#قراءات_تأملية_في_الأدب_العالمي
(من رواية ” البؤساء ” للأديب الفرنسي فيجتور هوجو) .
(1) البؤساء ..ليس الموت هو المأساة .
من العبارات التي ظلت عالقة بذهني منذ قراءتي رواية “البؤساء” للأديب الفرنسي العالمي فيكتور هوجو ، قول
(جان فالجان) في لحظاته الأخيرة :
” ليس الموت شيئا ؛ إنما الرهيب ألا نعيش “
توقفت طويلا أمام هذه العبارة وتأملت: ماذا يعني ألا نعيش ، ونحن نمضي سنوات العمر ونسعى في الأرض ، ونأكل ونشرب ، وننشغل بتفاصيل الحياة اليومية؟ !
أظن أن الإنسان يبدأ في اكتشاف حقيقة الحياة حين يعرف لماذا وجد في هذا العالم ، وما الغاية التي يريد أن يحققها من وجوده ، وما الأثر الذي يرجو أن يتركه وراءه .
عندئذ تتضح بوصلته ، فلا يعود همه أن يطيل عمره فحسب ، بل أن يمنح هذا العمر معنى ، وأن يبحث عن الخير فيما يمر به ، وأن يكون صالحا في نفسه ، نافعا لغيره ، ومصلحا ما استطاع إلى ذلك سبيلا .
يقول الله تعالى: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” النحل ٩٧ .
فإن المؤسف حقا هو ألا نعيش الحياة الطيبة التي أرادها الله وارتضاها لنا .
وهذه الحياة الطيبة ليست بالضرورة حياة خالية من الألم ، ولا حياة توافرت لصاحبها كل أسباب الرفاهية ، وإنما هي حياة لها غاية ، ويستمد الإنسان فيها من إيمانه معنى لما يفعل ، ومن عمله الصالح قيمة لما يعيش ، ومن علاقاته الإنسانية ما يمنح أيامه الدفء والطمأنينة .
قد تطول حياة الإنسان ، لكنه لا ينتبه إلى ما يهدره من أيامه في الخصومات والقلق والمقارنات والسعي وراء ما لا ينتهي من الرغبات.
وقد يقصر العمر ، لكنه يترك من الخير ما يمتد أثره بعد رحيل صاحبه .
لهذا أرى أن السؤال الذي ينبغي أن نصطحبه معنا ليس هو :
كم بقي لنا من العمر؟ ،
بل: ماذا نريد أن نصنع بما بقي منه؟
؛ فليس المهم أن تمر بنا الحياة فحسب ، وإنما أن نكون قد أضفنا إليها شيئا طيبا ، وأن يكون وجودنا فيها خيرا لأنفسنا ولمن حولنا .
(2) البؤساء.. بركة العمر لا طول العمر .
ثمة فرق بين أن يزداد عمر الإنسان ، وأن تزداد البركة في عمره ؛
فقد يعيش المرء سنوات طويلة ، ولا يكاد يترك وراءه أثرا يذكر ، وقد يعيش آخر سنوات أقل ، لكنه ينجز فيها من العلم والعمل والعطاء ما يمتد أثره إلى أجيال بعده .
إنها ليست مسألة عدد السنوات وحدها ، وإنما ما امتلأت به من خير ، وما أثمرته من عمل ، وما تركته من أثر .
وهنا يحضرني معنى قرأت عنه في كتابات السلف ألا هو ما يسميه بعضهم
“الحياة العريضة” :
أن تتسع حياة الإنسان للمعاني والأعمال والإنجازات ، وأن يستطيع في عمره المحدود أن يحقق من النفع ما يتجاوز حدود سنواته .
قد تكون البركة في علم ينتفع به الناس ، أو ابن صالح يحسن إلى الآخرين ، أو مشروع يخفف معاناة المحتاجين ، أو كلمة طيبة تغير حياة إنسان ، أو إصلاح بين متخاصمين ، أو أثر يمتد بعد رحيل صاحبه ،
وهنا يحضرني الدعاء المأثور :” اللهم اجعلني ممن طاب ذكرهم وحسنت سيرتهم في الحياة وبعد الممات ” .
ولذلك فإننا حين ندعو الله بالبركة في العمر ، فإننا لا نطلب مجرد زيادة الأيام ، بل نطلب أن تكون أيامنا مثمرة ، وأعمالنا نافعة ، وأوقاتنا عامرة بما يستحق أن نعيش من أجله .
ومن الدعاء المتداول في المأثور :
“اللهم إني أسألك زيادة في العلم و الدين، وبركة في العمر والرزق ، وتوبة قبل الموت ، وراحة عند الموت ، ومغفرة ورحمة بعد الموت ، وجوازا على الصراط، وخلاصا من الحساب ، والسلامة في الدين و الدنيا والآخرة ” .
إنه دعاء يجمع بين طلب الزيادة النافعة ، والبركة في العمر والرزق ، وحسن الاستعداد للقاء الله .
فالزيادة وحدها ليست دائما مكسبا ؛ إذ قد يزداد المال ولا يزداد نفعه ، وتمضي السنوات دون أن تزداد معها حكمة الإنسان أو طمأنينته أو عطاؤه .
أما البركة فهي أن يضع الله في القليل خيرا كثيرا ، وأن يجعل في الوقت المحدود إنجازا نافعا ، وفي الرزق كفاية ، وفي العلم فهما ، وفي العمر عملا صالحا يبقى أثره .
فلنسأل الله ألا يجعل أعمارنا مجرد سنوات تنقضي ، بل حياة طيبة مباركة ، تزداد فيها أعمال الخير ، ويظل أثرها ممتدا ما كتب الله لها البقاء .
(3) البؤساء.. أن تمنح الإنسان فرصة ليصبح أفضل .
من أجمل ما في رواية “البؤساء” رحلة (جان فالجان) من حياة قاسية أثقلها السجن والحرمان ، إلى حياة جديدة أعاد فيها اكتشاف إنسانيته .
لم يتغير فالجان لأن الناس ظلوا يذكرونه بماضيه ، وإنما كانت نقطة التحول حين قابله (الأسقف ميريل) بالرحمة ، ومنحه فرصة لم يكن يتوقعها .
يخاطبه الأسقف :
“جان فالجان يا أخي ، لم تعد تنتمي إلى الشر، بل إلى الخير ” .
لم يكن ذلك إنكارا لما ارتكبه فالجان من خطأ ، بل كان إيمانا بأن الإنسان لا ينبغي أن يظل أسير ماضيه إلى الأبد ، وأنه يستطيع أن يبدأ من جديد إذا امتلك الإرادة ووجد من يعينه على التغيير .
وهو مايذكرني بقصة الرجل الذي قتل تسة وتسعين نفسا فلما أراد أن يتوب لذهب لعابد يسأله : هل لي من توبة ؟ فنهره ووبخه وسد أمامه طريق التوبة والعودة ، فقتله فأتم به المائة ،
إلى أن اهتدى لرجل عالم ففتح أمامه أبواب الأمل والرجاء وقال له : وما الذي يحول بينك و بين التوبة ، إلى آخر القصة بتمامها في كتاب “رياض الصالحين” للإمام النووي .
وهنا أتساءل: كم من إنسان حكمنا عليه من ماضيه وأغلقنا ابوابه أبواب الامل والرجاء ، أو اختزلناه في خطأ ارتكبه ، أو أغلقنا أمامه باب الإصلاح لأننا لم نعد نرى فيه إلا ماضيه؟
إن منح الإنسان فرصة لا يعني ضمان صلاحه ، ولا إعفاءه من مسؤولية أفعاله ، ولكنه يعني ألا نصادر مستقبله بسبب ماضيه ، وألا نحول الخطأ إلى هوية تلاحقه طوال حياته .
وقد يكون من أعظم ما نقدمه لإنسان ما أن نساعده على رؤية إمكانية الخير في نفسه ، وأن نضع أمامه طريقا للإصلاح بدلا من أن نكتفي بتذكيره بما أفسد كما فعل (الأسقف ميريل) ذلك الرجل الرحيم .
في مثل هذا يقول الله تعالى:
“إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما” الفرقان ٧٠.
إنها دعوة إلى الأمل والعمل ، وإلى ألا يتحول الندم إلى يأس ، بل يكون بداية لتغيير حقيقي يظهر في السلوك والعمل .
لعل هذا المعنى من أهم ما نحتاج إليه في بيوتنا ، وفي تربية أبنائنا ، وفي علاقاتنا بالناس ، وفي تعاملنا مع من أخطأوا في حقنا ، وفي مجتمعاتنا كلها.
ولست هنا أدعو إلى أن نبرر الخطأ ، وإنما أن نترك باب الإصلاح مفتوحا ، وأن نؤمن بأن الإنسان قادر ما دام حيا على أن يتعلم وينضج ويصبح أفضل مما كان .
(4) البؤساء.. أي أثر نتركه بعد الرحيل؟
حين نقرأ قصة (جان فالجان) ، ندرك أن قيمة الإنسان لا تختصرها الأموال التي جمعها ولا المكانة التي وصل إليها ، ولا الأحكام التي أصدرها المجتمع عليه .
إنما تظهر قيمته الحقيقية في الخير الذي قدمه ، وفي النفوس التي أسعدها ، وفي الأعباء التي خففها عن الآخرين ، وفي الأثر الذي تركه في حياتهم .
لقد أحب فالجان (كوزيت) تلك الطفلة المسكينة اليتيمة ورعاها ، وضحى من أجلها ، ولم تكن عظمة هذه العلاقة فيما امتلكه من قدرة على حمايتها فحسب ، بل فيما منحها من أمان وحب وفرصة لحياة أفضل .
أقول بحق إن ثمة سؤالا يستحق أن يسأله كل إنسان لنفسه هو :
ماذا سيبقى مني حين أغادر هذه الحياة؟
كما قال الشاعر :
“وكن رجلا إن أتوا بعده
يقولون مر وهذا الأثر”
ليس المقصود أن نبحث عن الشهرة ، أو أن ننشغل بصناعة صورة جميلة لأنفسنا في أعين الناس ، وإنما أن نحرص على أن يكون وجودنا سببا في خير ما ، وأن نترك وراءنا ما يجعل الحياة أفضل ولو بقدر يسير .
قد لا يذكر الناس أسماءنا طويلا ، لكنهم قد يذكرون كلمة طيبة قلناها ، أو موقفا كريما وقفناه ، أو مساعدة قدمناها في وقت الشدة ، أو علما علمناه ، أو إنسانا ساعدناه .
هكذا فإن الأثر الطيب لا يشترط أن يكون عظيما في أعين الناس ؛ فقد يكون في تربية ابن صالح ، أو في إنصاف ضعيف ، أو في جبر خاطر ، أو في تعليم جاهل ، أو في إصلاح علاقة كادت تنقطع ، أو في الأخذ بيد إنسان إلى بر النجاة .
قد نغفل أحيانا عن قيمة هذه الأعمال الصغيرة ، مع أنها قد تكون عند الله عظيمة ، وقد يكون أثرها في حياة الآخرين أبعد مما نتصور .
يقول الله تعالى: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره” الزلزلة ٧.
ولعل أجمل ما نستطيع أن نطمح إليه أن نعيش حياة طيبة ، وأن نترك أثرا طيبا ، وأن نرحل وقد أصبح شيء من العالم أفضل مما كان بسبب مرورنا فيه .
وليست العبرة أن يعرفنا الجميع ، بل أن ينتفع بنا من عرفنا ، وأن يبقى من أعمالنا ما يستحق البقاء ، وأن نرجو من الله القبول والرحمة .

