لقاء الصدفة بشاعر المحروسة
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
تفاجأت مساء هذا اليوم ، وأنا أجلس في مقهى متواضع ، بشاعر المحروسة ، فتى آل سلام ، يحييني تحية إجلال وإكبار ، يعقبها بقوله : كم أنت متواضع أيها الكاتب والأديب ؛ إذ تجلس بين العامة ، وتتحدث إلى هؤلاء البسطاء ! قلت : إنما أشعر بسعادة غامرة حين أجلس في هذا المكان المتواضع ، وبين هؤلاء العامة والبسطاء ، وأتحدث معهم ، واستمع إلى حديثهم ، قال : بل يبدو إن هذه المواضع هي مصدر إلهامكم ، ومكامن إبداعكم ، معشر الكتاب والأدباء ، قلت : أجل ، إن جلوسنا في هذه الأماكن المتواضعة ، يجعلنا نطلع على كثير من هموم العامة ، ونستمع إلى معاناة البسطاء ، فمعاناتهم قاسية ، ومواجعهم مؤلمة ، الأمر الذي يلهمنا صوغ رسائلنا ، وما تمليه علينا ضمائرنا ، لعلنا نصل بذلك إلى أسماع الخاصة ، فنسترق أفئدتهم ونستدعي قلوبهم ؛ لعل في ذلك شيئا مما يرفع من أثقال معاناتهم ، أو يخفف من أوزار آلامهم ، أو يعالج آخر من جراحاتهم ، فأنت تعلم – أيها الشاعر – أن الخاصة في أقطارنا ، يعيشون في بروج مشيدة ، وقصور عالية ، بل وتحول بينهم وبين العامة أسوار منيعة ، وقلاع حصينة ، تمنع الخاصة من سماع أنين العامة ، وتأوهاتهم ، وبكائهم .
وهنا يصبح تواجد الكاتب النزيه ، والأديب اللبيب ، في مثل هذه الأماكن ، أمرا ضروريا ، والاستماع إلى أصوات هذه الشريحة من المجتمع عملا مندوبا ؛ لأن الكتاب والأدباء عادة ما تجد الأكثرية منهم ، تمتلك مشاعر رقيقة ، وأحاسيس مرهفة ، وأقلام شريفة ، وعقول نزيهة ، ورأفة واسعة ، ما يجعلهم يرسمون بأقلامهم صورا صادقة ، تمثل جوع الفقراء ، وبكاء المعدمين ، وبؤس اليتامى ، وآلام الثكالى ، ما يكوٍن ثقافة واسعة لدى الكاتب أو الأديب ، تعنى بهذه الشريحة البائسة من المجتمع ، وواقع عيشها ، وتفاصيل حياتها ، الأمر الذي يجعلنا نغترف من ثقافة هؤلاء البؤساء ، وندفع بها إلى الأعلى ، لتعود بالنفع عليهم ؛ كقطرات الغيث ، عبر وسائل التنوير ؛ المرئية والمسموعة والمقروءة .
عند ذلك شكرني الشاعر ، واعتذر مني للانصراف نحو بغيته .

