■ 》هَؤُلَاءِ الشُّعَرَاءِ 《 ■
يكتبُ الشعراءُ في كلِّ شيء…
يتغنَّون، يُنشدون، ويُعلِّقون أحلامَهم على مشاجبِ الكلمات؛
يحمِلون الهودجَ إلى تخومِ الحلم، يستحضرون الحورَ من غيبِ القصيدة.
ويُسرِّحون خيولَ الخيال في مروجِ المستحيل…
مساكينُ هؤلاء الشعراء!
يَبكون في اللحظةِ التي يبتسمون فيها،
وتقصُّ ظهورَهم قشَّةُ حزن،
أوجاعَهم لا تحتاجُ إلى جبلٍ كي بنوءَ به،
يكفيهم خيطٌ رفيعٌ من الذكرى ليهويَ بهم العمرُ كلُّه.
الفراقُ عندهم قيامة،
والغيابُ نفخٌ في صورِ النهاية،
والفرحُ…
ليالٍ من كرمِ حاتمَ الطائي،
ومائدةٌ من الضوء،
وقصيدةٌ تتَّسعُ لضيوفِ الروح، وإن ضاقت بهم الأرض والسماء.
مسالمونَ هؤلاء الشعراءُ… وباسلون؛
يُشهرون الكلمةَ في وجه العتمة،
ويَحمون شرفةَ القبيلةِ بالسيف إن استُبيحت كرامتُها،
في أيديهم قلم وسيف :
يكتبُ أحدهما للحياة،
والآخرُ يَحرسُ ما تبقَّى من شرفِها.
غرباءُ في زمنِ النبوءة؛
يقرؤون التاريخَ كأنَّه جرحٌ مفتوح،
ويكتبون المستقبلَ كأنَّهم شهودٌ على ولادته،
لكنَّهم،
لا يُحسنون الإقامةَ في الحاضر؛
فالحاضرُ الذي يسكنونَه يُحاصرهم،
ولا يشبهُهم…
يحملون حقائبَ أرواحهم،
ويُهاجرون إلى قصيدة.
كلُّ النساءِ امرأةٌ يكتبُها الشاعرُ في قصيدتَه،
وكلُّ القصائدِ امرأةٌ لا تكتفي بشاعر؛
فتنتها تكفي ليكتب عمرا،
وغيابها يسكن في قلبه ليظلَّ يبحث…
ولا يسأم
الشعراء ..
هم للوطنِ راية،
وللبنيانِ آية،
وللروحِ غاية؛
هم في أفواهِ الناسِ لغةُ الحق،
يعيدوا للكلماتِ ألسنتَها،
وإذا نامتْ ضمائرِ الناسِ اشعلوا
جذوةُ الحلم،
نفخوا في رمادها فتستيقظَ النار.
ليس الشعراءُ هائمينَ فحسب؛
إنَّهم غارقونَ في صمتٍ أعمقَ من الكلام،
غائصونَ في لُجَجِ المعنى،
يستخرجون من قاعِ الوجعِ دُررًا،
ومن حطامِ الخيباتِ أجنحةً،
ومن خاصرةِ الليلِ نافذةً للضوء.
غاضبونَ كالثورةِ حين تُصفَّدُ الحرية،
وعاصفونَ في وجه العبوديةِ والطغيان؛
يعشقونَ المعارك،
وفي صدورهم قلبًا لا يتقنُ الانحناء،
وروحًا ترى في الصمتِ عن الظلمِ خيانةً للكلمة.
الشعراءُ لا يسكنون الأبجدية…
هي التي تسكنهم؛
تُشيِّد لهم في الخيالِ قصورًا،
وتفتحُ لهم في الغيبِ نوافذ،
ثم تُلقي بهم في معاركِ الوغى والدُّجى،
ليعودوا منها مثخنينَ بالجراح،
وفي أيديهم شيءٌ يشبهُ الخلود.
لا يكتبون على أوراقٍ تصفرُّ ثم تُطوى،
ولا يودعون أرواحَهم في حروفٍ تُقبر؛يكتبون على جدارِ الزمن،
ويحفرون أسماءَهم في ذاكرةِ الضوء،
قد تموتُ القصيدةُ في كتاب،
لكنَّها تحيا في قلبٍ لم يقرأها،
وتظلُّ الكلمةُ الصادقةُ تمشي بين الناس
هم للحقِّ أصدقُ
حين يتلوَّنُ الشهود،
وللخيرِ أبرقُ
حين يشتدُّ السواد،
وللشرِّ سيفٌ لا يُغمدُ.
هم أعداءُ للظلمِ وإن تزيَّنَ بالعدالة،
وحُرَّاسُ الحقِّ وإن تخلَّى عنه حُرَّاسُه،
هم للمكارمِ نُبلٌ لا يشيخ،
وللعطاءِ أيدٍ لا تعرفُ الأخذ.
مساكينُ هؤلاء الشعراء!
يُوزِّعون قلوبَهم على العالم،
ثم يعودون إلى وحدتِهم
كأنَّ أحدًا لم يأخذْ منهم شيئًا…
يمنحون الآخرينَ لغةً ليقولوا ما يشعرون،
ويعجزون أحيانًا عن قولِ ما يعتملُ فيهم؛
يُضيئون دروبَ العابرين،
ويتركون عتمتَهم تنتظرُ مصباحًا لا يأتي.
يواصلون الكتابة ولو على اربع ؛
في أعماقِ كلِّ شاعرٍ وطنًا لم يُبنَ بعد،
وامرأةً لم تكتملْ في القصيدة،
وحقيقةً لم تجدْ مَن يجرؤُ على قولها،
وحلمًا، كلَّما أطبقَ الواقعُ جفنَيه عنه،
فتحَ الشاعرُ له نافذةً في السماء.
أولئك هم الشعراء…
لا يعيشونَ أعمارَهم وحدَها،
بل يعيشونَ أعمارَ الذين لم يستطيعوا الكلام،
ويحملون أوجاعَ الذين لم يجدوا لغةً للبكاء،
فالشاعرُ لا يموتُ حين يغيب؛
إنَّما يموتُ حين تموت الكلمةِ في قلبِ الإنسانِ حر .
#_الكلمة_أَطْوَلُ_عُمْرًا_مِنَ_صَاحِبِهَا
#_الأربعاء 21 أكتوبر 2026
#_الساعة : 21.00 مساء
■》 عبد الحكيم الجزائري

