خيال مآتة .. للأديبة د . نجاة علي حجل

*خيالُ مآتة*

كانت لمياء صبية جميلة ،عيون ملونة ،وشعر كأنه قصاصات ذهب تسترسل على كتفيها.

كانت تشبه ملاكا يمشي على الأرض ،وكانت تعرف قيمة جمالها ،وفوق ذلك هي تملك من الأراضي والأملاك ماتملك

،وبدأ الشباب يتقدمون لخطبتها ،الواحد تلو الآخر ،كل منهما يريد أن يظفر بالدرة الفريدة ،لكن لمياء لم تكن تقبل ،كل عريس تضع فيه مائة عيب وعيب.

حاول أهلها إقناعها، ونصحوها بالزواج قبل أن يفوتها القطار،وكذلك فعل الجيران ،والمقربون منها ،لكن دون جدوى، لمياء لم تهنُ ،ولم توافق، ولم تخطب ،حتى أن أخواتها وبنات الجيران تزوجن إلا لمياء.

لمياء مثل الطود الراسخ تتحدى الحب ،وتتحدى الزواج.

حزن والديها كثيرا لأجلها، فقد كبرا ، وهرما ،وأخذ العمر الجمال والصحة ،ولمياء تعتني بهما ،وتتابع عمال الأرض خطوة بخطوة ، وهي تعمل كل مابوسعها.

مرت الأيام ،وغيب الموت الوالدين ،وغدت لمياء وحيدة في بيت كبير ،قلما يزورها أشقاؤها ،حيث كل واحد مشغول بعائلته وهموم الحياة.

بدأت الغربة تنخر أيامها ،والوحدة تأكل صباها، المال في وفرة ،والعمر في ندرة.

بَهُتَ بريقُ عينيها ،وذَوَتْ قناتها ،وتهالك عمودها الفقري ،ودبّتِ الآلام في مفاصلها ،وغدت حركتها بطيئة.

كل يوم تأوي إلى فراشها مستوحشة الليل، وغريبة النهار،كانت تنتظر أحد اولاد أشقائها ليساعدها في بعض الأعمال التي ماعادت تستطيع القيام بعدها لوحدها ،أو للذهاب معها إلى الطبيب،في حين كل واحدة من أخواتها أو إخوتها لايحسّ بالوقت بسبب كثرة الأولاد والأحفاد .

وإن تنسى فلن تنسى كيف كانت المقربات منها ،يخفينَ عنها أولادهن ،خيفة الحسد ،وييبسملنَّ أو يقرأْن المعوِّذاتِ ،في الوقت الذي كان يعتصر فيه قلبها لاحتضان ولد أو بنت.

تهالكتِ القوة التي امتلكتها، وتكسرت على شطآن الدهر ،،وغدت خيال مآتة لاغير ،”مابيهش ولابينش”.

خسارة يالمياء ،خسارة ذلك الصّبا ،وخسارة العمر الذي مضى ،ولم تعرف كيف تستفد منه،لقد ضاع كل شيء ،وصارت ورقة خريف تذروها الريح .

د.نجاة علي حجل

سوريا

أضف تعليق