نداء لإصلاح ورعاية الجوهر في أروقة اإدارة .. للأديب طارق محمد عبد السلام غرابة

مشكاة الحقيقة لا بريق المظاهر.. نداء الإصلاح ورعاية الجوهر في أروقة الإدارة

بقلم الأديب: طارق محمد عبدالسلام غرابة

​تتسامى الإدارة الرشيدة حين تتخذ من الصدق معياراً ومن جوهر الخدمة غاية، غير أن واقع العمل المؤسسي يعاني أحياناً من غلبة الشكليات على الحقائق، فتتوارى خلف بريق المظاهر متطلبات حيوية تئن تحت وطأتها مفاصل القطاعات الخدمية. إن الأداء المؤسسي الجاد، الذي أُنْشِئَ في الأصل لحراسة المقدرات ورعاية مصالح العباد، أمانة مقدسة تُقاس بميزان الأثر الواقعي المستدام، لا بحجم العرض الإعلامي الخاطف.

​ولم تعد هذه الظاهرة محصورة في قطاع بعينه، بل امتدت آثارها لتستدعي المراجعة في ربوع الصحة، والتعليم، والزراعة، والإنتاج، والمواصلات؛ حيث تغدو الخدمات الأساسية بحاجة ماسة إلى دعم بصير يتجاوز الانطباعات السطحية، ويستوعب حجم التحديات التي يواجهها العاملون في الميدان.

​بصيرة القيادة ورعاية الواقع

​إن الوقوف عند ظاهر الأمور دون النفوذ إلى جوهرها قد يحجب عن صانع القرار كنه التحديات الحقيقية. فحين يُطالَب المسؤول الميداني أو الموظف البسيط بتقديم أفضل النتائج في ظل عجز الموارد أو نقص الكوادر، يجد نفسه بين فكي الممارسة اليومية والإيفاء بمتطلبات العرض الشكلي. وإن الحكمة الإدارية تقتضي الاستماع إلى الصوت الناصح، وفتح أبواب المصارحة، بدلاً من الاكتفاء بتقارير الاستحسان السريعة التي تجمل الواقع وتغفل معالجة جذور الخلل.

​كما أن الاكتفاء بالمظاهر قد يفتح ثغرات غير محمودة تنفذ منها الممارسات النفعية، كإثقال كاهل المواطنين بتبرعات ملزمة أو رسوم غير رسمية لسد العجز التشغيلي، مما يجهد المواطن ويؤثر على نزاهة البيئة الإدارية التي ينبغي أن تظل حصناً للعدالة والشفافية.

​معالم الطريق نحو الإصلاح الرشيد

​إن معالجة القصور لا تتأتى باللوم الفردي أو الانفعال العابر، بل تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات وتعميق فلسفة النصح والإصلاح عبر خطوات راشدة:

​تصويب معايير التقييم: جعل معيار النجاح مرهوناً بمستوى الجودة الحقيقية للخدمة ورضا المستفيدين، بعيداً عن كلفة الاستقبالات والمظاهر الإعلامية.

​توفير ميزانيات التشغيل الأساسية: إمداد المؤسسات الخدمية بالمخصصات المادية والكوادر العمالية والأمنية الكافية، لتمكينها من أداء رسالتها دون الحاجة لتحميل المواطن أعباء إضافية.

​حماية النزاهة وترسيخ المصارحة: احتضان الموظف الأمين الذي يعرض التحديات بشفافية، واعتبار المكاشفة البناءة وسام استحقاق يرفد عملية اتخاذ القرار بالبيانات الصادقة.

​إعلاء قيمة الأثر المستدام: غرس مفهوم أن قوة الدولة ومؤسساتها تستمد من متانة بنيتها التحتية وحماية الضعفاء، لا من الصور الخاطفة.

​خلاصة القول: إن الإصلاح مسار يكتمل بتضافر النيات الصادقة والرؤية الحكيمة التي تبني ولا تهدم، وتداوي ولا تجرح. ومتى استقرت هذه الفلسفة في أروقة مؤسساتنا، انقشعت سحب الشكليات، وعاد للعمل العام بهجته ورسالته السامية في خدمة الوطن والمواطن.

أضف تعليق