هل يكفي أن نطارد الفاسدين… أم يجب أن نعالج المرض الذي يصنعهم؟
في كل مرة تكشف فيها الدولة قضية فساد كبيرة، يتجدد الأمل لدى الناس بأن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن القبض على الفاسدين سيقود إلى إصلاح حقيقي. ولا شك أن ملاحقة الفساد ومحاسبة مرتكبيه تمثل ركنًا أساسيًا في بناء الدولة، فلا يمكن لأي مجتمع أن يستقر إذا شعر المواطن أن القانون يطبق على الضعفاء وحدهم.
غير أن السؤال الذي ظل يشغلني سنوات طويلة هو: هل القضاء على الفاسدين يعني بالضرورة القضاء على الفساد؟
إن الطبيب لا يكتفي بخفض حرارة المريض، لأنه يعلم أن الحرارة ليست المرض، وإنما هي عرض لمرض آخر. فإذا اكتفى بعلاج العرض، عاد المرض للظهور مرة أخرى، وربما بصورة أشد.
وأخشى أن يكون تعاملنا مع الفساد في كثير من الأحيان يشبه هذا الأسلوب.
فنحن نلاحق الأشخاص، لكننا لا نتوقف طويلًا عند البيئة التي أنتجتهم.
نحاكم الأفعال، لكننا لا نبحث بالقدر نفسه في منظومة التفكير، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة الثقافة الإدارية، ونمط التربية، والخطاب الإعلامي، وضعف الرقابة، وكل ما يسهم في صناعة بيئة تسمح للفساد بالنمو.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: من هو الفاسد؟
بل:
كيف وُلد الفساد؟
وما الجذور التي غذته حتى أصبح قادرًا على إعادة إنتاج نفسه، حتى بعد سقوط أشخاص أو تبدل حكومات؟
إن معالجة الفساد بعد وقوعه ضرورة لا خلاف عليها، لكنها تظل علاجًا متأخرًا إذا لم تترافق مع مشروع يكتشف مؤشرات الخطر قبل أن تتحول إلى قضايا فساد مكتملة.
ولهذا، أرى أن المرحلة القادمة ينبغي ألا تقتصر على ملاحقة الفساد، بل يجب أن تتجه إلى بناء أنظمة للإنذار المبكر، تستطيع رصد مواطن الخلل في وقت مبكر، وتحليل البيانات والمؤشرات، والكشف عن البيئات التي ترتفع فيها احتمالات الفساد قبل أن يصبح واقعًا.
فالطب الحديث لم يحقق نجاحه لأنه أتقن إجراء العمليات الجراحية فحسب، بل لأنه اهتم بالوقاية، والكشف المبكر، ومنع المرض قبل أن يستفحل.
وأعتقد أن الدول الحديثة تحتاج إلى التفكير بالمنطق نفسه.
إن المجتمع الذي ينتظر وقوع الفساد ثم يتحرك، يشبه طبيبًا ينتظر انفجار المرض حتى يبدأ العلاج.
أما المجتمع الذي يراقب المؤشرات، ويحلل البيانات، ويعالج أسباب الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات، فهو مجتمع يبني مستقبله على العلم لا على ردود الأفعال.
وربما آن الأوان لأن ننتقل في نقاشنا العام من سؤال: كم فاسدًا ألقينا القبض عليه؟ إلى سؤال أكثر عمقًا:
كم حالة فساد استطعنا أن نمنعها قبل أن تولد؟
ذلك، في تقديري، هو المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع إصلاحي، وهو الطريق الذي أحاول أن أؤسس له في مشروع نظرية عصر التزييف؛ لأن بناء مستقبل سليم لا يبدأ بملاحقة النتائج، بل بفهم الأسباب، ولا يكتمل بعلاج المرض، بل بمنع ولادته من جديد.
حين تتحدث الأخلاق بلغة السينما.. وقفة مع فيلم “The Other Woman”
في لحظة تأمل سينمائية وأنا أتابع الفيلم الأجنبي الشهير The Other Womanاستوقفتني مشاهد ولحظات تفوق في عمقها الإنساني مجرد كونه فيلمًا كوميديًا عابرًا ورغم اختلاف الثقافات والأفكار إلا أن المبادئ الإنسانية النبيلة تظل لغة عالمية لا تتجزأ.
تعتمد حبكة الفيلم على شخصية رجل متعدد العلاقات متزوج ويتقن أدوار الخداع لكن التحول المدهش يكمن في اللحظة التي تكتشف فيها المرأة الأخرى التي جسدت دورها ببراعة النجمة كاميرون دياز أن الرجل الذي ترتبط به متزوج بالفعل.
فعندما ذهبت لزيارته على نحو مفاجئ لتفاجأ بملامح زوجته تفتح لها الباب لم تصر في تلك اللحظة الاستثنائية على الخطأ ولم تبرر لنفسها الاستمرار بل انسحبت بمنتهى الذكاء والأناقة متظاهرة بأنها أخطأت العنوان واتخذت قرارًا حاسمًا بالابتعاد التام.
ورغم أن صديقتها في مكتب المحاماة حاولت إغواءها بمنطق الأنانية القائل فكري في نفسك أولًا فالأنانيون يعيشون أطول جاء ردها درسًا يدرّس في النبل الإنساني حين قالت:
أنا أريد أن أبني بيتي لا أن أهدم بيت امرأة أخرى
ولم تتوقف روعة الحبكة عند هذا الحد بل تحول القهر إلى قوة والخذلان إلى تحالف نسائي ثلاثي ذكي وراقٍ للانتقام من الزوج الخائن تحالف أثمر نجاحًا باهرًا ولم ينتهِ بالانتقام فحسب بل أزهرت المبادئ صداقة دائمة حتى تُوّجت الأحداث بزواج عشيقة الزوج السابقة من شقيق الزوجة نفسها إنه العدل الإلهي حين تصون كرامة غيرك يساق إليك نصيبك الجميل رغماً عن كل شيء فالمبادئ حزمة واحدة لا تتجزأ.
وفي واقعنا أين العقل والكرامة؟
على الجانب الآخر حين نلتفت لبعض المشاهد المؤسفة في واقعنا نجد مفارقة موجعة لامرأة تعلم تمامًا أن الرجل متزوج وتصر على مطاردته وهدم بيته ورجل يعلم أن المرأة متزوجة وتأخذه الجرأة ليرسل لها رسالة باهتة بلا أي مقدمات مفادها “وحشتيني
فأي عقل هذا الذي يصدق أن من يرسل مثل هذه الكلمات لا يتجاوز الحدود وأي منطق هذا الذي يجعل امرأة تسأل “طمني عليك” وكأنهما لم يسترسلا في الحديث بالأمس فقط؟
إنها محاولات مكشوفة لخلق مشاعر وهمية واصطناع اهتمام زائف لا وجود له في الواقع للهروب من الفراغ أو لإشباع أنانيات مريضة على حساب بيوت قائمة.
إن العلاقات القائمة على الخيانة هي علاقات مقطوعة النسب والأثر سلفًا ولا تثمر إلا الخراب فاحترموا حرمة البيوت واحترموا الطرف الآخر الذي يثق ويأمن واعلموا أن المبادئ لا تُباع ولا تُشترى ومن يبني سعادته على أنقاض غيره توشك الأيام أن تهدم سقفه فوق رأسه.