أُمّاهُ… والدارُ بعدكِ أَسْفارْ
رحلَ الجميعُ، وبِتُّ وحدي في الدارْ
والحزنُ يسكبُ في جوانحيَ النارْ
أمشي وأجمعُ ما تبقّى من أسىً
وألمُّ دمعي، والضلوعُ بها أوارْ
وأصبُّ ماءً، ثم أذكرُ وجهَها
فأرى الغيابَ يفيضُ في أرجاءِ الدارْ
يا حسرتي، هذي الديارُ عزيزةٌ
لكنَّها من دونِ أُمّي كالقَفارْ
أمّاهُ، مَن أحيا الزوايا أُنسُهُ؟
مَن كانَ يمنحُ بيتَنا الأنوارْ؟
مَن كانَ يفتحُ للنهارِ نوافذًا
ويُبدِّدُ الأحزانَ حينَ تُثارْ؟
رحلوا، فخلّوا الصمتَ يجلسُ بيننا
وتركتُ وحدي للوجيعةِ ألفَ نارْ
أمشي، فألمحُ في الزوايا ظلَّها
وأكادُ أسمعُ صوتَها في الدارْ
هذا مكانُكِ، والستائرُ لم تزلْ
تحكي حكايا عطرِكِ المعطّارْ
وهنا جلستِ، وههنا ضحكتِ لي
وهنا احتمى قلبي، وكانَ له جوارْ
يا أمُّ، كيفَ أطيقُ بعدَكِ منزلًا
أمسى يردِّدُ في سكونِ الليلِ آثارْ؟
قد كانَ وجهُكِ للبيوتِ بشاشةً
واليومَ بعدَ رحيلِكِ استوطنَ الإعصارْ
ما كنتُ أعلمُ أنَّ آخرَ نظرةٍ
جرحٌ بقلبي في الأعماقِ غارْ
ما كنتُ أعلمُ أنَّ صمتَكِ مرّةً
سيظلُّ يوقظُ في الضلوعِ شرارْ
يا ربِّ، فارحمْ مَن رحلتْ، فإنّها
روحي، وملجئيَ الحنونُ، ودفءُ الدارْ
واجعلْ لها في الخلدِ أكرمَ منزلٍ
واجمعْ بها الأحبابَ في دارِ القرارْ
أمّاهُ، إنْ خَلَتِ الديارُ فإنّني
أحيا على ذكراكِ ما امتدَّ النهارْ
ستظلُّ روحُكِ في ثنايا منزلٍ
ويظلُّ حبُّكِ في فؤادي ما تعاقبَ ليلٌ ونهار
د سلوى الفيلالي

