ما وراء الزجاج، تبدأ الحكاية حين يطلّ الإنسان فلا يرى العالم كما هو، بل كما ينقصه.
وما إن يطيل الوقوف أمام النافذة، حتى تتبدّل مقاييسه في صمت. لا يعود يرى الأشياء لذاتها، بل كما تمنّى لها أن تكون يومًا.
يمرّ بين الوجوه، فلا يلمح إلا ما غاب عنها؛ ويجلس في البيوت، فلا يشعر إلا بالأثاث الذي لم يُقتنَ؛ ويصغي إلى القلوب، فلا يسمع إلا الكلمات التي لم تُقَل.
هكذا لا يبدأ البعد عن الواقع بخطوة، بل بنظرةٍ أطالت الوقوف أمام أفقٍ لا يعرف الاكتمال.
للخيال نعمةٌ تشبه الماء ما دام يروي الروح، لكنه يغدو بحرًا بلا شاطئ حين يطلب الإنسان منه وطنًا دائمًا.
عندها يصبح الواقع ضيفًا ثقيلًا على قلبٍ اعتاد موائد لا تُقام إلا في الذهن. وما كان يبعث الطمأنينة يصير عاديًا، وما كان يملأ اليد دفئًا يغدو أقلّ مما يستحق أن يُمسك.
ليس لأن الأشياء قد ذبلت، بل لأن العين التي عادت من تلك الرحلة لم تعد تعرف كيف ترى الضوء وهو يهبط هادئًا على التفاصيل الصغيرة.
لقد تعلّمت أن تقارن، ولم تعد تعرف أن تكتشف.
وربما كانت أكثر الخسارات خفاءً أن يفقد الإنسان قدرته على الدهشة بما يملك؛ لا لأنه فقير، بل لأنه وسّع رغباته حتى لم تعد تشبع.
عندها لا يعود النقص في الأشياء، بل في العين التي تنظر إليها. فالخيال، حين ينفصل عن جذوره، لا يمنح القلب جناحين، بل يعلّقه بين سماءٍ لا تُلامس وأرضٍ لم يعد يطمئن إليها.
فيغدو العمر سلسلةً من المطاردات؛ كلما اقترب الإنسان من صورةٍ رسمها في ذهنه، تبدّلت ملامحها، وولدت في الأفق صورةٌ أبعد، كأن المسافة نفسها صارت قدرًا لا نهاية له.
وهكذا يظلّ يطلب حياةً أخرى، حتى تمرّ حياته الحاضرة من جواره دون أن يشعر.
لهذا تبدو الحياة أحيانًا كنافذةٍ لا تحتاج إلى اتساعٍ جديد، بل إلى عينٍ عادت من سفرها الطويل، وتعلّمت أخيرًا أن ترى.
أن ترى أن الزهرة التي تنمو عند العتبة لا يقلّ سرّها عن تلك التي أزهرت في الحلم، وأن الضوء الذي يهبط على الأشياء كلّ صباح ليس أقلّ جمالًا لأنه لم يأتِ من جهةٍ بعيدة.
فليس كل ما نتمناه أكثر قيمةً مما نملك، وليس كل ما نراه وراء الزجاج أوسع من العالم الذي تقف أقدامنا فيه.
وربما لا تكون الحكمة أن نتخلّى عن أحلامنا، بل أن نعرف كيف نحلم دون أن نُهين حاضرنا، وكيف نمدّ أعيننا إلى البعيد دون أن نعبر فوق القريب.
فبعض الأحلام لا تُفسدنا لأنها بعيدة، بل لأنها تجعل القريب يمرّ بنا من غير أن نراه.
في الطريق إلى الله، ستتعلم أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة، وأن أجمل انتصارٍ قد يكون أن تمضي هادئًا دون أن تشرح نفسك لأحد.
ليس عليك أن تُقنع كلَّ من أساء فهمك، ولا أن تُثبت طهارة نيتك لكلِّ من شكَّ فيها؛ فالله يعلم خفايا القلوب، ويعلم ما أخفيتَ وما أعلنت.
دعهم يظنون ما يشاؤون، وامضِ بقلبٍ خفيف.
فالشجرة لا تشرح للعابرين لماذا أثمرت، والنهر لا يخاصم من قال إن مياهه قليلة، والشمس لا تدخل في جدالٍ مع من أغلق نافذته.
وقد قالوا:
وإذا أتتكَ مذمَّتي من ناقصٍ
فهي الشهادةُ لي بأنّي كاملُ
والأجمل من أن تنتصر في أعين الناس، أن تنتصر على رغبتك في أن ينتصر رأي الناس فيك.
وفي لغة أهل المحبة:
إذا عرف القلبُ ربَّه، استغنى عن تصفيق الخلق؛ وإذا صدقت النية، لم يضرَّها سوءُ الظن.
فامضِ اليوم بلا ضجيج،
افعل الخير ولا تنتظر شاهدًا،
واصفحْ ولا تنتظر اعتذارًا،
وأحببْ ولا تجعل محبتك صفقةً تنتظر مقابلًا.
دعِ الخلقَ للخالقِ، واملأ فؤادَك به،
فمن وجدَ اللهَ، فما الذي فقد؟
اللهم ارزقنا قلوبًا لا تتعبها الأقاويل، ونفوسًا لا يغيّر صفاءَها جحودُ العابرين، وأعمالًا خفيةً ترضى عنها حين نلقاك.
في الأماكن البعيدة، تعقد الاجتماعات في سوق صغيرة، لا يعرفها العالم الآخر من عامة الشعوب. في تلك الأسواق يجلس الرجال بوجوه قاسية، يتبادلون الأموال في صمت، وتفتح الحقائب وتغلق، وتعد الأوراق، وكأنها تجارة عادية، وكل ما يهم هو الرقم الأعلى.
وفي الجهة الأخرى من العالم الموازي، كان الصباح مختلفا. ليس هناك أسواق، ولا أضواء، ولا تجارة، ولكن توجد مدينة مكسورة. بينما كانت تجلس طفلة صغيرة بين الركام، تحمل وعاء فارغا، وتنظر إلى السماء، وكأنها تنتظر جوابا.
يجلس حولها أطفال آخرون، فيهم من يشرب بقايا ماء من زجاجة قديمة، ومنهم من يمسك بيده قطعة خبز صغيرة جرفتها الرمال، وكأنها قطعة من الذهب. أعينهم جميعا تحمل سؤالا واحدا: لماذا؟
لم يعرفوا شيئا عن هذا السوق البعيد.
لم يعرفوا شيئا عن تلك الحقائب المملوءة بالأموال.
لم يعرفوا شيئا عن تلك الصفقات التي عقدت في الظلام.
لكنهم كانوا الثمن. فقد عدت الأموال، وتمت الصفقة.
فالعالم اليوم يرى الأرقام، ولا يرى الوجوه، يرى الصفقات، ولا يرى الدموع. ولكن الحقيقة التي لا تكتب في دفاتر الحساب هي أن كل الأموال التي تدفع في الظلام، يدفع ثمنها الأطفال في الضوء.
وما زال هناك أطفال، في مكان ما، تنتظر أن يتوقف العالم عن تحويل الألم إلى تجارة!!!
ليست كل الحروب تُخاض بالسيوف، فبعضها يبدأ برسالة قصيرة، وإعجاب زائف، وكلمات تبدو بريئة، لكنها تحمل في طياتها نية اقتحام بيتٍ آمن. وفي زمنٍ أصبحت فيه الشاشات نوافذ مفتوحة على العالم، صار بعضهم يبحث عن المعرفة، وبعضهم عن الرزق، وبعضهم عن الشهرة، بينما اختار آخرون أن يجعلوا منها شباكًا لصيد القلوب وخراب البيوت.
في أحد أحياء العاصمة الراقية، كان هناك بيت يشبه القصائد الجميلة التي لا يفسدها الزمن. كانت هي سيدة مجتمع من بيت عريق، ورثت عن أسرتها النبل قبل الثراء، والرقي قبل الوجاهة، فلم يكن جمالها في أناقتها وحدها، بل في اتزانها، وحسن خلقها، وثقتها بنفسها.
أما هو، فكان أستاذًا جامعيًا مرموقًا، عرفه الناس بعلمه قبل اسمه، وبأخلاقه قبل شهاداته. جمعهما حب هادئ لم يكن صاخبًا، لكنه كان عميقًا كالجذور، ثابتًا كالجبل. ورغم أن عائلتها اعترضت في البداية بسبب الفوارق الاجتماعية، فإنها اختارته بقناعة كاملة، لأنها أدركت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بلقب عائلته، بل بأخلاقه وعقله.
ومضت السنوات، فصار زواجهما نموذجًا لبيت يقوم على الثقة، والحوار، والاحترام، حتى أصبح كل منهما يعرف أن الآخر هو السند والحصن.
لكن بعيدًا عن هذا البيت، كان هناك عالم آخر
عالم الشاشات.
عالم تختلط فيه الوجوه الحقيقية بالأقنعة، وتختفي فيه النوايا خلف صور براقة وكلمات منمقة
وهناك كانت امرأة أنهكتها هزائمها الشخصية. لم يكن الطلاق هو أوجع ما أصابها، بل نظرات الناس التي كانت تفسرها على أنها إعلان فشل. كانت سليطة اللسان، حادة الطباع، حتى ضاق بها زوجها السابق ذرعًا، فاختار الرحيل بعد سنوات من الشقاء.
غير أنها لم تراجع نفسها يومًا، ولم تسأل أين كان الخطأ، بل قررت أن تنتقم من العالم كله.
ولأنها لم تستطع أن تبني نجاحًا حقيقيًا، قررت أن تستعيره من نجاح الآخرين.
كانت تبحث عن رجل صاحب مكانة، صاحب لقب، صاحب هيبة، لا حبًا فيه، بل ليكون وسامًا تتباهى به أمام من سخروا منها. لم يكن يهمها أنه متزوج أو أن له بيتًا وأبناء، فحين يسيطر الهوى على النفس تموت الضمائر.
وبين آلاف الصفحات، وقعت عيناها على صفحة الأستاذ الجامعي.
لم تفهم شيئًا من أبحاثه ولا من مؤلفاته، لكنها فهمت أنه الرجل الذي تبحث عنه.
أرسلت إليه رسالة امتلأت بعبارات الإعجاب المبالغ فيها، وظنت أنها ستجد قلبًا ساذجًا ينجرف وراء الكلمات.
لكنها لم تكن تعلم أن هذا البيت له حارس.
كانت الحسابات الإلكترونية تُدار بشفافية كاملة بين الزوجين، فقرأت الزوجة الرسالة، ثم كتبت بكل هدوء ورقي
“أهلًا بكِ هل لديك أي استفسار يتعلق بأبحاث الدكتور أو عمله الأكاديمي
ارتبكت المرأة لحظة، لكنها سرعان ما كشفت نيتها وقالت بلا خجل
“لا أنا معجبة به جدًا، وأريد أن نلتقي، ونعترف بما في قلوبنا
ناولت الزوجة الهاتف لزوجها، فقرأ الرسالة في هدوء، ثم ابتسم ابتسامة الواثق وقال
“لا تستحق أن نمنحها دقيقة من وقتنا
ثم ضغط زر الحظر
انتهت القصة بالنسبة إليه
لكنها كانت بالنسبة إليها البداية.
استبد بها الغرور، فأرسلت رسالة أخرى عبر رقمه المنشور لطلابه، معترضة على حظرها، وكأنها صاحبة حق.
فأجابها الرجل بكل أدب:
“عذرًا يا سيدتي أنا لا أعرفك أصلًا.”
ولما أخبرته بما حدث بينهما وبين زوجته، قال كلماته التي تستحق أن تُكتب بماء الذهب:
“زوجتي لا تقبل هذا النوع من العلاقات، وأنا أحترمها وأحترم نفسي، ولذلك سأكرر ما فعلته.”
وضغط زر الحظر مرة أخرى.
لكن الهوس إذا تمكن من صاحبه أعمى بصيرته.
اشترت رقمًا جديدًا، وأرسلت تستعطفه:
“استمع إليّ مرة واحدة فقط، ثم قرر
فكان الرد حاسمًا:”لا
ثم حظر ثالث.
غير أنها لم تتوقف.
أخذت تتنقل بين صفحاته وصفحات أصدقائه، تكتب التعليقات، وتفتعل المواقف، وتحاول أن تصنع لنفسها وجودًا في حياة لا مكان لها فيها.
وحين بدأ الأستاذ يستفسر عنها، جاءت الحقيقة أكثر قبحًا مما توقع.
اكتشف أنها اعتادت مطاردة الرجال الناجحين، وأنها كانت سببًا في خراب بيوت عدة، وأنها سبق أن ادعت زورًا علاقات وهمية لتشعل نار الشك بين الأزواج.
حاول أحد معارفها أن يردعها، فسألها بصراحة:
“ماذا تريدين من رجل متزوج يعيش حياة مستقرة؟”
فقالت بلا حياء:
“أي شيء صداقة علاقة زواج… حتى لو كان عرفيًا المهم أن أكون معه.”
حينها أدرك الجميع أن المشكلة لم تكن في الحب، بل في فراغ النفس، وعقدة النقص، والرغبة في امتلاك ما ليس لها.
لكن أصحاب البيوت الراسخة لا يدخلون معارك العبث.
لم تتشاجر الزوجة مع زوجها، ولم تفتش هاتفه، ولم تسمح للشك أن يتسلل إلى قلبها، لأنه لا يوجد حصن أقوى من الثقة الصادقة.
ولم ينجر الزوج إلى المهاترات أو الردود المسيئة، لأنه يعلم أن الوقار لا يجتمع مع الجدل العقيم.
وحين تجاوز الأمر حدود الإزعاج إلى المطاردة والإساءة، جمع كل الرسائل والأدلة، وتوجه مع زوجته إلى الجهات المختصة، ليأخذ القانون مجراه.
وهكذا انتهت المعركة.
لا بانتصار امرأة أرادت أن تهدم بيتًا، بل بانتصار بيتٍ عرف أن الحب الحقيقي لا تحميه كلمات الغزل، وإنما تحميه الثقة، والصدق، والاحترام، والوعي.
لقد أثبتت تلك القصة أن الشاشات قد تكون بابًا للعلم، وقد تكون بابًا للفتنة، وأن الإنسان هو من يختار كيف يستخدمها.
فالبيت الذي تُبنى جدرانه بالمصارحة لا تهزه رسالة، والزواج الذي يقوم على الثقة لا تسقطه امرأة عابرة، ومن يعجز عن إصلاح نفسه لن يبني سعادته فوق أنقاض الآخرين، بل سيظل يطارد سرابًا حتى يسقط في شر أعماله.
إن أجمل حصون الحياة ليست كلمات المرور، ولا إعدادات الخصوصية، بل قلبان صادقان لا يسمحان لأحد أن يقف بينهما، وعقلان يدركان أن التجاهل أول العقاب، وأن القانون هو الكلمة الأخيرة حين يتحول العبث إلى اعتداء.