الحلقة الثامنة والعشرون : فلسفة النفس بين التحليل النفسي والفطرة الإسلامية .. للباحث تركي محمد صالح الطلاع

الحلقة الثامنة والعشرون

فلسفة النفس بين التحليل النفسي والفطرة الإسلامية

سلسلة: ميزان الحكمة قراءة نقدية في الفلسفة من منظور إسلامي

الباحث: تركي محمد صالح الطلاع الباحث في العلوم الإسلامية

المقدمة: من يملك مفاتيح النفس البشرية؟

بعد أن فرغنا في الحلقة السابقة من تحرير قضية فلسفة الجمال بين الذوق الذاتي والجمال الإلهي، نصل اليوم إلى سؤال يمسّ أعقد وأدق ما في الوجود الإنساني: ما هي النفس البشرية؟ وما هي قواها ودوافعها وأمراضها وسبل علاجها؟ وهل يمكن اختزالها في غرائز وكبت ولا شعور كما قال فرويد؟ أم أنها جوهر روحاني له فطرة ومراتب وغاية كما قال الإسلام؟

هذه القضية ليست ترفاً أكاديمياً. إنها السؤال الذي يحدد مصير العلاج النفسي والتربية. فمن يرى أن الإنسان مجرد مجموعة من الغرائز كما قال فرويد سيعالجه بـتفريغ الكبت وإطلاق الرغبات ومن يرى أن الإنسان كائن فطري له فطرة سليمة وغاية سامية كما قال الإسلام سيعالجه بـالتزكية والتربية الروحية والعودة إلى الفطرة

وقد شهد القرن العشرون انتشاراً هائلاً لـمدارس التحليل النفسي من فرويد إلى يونغ حتى أصبحت مرجعاً في فهم النفس البشريةلكن هذه المدارس رغم إسهاماتها قامت على أسس مادية إلحادية تتعارض مع التصور الإسلامي للإنسان وهذا التعارض هو موضوع حلقتنا.

أولاً: عرض الفكرة التحليل النفسي الغربي

1. فرويد: النفس كجهاز غريزي

سيغموند فرويد (1856–1939م) مؤسس التحليل النفسي بنى نظريته على مبدأ أساسي: أن الغرائز وخاصة الغرائز الجنسية هي المحرك الأساسي للسلوك البشري وقد قسّم النفس إلى ثلاثة أجزاء: الهو (Id) وهو مستودع الغرائز والأنا (Ego) وهو الوسيط بين الغرائز والواقع والأنا الأعلى (Superego) وهو الضمير والقيم الأخلاقية

ويرى فرويد أن الاضطرابات النفسية تنشأ من الكبت أي كبح الرغبات ومن الصراع بين الغرائز والضمير والعلاج عنده هو تفريغ الكبت وإطلاق الرغبات وقد قال الباحثون إن جدل التحليل النفسي المبالغ فيه في أن كل الأمراض العصبية يسببها الكبت الجنسي والصراعات الأديبية ليس بصحيح، لأن جزءاً من ذلك كان ردة فعل مبالغاً فيها ضد معايير الكنيسة الكاثوليكية والقيم المترممة للعهد الفيكتورتي

2. يونغ: النفس واللا شعور الجماعي

كارل يونغ (1875–1961م) تلميذ فرويد ثم منشق عنه طوّر نظرية النفس فهو يرى أن اللا شعور ليس مجرد مستودع للرغبات المكبوتة بل هو مستودع للصور الأولية (Archetypes) التي تتوارثها البشرية جميعاًوهذه الصور الأولية عنده تشكل الأساطير والأديان والرموز في كل الثقافات

ويونغ رغم انشقاقه عن فرويد ظل أسير التصور المادي الذي يعزل النفس عن الوحي وقد رأى بعض الباحثين أن مقاربة يونغ للنفس أقرب إلى الروحانية من فرويد لكنها تبقى بعيدة عن الفطرة التوحيدية

3. الأسس الإلحادية للتحليل النفسي

تكشف الدراسات أن فرويد بدأ بإنكار الفطرة التوحيديةوكانت الخطوة الثانية التي أعقبها هي التغافل عن المنطق الاستدلالي والعقلي للعلماء وتعريف الدين بسلسلة من العوامل النفسية تحت ستار من التحليل النفسي فـالدين عند فرويد ليس إلا وهم نفسي صنعه الإنسان ليتخلص من خوفه من الطبيعة وهذا التصور يتعارض مع الإسلام من أساسه

ثانياً: عرض الفكرة الفطرة الإسلامية

1. الفطرة: دين التوحيد

الفطرة في المنظور الإسلامي هي “الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة”وقد بيّن العلماء أن معنى الفطرة يتردد بين ثلاثة معانٍ: الغريزةوالدافع والميل

والفطرة في الإسلام مرتبطة بالتوحيد لا بالغرائز فقط قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]فـالفطرة ليست مجرد استعداد فطري لقبول الخير بل هي بالأساس قبول الدين الحق وتوحيد الله وقد قال الباحثون إن الفطرة في الإسلام مرتبطة بالشهادة لا إله إلا الله فمن الفطرة الإنسانية قبول دين الحق ومع أن الإنسان مزود بالعقل والاختيار الحر إلا أنه يستطيع أن يختار بين الصواب والخطأ،و هو مسؤول عن إيمانه أو كفره بالله

2. مراتب النفس: الأمارة، اللوامة، المطمئنة

القرآن يصف النفس بأوصاف أربعة: المطمئنة والموسوسةواللوامةوالأمارة بالسوء وهذه الأوصاف ليست أنواعاً متمايزة بل مراتب تتدرج فيها النفس الواحدة

النفس الأمارة: وهي التي تأمر بالسوء وتدفع إلى الشر قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53] وهي أدنى مراتب النفس

النفس اللوامة: وهي التي تذنب وتتوب تفعل الخير والشر لكنها إذا فعلت الشر تابت وأنابت وسميت لوامة لأنها تلوم صاحبها على الذنوب

النفس المطمئنة: وهي التي تحب الخير والحسنات وتريدها وتفعلها وتبغض الشر والسيئات وتكرههاقد اطمأنت إلى مولاها وإلى قضائه وقدره،وإلى دينه وشرعه وهي أعلى مراتب التكامل البشري وإليها الإشارة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]

3. النفس في فلسفة ابن سينا والغزالي

ابن سينا والغزالي رغم اختلافهما اتفقا على أن النفس جوهر روحاني وقد تأثر الغزالي بأرسطو في تعريف النفس مع التعديل الذي أجراه فيه بحيث ينسجم مع نظيره إلى طبيعة النفس الروحانية وسبب اتفاق الغزالي مع الفلاسفة في هذا الموضوع أنه لا يأخذ عليهم شيئاً مما ينكره الشرع بالنسبة للنفس وإنما يعترض على ادعائهم بأن العقل وحده دون تأييد من الشرع يستطيع البرهنة على كون النفس جوهراً قائماً بذاته

ثالثاً: الجوانب الإيجابية في التحليل النفسي

1. كشف اللا شعور

أعظم إسهامات فرويد رغم أخطائه أنه كشف وجود اللا شعور وتأثيره في السلوك فقد بيّن أن كثيراً من سلوكياتنا ورغباتنا ومخاوفنا تنبع من مناطق خفية في النفس لا ندركها بوعيناوهذا الكشف في جوهره يتوافق مع التصور الإسلامي الذي يتحدث عن الوسوسة و النفس الأمارة و الشيطان الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم

2. الاهتمام بالطفولة

ركز فرويد على أهمية الطفولة في تشكيل الشخصية و أثر التربية المبكرة في الصحة النفسية وهذا يتوافق مع الإسلام الذي يولي الطفولة عناية خاصة،و يأمر بتربية الأطفال على الفضائل منذ الصغر

3. فتح باب العلاج النفسي

التحليل النفسي رغم أخطائه المنهجية فتح الباب أمام علم النفس العلاجي فقد أسهم في تطوير طرق علاج الاضطرابات النفسيةو في فهم كثير من الأمراض النفسية التي كانت لغزاً مستعصياً

رابعاً: الجوانب السلبية في التحليل النفسي

1. الاختزال الجنسي

أخطر ما في فرويد هو اختزاله الإنسان في الغرائز الجنسيةفقد جعل الغريزة الجنسية هي المحرك الأساسي لكل سلوك بشري وهذا يخالف الإسلام الذي يقرر أن الإنسان مخلوق في أحسن تقويم و أنه مكرم ومفضل على كثير من المخلوقات وقد أشار الباحثون إلى أن فرويد أنكر الفطرة التوحيديةو غفل عن المنطق الاستدلالي

2. إنكار الروح والفطرة

التحليل النفسي يقوم على أساس مادي صرف ينكر الروح و الفطرة و الغيب وقد قال الباحثون إن المبادئ النظرية للتحليل النفسي لا تتفق مع علم النفس الإسلامي في رؤيته للحياة و الدين و الإنسان و السلوك و دوافع السلوك و مرتبة العقل البشري بالنسبة للوحي

3. تجاهل البعد الروحي

من أخطر ما في التحليل النفسي أنه يتجاهل البعد الروحي في الإنسان فقد رأى الباحثون أن هذه النظريات تركز حصراً على بعد واحد (العاطفة، الإدراك، علم الأعصاب)و قد تم إهمال البعد الروحي كعنصر أصيل من عناصر الشخصية

4. تحويل الدين إلى مرض نفسي

فرويد و أتباعه نظروا إلى الدين على أنه وهم نفسي أو مرض نفسي وهذا يخالف الإسلام الذي يجعل الدين فطرة ومصدر صحة نفسيةوقد قال الباحثون إن اليوم قد أدرك الغرب أنه لا يمكن الاستغناء عن الدين في العلاج النفسي و أن الفطرة الدينية جزء لا يتجزأ من الصحة النفسية

5. فقدان المعيار الأخلاقي

التحليل النفسي بإنكاره للفطرة والوحي يفقد المعيار الأخلاقي فإذا كانت الغرائز هي الأصل و الكبت هو سبب المرض فما معيار الحلال والحرام?ومن يحدد ما يجب كبت وما يجب إطلاق?وهذا يفتح الباب للفوضى الأخلاقية

خامساً: الرد الإسلامي ميزان الفطرة والتزكية

1. النفس جوهر لا غريزة

القاعدة الذهبية في الإسلام هي أن النفس جوهر روحاني لا مجرد مجموعة غرائز فقد قال الغزالي إن النفس جوهر منزه عن المادة والصور أي أنها ليست جسماً ولا بعضه وهذا يعني أن الإنسان أعظم من أن يُختزل في غرائزه

2. الفطرة: الأساس السليم

الإسلام يقرر أن الإنسان يولد على الفطرة فطرة التوحيد والخيرقال ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرةفأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»فـالانحراف ليس أصلاً في الإنسان بل هو عارض من التربية أو البيئةوهذا يخالف فرويد الذي جعل الغرائز الشريرة هي الأصل

3. مراتب النفس: تزكية لا تفريغ

الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يُفرّغ غرائزه كما قال فرويد بل يطلب منه أن يُزكي نفسه ويرتقي بهاقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]والتزكية في الإسلام ليست كبتاً بل تربية و تهذيب و ترقيةفـالنفس تنتقل من مرتبة الأمارة إلى اللوامة إلى المطمئنة

4. العلاج: ذكر الله لا تفريغ الرغبات

العلاج النفسي في المنظور الإسلامي ليس تفريغ الكبت بل هو ذكر الله وطاعته قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] فـالطمأنينة التي يبحث عنها الإنسان لا يجدها في إطلاق الغرائز بل في القرب من الله

5. علم النفس الإسلامي: بديل متكامل

علم النفس الإسلامي الذي بدأ يتبلور في العصر الحديث يقدّم بديلاً متكاملاً للتحليل النفسي الغربي وهو يقوم على أسس منها: أن الإنسان مخلوق من روح وجسد وأن الروح هي الأصل و أن الفطرة هي الأساس و أن الغاية هي العبادة و التزكيةوقد أثبتت الدراسات أن المبادئ النظرية للتحليل النفسي لا تتفق مع علم النفس الإسلامي في رؤيته للحياة و الدين و الإنسان و السلوك

6. المقارنة بين التحليل النفسي والفطرة الإسلامية

وجه المقارنة التحليل النفسي الفطرة الإسلامية

حقيقة النفس جهاز غريزي (هو/أنا/أنا أعلى) جوهر روحاني له فطرة ومراتب

الأصل في الإنسان الغرائز الشريرة الفطرة السليمة (التوحيد والخير)

الدين وهم نفسي / مرض فطرة ومصدر صحة نفسية

العلاج تفريغ الكبت تزكية النفس وذكر الله

الغاية التوازن الغريزي مرضاة الله والطمأنينة

المعيار لا معيار أخلاقي مطلق الوحي (حلال/حرام)

البعد الروحي مُهمَل أساس

سادساً: خلاصة الميزان

فلسفة النفس بين التحليل النفسي و الفطرة الإسلامية قضية مصيرية فـفرويد رغم كشفه للاشعور اختزل الإنسان في غرائزه وأنكر الفطرة والروح و حوّل الدين إلى وهم والإسلام بمنهجه المتكامل يقدّم بديلاً حقيقياً: نفس جوهر روحاني فطرة سليمة مراتب تتدرج من الأمارة إلى المطمئنةو علاج قائم على التزكية و ذكر الله

والميزان الحق هو ما قرره الإسلام:

· الإنسان مخلوق في أحسن تقويم لا مجموعة غرائز

· الفطرة هي الأصل والانحراف عارض

· النفس لها مراتب و التزكية ترتقي بها

· الدين فطرة و صحة لا وهم و مرض

· الغاية هي الطمأنينة في ذكر الله لا تفريغ الرغبات

خلاصة الميزان: فرويد أراد نفساً بلا روح فجاءت نفساً بلا معنى والإسلام يقدّم نفساً بالروح حيوية مطمئنة ترتقي من الأمارة إلى المطمئنة و الفرق بينهما كما قال الباحثون كالفرق بين من يعالج النفس بـ تفريغ الكبت و من يعالجها بـ ذكر الله و الله يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۞ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۞ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]

الحلقة القادمة: “فلسفة السعادة بين اللذة الأبيقورية والسعادة الأخروية”

الباحث: تركي محمد صالح الطلاع

اترك تعليقًا