“من مذكرات أستاذ جامعي”

 

” المال والتعليم والعبرة بالنهايات” 

 

          حي الفجالة في القاهرة هو أشهر حي في بيع الكتب والأدوات المدرسية ، وكان زميلاً لنا ونحن في الجامعة إبن صاحب أكبر مكتبة في الفجالة ، وهي تحت عمارة ضخمة وفخمة في هذا الحي ، وكنا نحن أربعة أصدقاء متلازمين من المدرسة الي الجامعة إثنين منا مسلمين وإثنين مسيحين ، وأتفقنا أن نلتقي كل خميس عند المكتبة ، ونأخذ إبن صاحب المكتبة معنا ، كان الحاج والد هذا الصديق يحبنا جداً لإننا نتمتع بصفات قد أعجبته ، فلا أحد منا يدخن ولا نتلفظ بألفاظ خارجة وكان شديد الحب لي لأنه علم من إبنه أنني يتيم الأب والأم ، وكان دائماً يقول لي إذا رأني كنت أتمنى أن تكون أحد أبنائي ، فأقول له ما أنا إبنك يا حاج ، فيرد كنت أريدك إبن يرث ، ويعلم أنني مجتهداً في دراستي ومستقيماً في سلوكي ، رغم أنني أمتلك سيارة وأعيش في بحبوحة من العيش والحمد لله ، وكان برنامج الأصدقاء كل خميس كما يلي كنت أحضر بسيارتي من مصر الجديدة حيث سكني وأوقفها في الإتجاة المقابل لرصيف المكتبة ، وأعبر الشارع ونلتقي نحن الأصدقاء الساعة السابعة عند المكتبة ، ويصر الحاج صاحب المكتبة كل مرة على أن نشرب أي شيء ، وكنت إفضل المياة الغازية بمسمى إسباتس ، ثم ننطلق على الأقدام من الفجالة إلى شارع الجمهورية شمالاً ، ونستمر حتى ننعطف يميناً في شارع الألفي ، ثم شارع عدلي حتى شارع سليمان باشا الذي يسمى الأن شارع طلعت حرب ، وفي أول سليمان باشا يوجد الأمريكين وهو محل للحلويات وبه جلسة جميلة ويشتهر بنوع من الأيس كريم يسمى (الغزالات الثلاثة الصغيرة) ، وهي عبارة عن طبق من الإستلس صغير توضع به ثلاث كورات (بولات) من الأيس كريم ويغطى بالمربة والكريم شانتيه وتوضع عدد 2 بسكويت كأنهما قرني غزال ، ثم بعد الإنتهاء من الأيس كريم نسير في الشارع حتى محل يسمى قويدر للحلويات الشرقية ، نتناول فيه البسبوسة بالقشطة ، ثم نسير إلى محل البن البرازيلي ، وهو أمام سينما مترو وبجوار مسرح ميامي ، هذا المحل مشهور بعمل كل أنواع القهوة ساخنه أو مثلجة ، كنا نتناول كاكاو مثلج رائع ، ثم نسير في الشارع إلى محل للأكلات السريعة إسمه زينه (مكانه الأن محل ملابس) ، نأكل منه سندوتشات الروزبيف والشاورما ، ثم إلى ميدان سليمان باشا مارين بسينما راديو ، وفي الميدان مكتبة الشروق التى تفرش الكتب على الرصيف ، فنقف للإطلاع على الكتب وقد إشتريت مرة كتاب بعنوان “المعادلة الإنسانية” فقط لأن كاتب الكتاب إسمه على أسمي يسبقه لواء دكتور ، وهذا الكتاب يتكلم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ويتكلم عن كيف يقترب الحاكم من المحكومين ، ومع ذلك يزداد مهابه في قلوبهم ، حتى يقولوا إن درة عمر أهيب من سيوفكم ، وبعد هذا نكون قد إتفقنا على السينما التي سوف نسهر فيها ، ثم عند العودة تكون من شارع الجمهورية ، والذي في منتصفة محل لبيع البليلة وهومحل مشهور كنا نأخذ لكل منا طبق بليلة عليه السكر والزبيب وجوز الهند والقشطة ، ونعود إلى المكتبة وأستقل سيارتي إلى مصر الجديدة ، أما هم فإنهم يسكنون في الظاهر إستمر الوضع هكذا لمدة سنوات الجامعة ، وفي يوم خميس كالعادة وعندما كنت أهم بإغلاق سيارتي ، سمعتُ من على الرصيف المقابل من ينادي على إسمي بصوت جهور ، إلتفت فإذا برجل ضخم الجثة له كرش يتقدمه بمسافة ليست بالقليلة ، وإتجهت لهذا الذي نادى عليا وسألني ألست أنت محمد فقلت نعم ، قال: أنا الحنش كنت معاك في أولى ثانوي ، وهذا الإسم لا يُنسى فهو كان يشترك معي في الحرف الأول من الإسم الأول لي ، ولكنه عرف بأسم الحنش وكان قد رسب في أولى ثانوي ، وانتقلت أنا إلى الثانية ثانوي ، ثم رسب مرة إخرى وانتقلت أنا إلى الثالثة ثانوي ، ولما تخرجت من المدرسة الثانوية إلى الجامعة ، كان هو قد تم فصله من المدرسة لإستنفاذ مرات الرسوب ، فلما سألته ماذا فعل بعد ترك المدرسة قال: عملت مع إبي في تجارة الخردة في السبتية ، وتزوجت وسكنت في تلك العمارة وهي التى تحتها مكتبة صديقي وسألني ماذا تعمل قال أنا تخرجت من الجامعة وأعمل الأن ، فنظر لي بشيء من التعالي ، وسألني كم راتبك قال له 120 جنية ، قال في اليوم قال لا في الشهر ، فضحك ضحكةً ظلت لسنوات ترن في أذناي ، وقال لي بإستعلاء واضح أنا اليوم الذي لا أكسب فيه ألف جنية أنامه أحسن وأريح جسمي ، وقال كل عيل من أولادي مصروفه في الشهر أكثر من 200 جنية ، فنظرت إليه وقلت له يا حنش كلامك قد يكون صحيحاً ، ولكن بعد عدد من السنوات سوف أحصل على الماجستير ، وبعد هذا سوف أحصل على الدكتوراه ، وأولادي في المدرسة عندما يسألوا والدكم ماذا يعمل سوف يقولوا دكتور في الجامعة ، أما أنت فاليوم وغداً وبعد الغد إذا سألوا أولادك عن عمل والدكم سوف يقولوا تاجر خردة في السبتية ، فقال الحنش تعالى لزيارتي وشوف الأبهه التى أعيش فيها ، علم إيه ياراجل وأنتهى الحديث بيننا ، ثم أكملت يوم الخميس كما هو معتاد ، ودارت الأيام وبعد سنوات من حصولي على الدكتوراه ، كنت أجلس ذات يوم وأنا في أجازته على شاطئ البحر في المعمورة ، أقرأ الصحف فإذا بخبر إستوقفني وهو القبض على عصابة لسرقة السيارات ، وتقطيعها في ورشة خردة في السبتية وبيعها قطع ، ونظرت إلى صورة صاحب الورشة فإذا هو الحنش ، فقمت وسرت إلى بيتي وأنا أردد قول الحق ، وأقول صدق الله العظيم ( تَبَارَكَ إِلَيَّ بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلٍّ شئ قَدِيرٌ ).

 

♠♠♠ ا.د/ محمد موسى

أضف تعليق