نشرات فكرية .. نحو مستقبل عقلاني . بقلم الأستاذ عبد المجيد الحسوني

شذرات فكرية

حان الوقت لفصل العلم عن الأيديولوجيا، والسياسة عن الديماغوجية والشعبوية، وذلك من أجل خير البشرية.

الأستاذ الحاج عبد المجيد الحسوني

نحو مستقبل عقلاني: في ضرورة تحرير العلم والسياسة من قيود الأيديولوجيا والشعبوية

إن التاريخ الإنساني في جوهره ليس سوى رحلة مستمرة للبحث عن الحقيقة وتأمين العيش الكريم. وفي عالمنا المعاصر الذي يزداد تعقيداً وتشابكاً، أصبحت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتبني مرجعية فكرية وعملية واضحة. وفي هذا السياق، لخص الحاج عبد المجيد الحسوني هذه الضرورة التاريخية بمقولة عميقة تؤسس لمرحلة جديدة: “لقد حان الوقت لفصل العلم عن الأيديولوجيا، والسياسة عن الديماغوجية والشعبوية، وذلك من أجل خير البشرية”. إنها صرخة عقلانية في وجه الفوضى الفكرية والسياسية التي تهدد مسيرة التقدم البشري.

أولاً: العلم والأيديولوجيا.. عندما تشوه العقيدة الحقائق

لقد أثبتت التجارب الإنسانية المتعاقبة أن العلم لا يمكن أن يزدهر أو يؤدي رسالته السامية إذا ما تم إخضاعه للأدلجة. الأيديولوجيا بطبيعتها نسق فكري مغلق يبحث عن تأكيد قناعاته المسبقة، في حين أن العلم كائن حي ينمو بالشك، والتجربة، والنقد المستمر.

عندما تتدخل الأيديولوجيا في العلم، فإنها تحور الحقائق لخدمة مصالح ضيقة؛ ورأينا تاريخياً كيف أدت أدلجة العلوم إلى كوارث إنسانية وتأخر علمي في مجالات الطب، والبيئة، والتكنولوجيا. إن خير البشرية يتطلب أن يظل العلم حراً، محايداً، ومستقلاً، بحيث تكون مرجعيته الوحيدة هي الحقيقة والمنفعة العامة، وليس التبرير الفكري لتوجه ما.

ثانياً: السياسة بين تدبير الواقع وفخ الشعبوية

على الجانب الآخر، يمثل فصل السياسة عن الديماغوجية والشعبوية التحدي الأكبر لإنقاذ الديمقراطيات والمجتمعات الحديثة. الشعبوية تعتمد على دغدغة عواطف الجماهير، وتقسيم المجتمعات، وتقديم حلول تبسيطية ووهمية لمعضلات معقدة للغاية (كالاقتصاد، والبطالة، والتعليم). أما الديماغوجية فهي أداة لتزييف الوعي وكسب الولاءات المؤقتة على حساب الاستقرار بعيد المدى.

السياسة الحقيقية، في جوهرها النبيل، هي “فن الممكن” وإدارة الشأن العام بناءً على البرامج الواقعية، والأرقام، والمصارحة، والتخطيط الاستراتيجي. إن استبدال هذا النهج العلمي في السياسة بالشعارات الرنانة يؤدي حتماً إلى تآكل المؤسسات وإدخال المجتمعات في أزمات هيكلية.

ثالثاً: العقلانية كطريق وحيد لخير البشرية

إن الربط الذي قدمه ذ الحاج عبد المجيد الحسوني بين هذا الفصل المزدوج وبين “خير البشرية” هو ربط ذكي وجوهري. فالمستقبل الذي ينتظر الأجيال القادمة يتطلب تحالفاً وثيقاً بين العلم المستقل والسياسة الرشيدة.

في مواجهة الأزمات الكبرى: مثل التغير المناخي، والأوبئة، والأمن الغذائي، لا نحتاج إلى خطابات شعبوية أو تأويلات أيديولوجية، بل نحتاج إلى قرارات سياسية شجاعة مبنية على توصيات علمية دقيقة وصارمة.

في تحقيق التنمية: نحتاج إلى عقول تدير الموارد بكفاءة، بعيداً عن الصراعات الحزبية الضيقة التي تستهلك الطاقات في معارك وهمية.

خاتمة

إن مقولة ذ الحاج عبد المجيد الحسوني ليست مجرد تشخيص لخلل قائم، بل هي خارطة طريق للمستقبل. لقد آن الأوان لتستعيد العقلانية مكانتها الصدارة، وأن ندرك أن قوة الأمم لا تقاس بعدد شعاراتها، بل بمدى احترامها للعلم واستقلاليتها في اتخاذ القرار السياسي. إن تحرير العلم والسياسة من هذه القيود هو الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء عالم أكثر عدلاً، وأمناً، وازدهاراً لجميع البشر.

أضف تعليق