ميزان لا ينحاز
في زحمة الحياة وصخبها، جلست ذات يوم أراجع حساباتي مع نفسي، لا حسابات ما كسبت وما خسرت، بل حسابات المواقف حين كانت القدرة على الاختيار بين يدي.
وفي تلك المراجعة، تذكرت أن الأثر الذي أتركه في نفسي أعمق من الأثر الذي أتركه في غيري.
طالما تأملت في نفسي وفيمن حولي، حتى تردد في مسمعي مشهد لا يغيب عن بالي؛ مشهد يقف فيه الإنسان موقف الحكم على نفسه، فيكتشف، بعد أن تسقط عنه أعذاره، أنه لم يكن يوما عادلا كما كان يظن.
هناك، في تلك اللحظة، سمعت صوتا داخليا يقول:
هذا ظلم.
ظلم ساكن سكنني زمنا، ولم أجرؤ على مواجهته، كالماء الراكد الذي يبدو هادئا وهو يخفي في أعماقه اضطرابا لا يرى.
لماذا لم أعترض حين نصبت الموازين لغير الحق، وكان النفع كله لي؟
لماذا سكت حين جاءني الظلم في صورة هدية ومنفعة؟
ولماذا بدا لي الأمر مقبولا ما دمت المستفيد منه؟
وما إن مالت الكفة ضدي، حتى استيقظ في صوت العدالة فجأة.
هذه هي الحقيقة المرة التي لا أحب مواجهتها، لكنها الحقيقة التي لا يجوز لي الهروب منها.
كثيرا ما رأيت الظلم واضحا جليا، فلم أنبس ببنت شفة، ما دام يصب في مصلحتي.
أغمضت عيني عنه، وبررته لنفسي، وقلت:
«ربما كانت الظروف، وربما كان له سبب».
قبلته بكل ارتياح، وكأنه حق أصيل لي، ولم أسأل نفسي يومها:
ماذا لو كنت الطرف الآخر؟
لكن حين انقلب الميزان، وجاءني الإجحاف من حيث كنت أنتظر الإنصاف، فإذا بي أصرخ وأستغيث، وأطالب بالحق الذي تغافلت عنه طويلا.
وهنا أدركت أنني لم أكن أطلب العدالة لذاتها، بل كنت أطلبها حين توافق هواي.
تناسيت أنني شاركت في إسكات الحق يوم كان الصمت يعود علي بالنفع.
وتناسيت أن الميزان الذي أرضاني حينا، هو نفسه الذي أخجلني حين مال في الاتجاه الآخر.
عندها فهمت أن العدالة لا تتجزأ.
لا أكون عادلا إن كنت كذلك فقط حين يكون الحق معي.
ولا يسمى الشيء حقا لمجرد أنه يخدمني، ثم أفقد إيماني به حين تأتي نتيجته على غير ما أشتهي.
فالظلم لا يتحول إلى عدل لمجرد أنه يخدم مصلحتي.
ومن يرض بالظلم حين يكون نصيبه منه منفعة، عليه أن يسأل نفسه:
بأي حق سيعترض حين يصبح هو الضحية؟
فالأثر الذي يخلفه الصمت أمام الظلم لا يزول بمرور الأيام، وإن غاب عن الذاكرة حينا.
إننا نعلم هذه الحقيقة جيدا، ثم نتجاهلها كلما كان الانحراف في صالحنا.
نقنع أنفسنا بأن الأمر مختلف، وأن حالتنا استثناء، وأن ما نقبله اليوم لا يشبه ما نرفضه غدا.
حتى يأتي يوم أجد فيه نفسي في الجهة الأخرى من الميزان، فأذوق مرارة ما رضيت به حين ذاقه غيري، وأصرخ مطالبا بالعدل، بينما يوقظني ضميري بسؤال أشد قسوة:
أين كان صوتك حين كان الظلم لا يمسك؟
ذلك السؤال وحده كان كافيا لأن يعيدني إلى صوابي.
فاليوم قد يكون الظلم في جانبي، فلا أغتر وغدا قد يتغير موضع الكفة، وقد أجد نفسي في المكان الذي وقف فيه غيري يوما، ولم أحرك ساكنا.
لذلك لم أعد أريد عدالة تحميني وحدي، ولا ميزانا يستقيم حين يخدمني ويميل حين يضرني.
أريد ميزانا واحدا ثابتا، لا يتغير بتغير موقعي منه.
أريد أن أرفض الظلم لأنه ظلم، لا لأنه وقع على.
وأن أنصر الحق لأنه حق، لا لأنه وافق مصلحتي.
فإما أن أبني العدالة للآخرين كما أريدها لنفسي، وإما أن أكون شريكا في ميزان قد ينقلب علي حين لا أتوقع.
هذا هو العهد الذي قطعته على نفسي:
أن أطلب العدالة للغير قبل أن أطلبها لنفسي، وأن أخاف على الميزان من الميل مطلقا، لا أن أخاف من ميله فقط حين يقع علي.
ولن أحمل هم العدل للآخرين خوفا من تقلب الأيام، بل وفاء لإنسانيتي، وصيانة لنفسي التي ترفض أن تكون ظالمة.
فقد أدركت أخيرا أن الميزان لا يخدعني، وإنما كنت الذي أخدع نفسي حين أراه عادلا ما دام يميل لمصلحتي.
وها هو الأثر الذي أريد أن أتركه:
ميزان واحد ثابت، كالشاطئ الذي لا يبدل موجه مهما تغيرت الرياح، وكالجذر الذي يثبت في الأرض ولا يميل مع كل نسمة.
أما السلام الحقيقي، فلا يمنحه إلا ميزان لا يرضى إلا بالحق، ولا يزن الأمور إلا بمكيال واحد.
فهل يبقى أثري في هذه الحياة صادقا، إن كنت لا أطلب العدل إلا حين ينصفني؟
بقلم:
د.محمد شعوفي
10 سبتمبر 2026م

