فقال في جمع من الناس ذلك..فقيل له.ارنا خلقك..؟! فجاءبقطع من اللحم ووضع معها بعض روث احد الحيوانات وجعلها في إناء وأحكم غلقه.. ودفعها إلي أحد الحضور يحفظها عنده ٣أيام ثم جيئ له بها وهم حضور وفتحها.. فإذا هي مليئة بالدود..فقال منتشيا:هذا خلقي..فقال له أحدالحضور:فكم عدده..؟! فلم يدر..!! فقال له: فكم الذكور منه وكم الإناث..؟! فلم يدر..!! فقال له:هل تقوم برزقه..؟!! فبهت ولم يقدر علي الرد.. فقال له ذلك العاقل المؤمن: إن الخالق الحق هوالذي أحصي كل خلق خلقه عددا..ويعرف عدد الذكور وعددالإناث..ويرزق كل خلقه..وعلم مدة بقاءه وانتهاءه..فبهت المجترئ ولم يحر جوابا..!! *ونماذج هؤلاء العقلاءالغيرعقلاء.كثيرة.نذكرمنهاعلي عجالة

*ذلك المتفلسف الذي لايؤتمن إلا بكل ماهو ملموس..فقال لطلبته يومآ..هل رأيتم الله..؟! فقالوا : لا.. فقال منتشيا. إذن فإن الله غير موجود(حاشاه سبحانه وتعالي..)!! فقام أحد طلبته وبنفس منطقه راح يناقشه.. وطرح سؤاله القنبلة:هل رأيتم عقل ألاستاذ..؟!! فقالوا :لا.. فقال من فوره: إذن فعقل ألاستاذ غير موجود..!!! فبهت وكاد يموت غيظا ذلك المتفلسف الذي ظن انه عاقل ولكنه بلا عقل عاقل يعقل به.. أو يعي..!!

****بقلمي..حسن علي علي ***

العلوم التي تسمى خفية أو مستترة .. للناقد سليمان الجزائري

الجزء الاول

النقد الأدبي: سليمان الجزائري

حقوق المؤلف، حقوق محفوظة

العنوان: العلوم التي تُسمّى «خفيّة» أو مستترة

تُسمّى هذه العلوم خفيّة، ليس لأنها سحرية بالمعنى الساذج، وإنما لأنها قليلة التدريس، أو يساء فهمها، أو تُتداول في أوساط ودوائر محدودة

الميتافيزيقا

هي دراسة الوجود، والكينونة، والزمن، والروح، وتتجاوز حدود العلم المادي المحسوس

وقليل من الناس يخوضون فيها، لأنها تتطلب تفكيرًا مجردًا ودقيقًا ومنهجيًا

ولماذا لا يقبل عليها إلا القليل؟

لأنها لا تمنح ثروة سريعة، ولا سلطة ظاهرة أو نفوذًا مباشرًا

الباطنية التقليدية

هي معارف رمزية تنتقل عبر مسارات وتعاليم تقوم على التلقين والممارسة

ومنها الهرمسية، والغنوصية، والتصوف الإشاري، والكابالا بمعناها العلمي والتاريخي

وتعتمد على لغة مشفّرة، ورموز، واستعارات، وحكايات رمزية

ولماذا تُعدّ خفيّة؟

لأنها لا تكشف أسرارها لمن لا يبحث في أعماقه، ولا لمن يكتفي بالنظر إلى ظاهر الأشياء

الخيمياء الحقيقية

ليست المقصود بها تحويل الرصاص إلى ذهب مادي، وإنما تحويل النفس والوعي

فهي تقوم على رمزية النار، والموت، والانبعاث من جديد

وقليلون يفهمونها حقًا، لأنها تتطلب الانضباط، والصبر، والصمت

علم النفس العميق

ومن أبرز رموزه يونغ وفرويد، بعيدًا عن الصور النمطية الشائعة عنهما، وكذلك مفاهيم النماذج الأصلية، واللاوعي الجمعي، وفهم الظل، والدوافع، والأساطير الداخلية

وكثيرون يبتعدون عنه، لأنه يجبر الإنسان على مواجهة ذاته والنظر إليها من دون قناع

فلسفة السلطة والهيمنة

تبحث في كيفية إدارة المجتمعات وتوجيهها، وفي مفاهيم التلاعب، والدعاية، والهندسة الاجتماعية

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذا المجال: مكيافيللي، وفوكو، وغرامشي

ويُنظر إلى هذا المجال أحيانًا على أنه قليل الانتشار، لأن الوعي النقدي والفهم العميق لآليات السلطة يمكن أن يضعفا قدرة السيطرة على الإنسان

علم الرموز

يدرس الأساطير، والأديان، والأحلام، والفنون، وغيرها من أشكال التعبير الرمزي

فلا شيء في عالم الرموز يكون بريئًا أو خاليًا من الدلالة؛ إذ يمكن أن يكون لكل رمز مفتاح ومعنى

وقليلون هم الذين يستطيعون قراءة العالم قراءة رمزية، لأن المدرسة تعلّم الإنسان في كثير من الأحيان تكرار المعلومات، أكثر مما تعلّمه فكّ رموزها وقراءة معانيها

لماذا «لا تمتد إليها إلا أيدٍ قليلة»؟

الجبل الغربي .. للأديب أحمد عيسى

قصة قصيرة. الجبل الغربي

======== =======

لم تكن الرياح التي تهب على المحاسنة مجرد هواء عابر، بل كانت يحمل صفيرها حكايات قديمة تخفيها مغارات الجبل الغربي. في تلك القرية الهادئة بمحافظة سوهاج، كان الجبل يقف كحارس أسطوري، يطل بصمته المهيب على بيوت الطين والزرع، ويخبئ في جوفه أسرار أجداد عاشوا قبل آلاف السنين.

كان “عمران” يعرف الجبل كما يعرف كف يده. لم يكن طامعاً، بل كان يدرك أن الأرض لا تمنح كنوزها لمن يحفرها بالقسوة. لكن شقيقه الأصغر “حسين” كان يرى في الجبل شيئاً آخر: طوق نجاة سريع من الفقر، وثروة مقبوضة ينتظرها سماسرة الآثار الذين يتسللون مع انتصاف الليل.

في ليلة شديدة الظلمة، انقطع فيها ضوء القمر خلف السحاب، سحب حسين أدوات الحفر وتسلل نحو إحدى المغارات المهجورة في عمق الجبل الغربي. كان معه “الضرغام”، رجل غريب عن القرية جاء بوعود براقة وأكياس مملوءة بالمال. تبع عمران أثر شقيقه بخطوات حذرة، وصوت قلبه يدق أسرع من خطاه.

داخل المغارة، كان هواء الجبل ثقيلاً برائحة التبر والغبار العتيق. على ضوء كشاف ضئيل، برز جدار حجري منقوش برسم لملك فرعوني يحمل مفتاح الحياة. كانت عينا الضرغام تتألقان بجشع وهو يرفع الإزميل ليقطع جزءاً من اللوحة الجدارية تمهيداً لتهريبها.

“توقف يا حسين!”

تردد صداها بين صخور المغارة. وقف عمران عند المدخل، ونظراته تنقلب بين أخيه واللوحة المهددة.

قدم حسين خطوة للتردد، لكن الضرغام دفع عمران بغضب وصاح: “هذا الجبل لا يملكه أحداً، وما تحته لمن يخرجه!”

“هذا الجبل يحمل تاريخنا وجذورنا، ومن يسرق الجبل يسرق نفسه،” قالها عمران بنبرة حاسمة، وهو يتقدم ليقف بين الإزميل والجدار.

ارتفعت الأصوات وتصاعد التوتر، وفي تلك اللحظة بالذات، اهتزت سقف المغارة اهتزازاً خفيفاً. تساقطت الحجارة الصغيرة والتراب القديم، وكأن الجبل نفسه يستيقظ ليدافع عن حرمته. ذعر الضرغام، وفي لحظة جبن ألقى أدواته وفر هارباً في عتمة الليل، أعمته الحسرة والخوف.

وقف حسين مذهولاً تحت سقف المغارة المهدد، ينظر إلى الحجر الذي كاد يدمّره، ثم إلى شقيقه الذي مد له يده دون كلمة عتاب. سحبه عمران إلى الخارج بسرعة قبل أن تطبق الصخور على الفوهة وتغلقها للأبد.

عند سديم الفجر، كان الشقيقان يقفان عند حافة الجبل الغربي، ينظران إلى قرية المحاسنة وهي تستيقظ تحت شمس الصباح. كان حسين صامتاً، يدرك أخيراً أن السر المدفون في بطن الجبل ليس مجرد ذهب يُباع، بل هو كرامة أرض لا تُشترى.

تمت

أحمد عيسى

هل شعرت بالغيرة .. للشاعر خليل أبو رزق

من ديواني نبض قلبي بين الأوراق الجزء الثالث خاطرة بعنوان ” هل شعرت بالغيرة ؟ ” كلماتي وبصوتي ومونتاج الفيديوهين مني خليل أبو رزق/ فلسطين

هل شعرت بالغيرة ؟

مدح غيرها بقصيدة شعر فتمتمت

في البداية لجمال كلماته تجاهلت

تكبرت وتمردت

وعن الكلام والرد سكتت

دموعها في عينيها خبأت وحبست

أفكارها تشتت

أحاسيسها تفتت

لكنها في النهاية ضَعُفت

ومن هول الصدمة علقت

واشارات الحب في قلبها توقدت

لكنها بكبريائها التزمت

تمعنت بكلماته وفكرت

تمهلت وتكتكت ودبرت ورسمت

بالغيرة الشديدة شعرت

بذكرياته معها تمسكت

وبرسائله لها احتفظت

في وجه التيار صمدت

ولجميع الأبواب طرقت

فحبها له لم يكن يومًا ما نزوة وانتهت

بل حبًا ثابتًا وثقت به وآمنت .

خليل أبو رزق / فلسطين