عزاء لمرآة مكسورة .. للكاتب زهير الأمامي

عزاءٌ لمرآةٍ مكسورةٍ

بقلم الكاتب زهير الامامي

لم يمنحْنا الوقتُ فرصةً للدهشةِ؛ صرخةُ الزجاجِ حينَ ارتطمَ بالمرمرِ أعلنتْ نهايةَ حقبةٍ كاملةٍ. وقفتُ قبالةَ “نهاد” وهي تتشبثُ بطرفِ ثوبِها الأسودِ. سكنتْ عيناها الأرضَ؛ حيثُ تحولتْ مرآةُ الرواقِ العظيمةُ آلافَ النجومِ المطفأةِ.

“تجنبي لمسَها،” قلتُ بصوتٍ هادئٍ، محاولاً اختراقَ الضجيجِ الدائرِ في رأسِها.

لم تلتفتْ إليّ. همستْ وهي تشيرُ بسبابةٍ مرتعشةٍ نحو الحطامِ: “لقد حدثَ أخيراً. لم تعدْ تحتملُ ملامحي. أرى نفسي في كلِّ شظيةٍ ناقصةً؛ امرأةً بلا هويةٍ، مجردَ بقايا ذكرياتٍ كانت تسكنُ خلفَ هذا الزجاجِ.”

تقدمتُ خطوةً بحذرٍ. قلتُ لها: “المرآةُ لم تنكسرْ كراهيةً بوجهِكِ يا نهاد، بل ضاقتْ بسجنِ الصورةِ التي حُبستِ داخلَها سنواتٍ طويلةً. كانت تعكسُ ما يُرادُ رؤيتُه؛ والآنَ، تمنحُكِ هذه الشظايا فرصةَ اكتشافِ ما كان خفياً.”

ضحكتْ بمرارةٍ. انحنتْ قليلاً كأنها تودعُ جثةً: “أيُّ فرصةٍ؟ أقفُ الآنَ مبعثرةً على ألفِ قطعةٍ. كيفَ السبيلُ لجمعِ شتاتِ روحٍ لا تدركُ أيَّ وجهٍ منها هو الحقيقيُّ؟”

أمسكتُ كتفَها بلطفٍ، مُجبراً إياها على مواجهتي: “الحقيقةُ تكمنُ في الألمِ النابضِ بصدورِكِ، لا في الزجاجِ. لستِ امرأةً مكسورةً، بل كائناً أُعيدَ توزيعُه لترتيبِ أولوياتِه. انظري لتلكَ الشظيةِ الصغيرةِ هناكَ، تلكَ العاكسةَ لضوءِ الشرفةِ.. أليستْ أجملَ من تلكَ المرآةِ الكاملةِ التي وارتْ شقوقَ الروحِ؟”

ترددتْ لحظةً. قالتْ بضعفٍ: “أخافُ الجروحَ. كلما حاولتُ الاقترابَ من الماضي لجمعِه، نزفتُ أكثرَ.”

“إذن، اتركي الزجاجَ القديمَ مكانَه،” أجبتُها ناظراً للفراغِ الذي خلّفه الإطارُ الخشبيُّ على الجدارِ. “لا نُرممُ الماضي لنعيشَ فيهِ، بل نتخذُه أرضيةً للوقوفِ صوبَ الأفقِ. البدايةُ تكمنُ في هذا الفصلِ الأكثرِ صدقاً؛ فصلٌ لا يتطلبُ مرايا تجمّلُ القبحَ، بل عينينِ تبصرانِ الضوءَ من قلبِ الركامِ.”

سكنتْ نهادُ. بدأتْ أنفاسُها تهدأُ، لكنها لم تتحركْ من مكانِها. نظرتْ لمكانِ المرآةِ الفارغِ، ثم التفتتْ إليّ بعينينِ تحملانِ سؤالاً لم يجرؤْ لسانُها على نطقِه.

لم أسحبْ يدَها نحو الخارجِ، بل تراجعتُ خطوةً نحو الظلِّ؛ تاركاً لها خيارَ البقاءِ وسطَ حطامِها أو العبورِ فوقَه. وبينما كانت خيوطُ الغروبِ تتسللُ عبرَ النافذةِ، بدأتْ صورتُها تتداخلُ معَ انعكاساتِ الزجاجِ المبعثرِ على الأرضِ؛ حتى لم يعدْ واضحاً: هل كانت نهادُ هي من تقفُ هناكَ، أم أنها صارتْ مجردَ شظيةٍ أخرى انضمتْ لصمتِ المكانِ؟

غادرتُ الرواقَ والبابُ مواربٌ، تاركاً خلفي رنيناً خفياً لزجاجٍ لا يزالُ يتكسرُ في العتمةِ.

أضف تعليق