أثر لا يستعار .. للأديب د. محمد شعوفي

أثر لا يستعار

عند أول الضوء، أقف على الشاطئ فأرى آثار الأقدام على الرمل الندي، ثم أراها تذوب واحدة بعد أخرى تحت لسان الموج.

وأفهم أن أثرا لا يخرج من جذر حي لا يصمد أمام أول مد.

لقد وقفت يوما أمام المرآة، فسألت نفسي:

هل هذا الوجه الذي أراه هو حقا وجهي، أم صورة شكلها الآخرون في داخلي حتى غدوت أرى نفسي بعيونهم؟

كم من إنسان عاش عمرا كاملا يظن أنه يفكر بذاته، ثم اكتشف أن كثيرا مما حسبه قناعاته لم يكن إلا صدى لأصوات أخرى؟

في بدايات الطريق، خيل إلي أن العظمة في أن أكون صورة متقنة ممن حولي.

كنت أستعير عيونهم لأرى، وأصوغ كلماتي من أقوالهم، وأقيس خطواتي بخطواتهم، ظنا أن القرب من قناعاتهم يمنحني مكانا آمنا بينهم.

ولم أنتبه إلى أن الاحتماء بآرائهم يتحول إلى سور خفي يحجب عن عيني رؤية العالم، ويمنعني من معرفة ما أؤمن به حقا.

وكالبذرة تنبت في ظل شجرة غيرها، تطول شاحبة وتنحني نحو ضوء ليس لها، كنت أنمو نحو ما لا يخص جذري.

ثم عرفت أن دفء ذلك الظل وهم طمأنينة أدفع ثمنه من استقلالي.

فما قيمة أن أجد مكانا بين الآخرين إذا كان ثمنه أن أتخلى عن ملامحي؟

وما جدوى رضاهم إذا غدوت غريبا عن أفكاري ورغباتي؟

ومع ذلك، لم يدفعني ما عرفت إلى رفض ما أسمع، فالتجارب ميراث ثمين، والحوار نافذة تتسع بها الرؤية.

لكنني تعلمت أن بين أن أستفيد من تجربة غيري وأن أتنازل له عن حقي في التفكير فرقا جوهريا.

فليس كل اختلاف صوابا، وليس كل اتفاق دليل اقتناع.

وقد أجد الحقيقة في كلمة يقولها غيري، لكن قيمتها في داخلي لا تكتمل حتى أفهمها وأختبرها وأتبناها عن وعي.

عندئذ فهمت معنى الأثر:

ليس ما أنقله عن غيري، بل ما ينبت من جذري وتسقيه تجربتي.

فالطير لا يستعير مسار طائر آخر فيترك في السماء معنى الاتجاه، والماء لا يقلد مجرى غيره فيحفر في الأرض أثرا يعرف به.

واستقلالي لا يعني عزلة عن الناس، بل حضورا بينهم دون أن أفقد نفسي، واختلافا معهم دون أن أنتقص من قدرهم.

أصغي إلى الآراء، وأتأمل التجارب، ثم أختار ما ينسجم مع عقلي وضميري، وأتحمل مسؤولية ما اخترت.

وحين بدأت أتحرر من ظلال الآخرين، شعرت كأنني أولد من جديد، كما تشق البذرة قشرتها فتبصر أول الضوء.

لم يكن ذلك انفصالا عن الناس، بل عودة أعمق إلى نفسي.

لا أحتاج إلى إطفاء أنوار الآخرين كي أرى نوري، ولا إلى التقليل من تجاربهم كي أؤمن بتجربتي.

وأعلم أنني سأخطئ أحيانا، لكنني أفضل أن أخطئ بعد تفكير صادق وأصحح مساري عن وعي، على أن أطمئن إلى أفكار لم أختبرها.

وهكذا تعلمت أن استعادة نفسي لا تعني أن أدير ظهري للعالم، بل أن أواجهه بوجه أعرفه، وصوت أميزه، وخطوات اخترت اتجاهها بيدي.

فهل أترك على شاطئ هذا العمر أثرا يشبه جذري، أم أظل أنتظر إذنا بالوجود من سواي حتى يمحو الموج ما لم أكتبه بنفسي؟

بقلم:

د محمد شعوفي

21 أكتوبر 2026م

اترك تعليقًا