وليه نتعب .. للشاعر شعبان عبد الرزاق

وليه نتعب

—-

وليه نتعب؟

وليه نهرب؟

ومين يكسب؟

عايشين في الدنيا نتعشّم

مدام الجرح فيكي مكتوب

ومدام الثواب محسوب

راح أنسى اللي جرى لي

وألبس ثياب جميل التوب

راح أسقي وردة بإيديا

وإيه يعني فيها الشوك؟

بلاش الدمع يا عينيا

ومين إمتى دول حسّوك؟

عاوز تبعد، وإيه يعني؟

عاوز تعند، هتوجعني

تعال نعيش يومين فرحة

أيوه بقول لك: اسمعني

عشان طيب، راح تدوق

وإيه يعني وصلوا لفوق؟

وأوعى ياخدك يوم الشوق

وعِش في الدنيا واتعلّم

ومين منه خد حظّه؟

وحتى اللي كنت بتعزّه

باعك وسابك ده في لحظة

وصدّق معاه ولا هزّ

اتعب ولا ما تتعبش

تهرب ولا ما تهربش

تكسب ولا ما تكسبش

مش كله بالنية بيسلّم

بقلم: شعبان عبد الرازق

جبر الخواطر .. للكاتب عمر العطاري أبو ثائر

” جبر الخواطر “

جبر الخواطر هو أحد أعظم الأخلاق الإسلامية.. يعني تهدئة النفوس المتألمة .. وإصلاح القلوب المنكسرة .. وتخفيف الهموم عن الآخرين .. في الإسلام .. يُعتبر جبر الخواطر عبادة تقرب العبد إلى ربه .. وهو يعكس الرحمة والإحسان الذي أمر به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .. يأتي هذا الخلق من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .. حيث يظهر الله سبحانه وتعالى كيف يجبر خواطر عباده .. ويأمرنا بأن نفعل الشيء نفسه تجاه بعضنا البعض .. في هذه المقالة .. سنركز بشكل أساسي على جبر الخواطر في القرآن الكريم، مع التركيز الخاص على سورة الضحى، ثم نستعرض أمثلة أخرى من القرآن والسنة، وأخيراً أمثلة واقعية من الحياة اليومية والتاريخ خارج النصوص الدينية المباشرة.

جبر الخواطر في القرآن الكريم: سورة الضحى كنموذج أبرز

سورة الضحى هي إحدى أجمل الأمثلة على جبر الخواطر في القرآن، حيث نزلت لتهدئة قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم في فترة توقف الوحي عنه. كان النبي يشعر بالحزن والقلق، فقد توقف الوحي لعدة أيام أو أشهر، وشاع بين المشركين أن ربه قد ودعه وقلاه. فأنزل الله تعالى هذه السورة ليجبر خاطره ويطمئنه بأنه لم يتركه، بل سيمنحه خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة.

نص السورة بالكامل:

وَالضُّحَىٰ (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ (😎 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

في هذه السورة، يقسم الله تعالى بالضحى والليل ليؤكد على رعايته لنبيه. في الآية الثالثة: “مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ”، ينفي الله أي ترك أو كره للنبي، مما يجبر خاطره مباشرة. ثم يبشر بالآخرة خيراً من الدنيا، ويعده بأن يعطيه حتى يرضى. كما يذكر الله نعمه السابقة عليه: إيواؤه يتيماً، هدايته ضالاً، وإغناؤه عائلاً. هذا التذكير بنعم الله السابقة يعزز الثقة والأمل، وهو أسلوب إلهي في جبر الخواطر.

تنتهي السورة بدعوة لجبر خواطر الآخرين: عدم قهر اليتيم، وعدم نهْر السائل، وحديث النعمة. هذا يعلمنا أن جبر الخاطر ليس فقط من الله لعباده، بل واجباً علينا تجاه الضعفاء والمحتاجين.

أمثلة أخرى من جبر الخواطر في القرآن الكريم

القرآن مليء بأمثلة على جبر الخواطر، حيث يظهر الله كيف يعزي أنبياءه وعباده في أوقات الشدة:

قصة النبي يوسف عليه السلام: في سورة يوسف، عندما ألقي يوسف في الجب من قبل إخوته، أوحى الله إليه: “لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” (يوسف: 15). هذا الوحي جبر خاطر يوسف، مطمئناً إياه بأنه سيلتقي إخوته مرة أخرى في موقف قوة، رغم الظلم الذي تعرض له.

جبر خاطر النبي محمد في سورة القصص: قال تعالى: “إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ” (القصص: 85). هذه الآية جبرت خاطر النبي عندما أُخرج من مكة، مبشراً إياه بالعودة إليها فاتحاً.

دعوة للإخوة بين المؤمنين: في سورة الحجرات: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ” (الحجرات: 10). هذه الآية تدعو إلى الإصلاح والتسامح، مما يجبر خواطر المتخاصمين ويعزز الوحدة.

وعد الله بالعطاء والرضا: في سورة الضحى نفسها، “وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ”، وهو وعد عام يمكن أن يطبق على كل مؤمن يواجه صعوبات.

هذه الأمثلة تظهر أن الله يجبر خواطر عباده بالبشارة، التذكير بالنعم، والأمر بالإحسان.

جبر الخواطر في السنة النبوية

السنة النبوية غنية بأمثلة عملية على جبر الخواطر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يجبر خواطر الفقراء، اليتامى، والمظلومين. على سبيل المثال:

حديث: “مَنْ جَبَرَ كَسْرَ مُسْلِمٍ جَبَرَ اللَّهُ كَسْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” (رواه أحمد). هذا يشجع على جبر الخواطر كعمل يعود بالأجر العظيم.

في سيرته، عندما أُخرج من مكة، قال النبي: “والله لأخرجن منها، وإني لأحبها”، فجبر الله خاطره بالعودة المظفرة.

أمر النبي بإكرام اليتيم والسائل، كما في الضحى، وكان يطبق ذلك بنفسه، مثل إطعام الجياع ومواساة الحزانى.

أمثلة واقعية من خارج القرآن والسنة

جبر الخواطر ليس مقصوراً على النصوص الدينية، بل هو قيمة إنسانية عالمية تظهر في الحياة اليومية والتاريخ. إليك بعض الأمثلة الواقعية:

مساعدة المدين أو المهموم: في قصة حقيقية، روى أحد الأشخاص أنه كان مديناً ومهموماً، فساعده صديق بقضاء دينه دون أن يطلب ذلك، مما أعاد الأمل إليه وغير حياته. هذا يشبه قول بعض العلماء المعاصرين إن قضاء الدين عن المدين يجبر خاطره تماماً .

كلمة دعم من معلم أو طبيب: معلم يمدح طالبًا مرتبكًا على جهده البسيط، فيتغير مساره الدراسي نحو الأفضل. أو طبيب يعطي مريضاً أملاً إضافياً بلفتة لطيفة، مما يساعده على الشفاء النفسي والجسدي.

قصة تاريخية من السلف: حسان بن سعيد المخزومي أراد بناء مسجد، فجاءته امرأة فقيرة بثوب بسيط لتبيعه وتساهم في البناء. اشتراه منها بثمن عالٍ جداً ليجبر خاطرها، رغم أن الثوب لا يساوي ذلك، فكان ذلك سبباً في بركة المسجد.

لفتات يومية بسيطة: إرسال رسالة تشجيع لصديق مسافر أو مهموم، أو ابتسامة وكلمة طيبة لشخص يبدو حزيناً في العمل أو الشارع. هذه الأفعال الصغيرة غالباً ما تغير يوم شخص تماماً وتعيد له الثقة.

هذه الأمثلة تثبت أن جبر الخواطر يبني جسوراً بين الناس، ويعود بالخير على فاعله.

خاتمة: جبر الخواطر عبادة يومية

جبر الخواطر ليس مجرد كلمة طيبة، بل هو سلوك يبني المجتمع الإسلامي على الرحمة والتعاطف. في زمننا هذا، حيث تكثر الهموم، يجب علينا الاقتداء بالقرآن والسنة في جبر خواطر الآخرين، سواء بالدعاء، المساعدة المادية، أو الكلمة الطيبة. تذكر قول الله: “وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ”، فحديث النعم يجبر الخواطر ويذكر بالله. جعلنا الله من الجابرين للخواطر، وجبر الله خواطرنا جميعاً.

عمر العطاري / أبو ثائر

الطفل حطب المحرقة ورهينة الصراع .. الشاعر والكاتب الكيلاني بن عبد الله بو ستة

الطِّفْلُ حَطَبُ المحْرَقَةِ ورَهِينَةُ الصِّرَاعِ:

“إِشْكَالِيَّاتُ الحِمَايَةِ القَانُونِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فِي تُونِسَ – نَحْوَ دَوْرٍ مُؤَسَّسَاتِيٍّ لِلدَّوْلَةِ”

***

إِنَّ الأُسْرَةَ هِيَ اللَّبِنَةُ الأُولَى فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعِ، وَهِيَ المَهْدُ الذِي تَتَكَوَّنُ فِيهِ شَخْصِيَّةُ الفَرْدِ وَتَتَشَكَّلُ فِيهِ قِيَمُهُ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الزَّوَاجَ مِيثَاقًا غَلِيظًا قَائِمًا عَلَى المَوَدَّةِ وَالسَّكَنِ وَالرَّحْمَةِ، لِتَكُونَ الأُسْرَةُ مَلَاذًا آمِنًا وَخَلِيَّةً مُنْتِجَةً لِلتَّنْشِئَةِ السَّوِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ تَطَوُّرَاتِ الحَيَاةِ المُعَاصِرَةِ، وَمَا رَافَقَهَا مِنْ ضُغُوطٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ وَثَقَافِيَّةٍ، قَدْ أَدَّتْ إِلَى تَزَايُدٍ مُلْحُوظٍ فِي ظَاهِرَةِ تَفَكُّكِ الأُسَرِ، وَكَانَ الطَّلَاقُ أَبْرَزَ تَجَلِّيَاتِهَا وَأَقْسَاهَا أَثَرًا.

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الطَّلَاقَ ظَاهِرَةٌ عَالَمِيَّةٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَكْتَسِبُ فِي البِلَادِ العَرَبِيَّةِ خُصُوصِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِالبُنْيَةِ القَبَلِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالقَانُونِيَّةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ الأَعْرَافُ مَعَ التَّشْرِيعِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ الأَغْلَى عَلَى كَاهِلِ الأَبْنَاءِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَأْتِي تُونُسُ كَنَمُوذَجٍ يَجْدُرُ التَّوَقُّفُ عِنْدَهُ، لِكَوْنِهَا مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ السَّبَّاقَةِ فِي تَقْنِينِ قَوَانِينِ الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ تَبِعَاتِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ وَمَا تُفْرِزُهُ مِنْ حَالَاتِ صِرَاعٍ حَوْلَ الحَضَانَةِ وَالرُّؤْيَةِ وَالنَّفَقَةِ تَقَعُ ضَحِيَّتُهَا الأُولَى هُمُ الأَطْفَالُ.

فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ التَّدَاعِيَاتِ الكَارِثِيَّةِ لِلطَّلَاقِ عَلَى التَّوَازُنِ الأُسَرِيِّ وَالتَّرْبَوِيِّ لِلأَبْنَاءِ فِي المُجْتَمَعِ التُّونِسِيِّ؟

وَمَا هِيَ الآلِيَّاتُ القَانُونِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ الكَفِيلَةُ بِأَنْ تَقُومَ الدَّوْلَةُ فِيهَا مَقَامَ الوَالِدَيْنِ لِحِمَايَةِ الأَطْفَالِ وَضَمَانِ اسْتِمْرَارِهِمْ فِي إِطَارِ التَّوَازُنِ الجَدِيدِ؟

إِنَّ الطَّلَاقَ حِينَ يَقَعُ لا يَكُونُ حَدَثًا فَرْدِيًّا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ تَوْقِيعِ وَثِيقَةٍ قَانُونِيَّةٍ، بَلْ هُوَ زِلْزَالٌ اجْتِمَاعِيٌّ يَضْرِبُ فِي عُمْقِ الْبِنْيَةِ الأُسَرِيَّةِ فَيُحْدِثُ فِيهَا شَرْخًا يَتَّسِعُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. وَأَوَّلُ مَا يَنْعَكِسُ هَذَا الشَّرْخُ فِيهِ هُوَ فُقْدَانُ التَّوَازُنِ الدَّاخِلِيِّ لِلأُسْرَةِ، فَيَغِيبُ نَمُوذَجُ الأَبِ الْمُوَجِّهِ أَوْ الأُمِّ الْحَاضِنَةِ فَيَتْرُكُ فَرَاغًا تَرْبَوِيًّا وَعَاطِفِيًّا عَمِيقًا لا تَسُدُّهُ أَيُّ تَعْوِيضَاتٍ مَادِّيَّةٍ. وَمِنْ هُنَا يَبْدَأُ مَسَارُ الِانْحِدَارِ، إِذْ يَتَشَتَّتُ أَفْرَادُ الْعَائِلَةِ الْوَاحِدَةِ بَيْنَ بَيْتَيْنِ مُتَنَافِرَيْنِ، فَتَضْعُفُ رَوَابِطُ الدَّمِ وَتَتَلاشَى ذَاكِرَةُ الْبَيْتِ الْمُشْتَرَكِ. وَيَكُونُ الأَبْنَاءُ هُمُ الْحَلْقَةَ الأَضْعَفَ وَالأَكْثَرَ تَأَثُّرًا، فَيَنْعَكِسُ الِاضْطِرَابُ النَّفْسِيُّ عَلَيْهِمْ مُبَاشَرَةً فِي مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ، فَيَتَرَاجَعُ تَحْصِيلُهُمْ الدِّرَاسِيُّ تَدْرِيجِيًّا ثُمَّ يَنْقَطِعُونَ نِهَائِيًّا بِسَبَبِ الْقَلَقِ وَعَدَمِ الاسْتِقْرَارِ وَتَدَهْوُرِ الْوَضْعِ الْمَادِّيِّ الَّذِي يُرْغِمُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى سُوقِ الشُّغْلِ قَبْلَ أَوَانِهِ. وَلا يَقِفُ الْخَطَرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، فَالْفَرَاغُ الْعَاطِفِيُّ الْمُصَاحِبُ لِغِيَابِ الرِّقَابَةِ وَالتَّوْجِيهِ يَفْتَحُ الْبَابَ أَمَامَ صُحْبَةِ السُّوءِ وَيَدْفَعُ بِالْكَثِيرِينَ إِلَى مُنْحَدَرَاتِ التَّمَرُّدِ وَتَعَاطِي الْمُخَدِّرَاتِ وَفِي حَالَاتٍ كَثِيرَةٍ إِلَى الْجُنُوحِ، فَيَتَحَوَّلُ الضَّحِيَّةُ إِلَى جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الْمُجْتَمَعِ.

وَلَكِنَّ أَقْسَى وَجْهِ لِهَذِهِ الْكَارِثَةِ يَتَجَلَّى عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الأَطْفَالُ إِلَى وَسِيلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لِلْقَهْرِ وَالإِذْلالِ وَالتَّشَفِّي مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ. فَتَنْشَأُ مَا يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهَا “حَرْبَ الأَطْفَالِ” حَيْثُ يُسْتَخْدَمُ مَنْعُ الرُّؤْيَةِ وَالإِلْتِقَاءِ وَلَوْ لِسَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ كَسِلاحٍ يَوْمِيٍّ. وَتَتَنَوَّعُ أَدَوَاتُ هَذِهِ الْحَرْبِ بَيْنَ اسْتِغْلالِ ثَغَرَاتِ الْقَانُونِ بِرَفْعِ دَعَاوَى نَفَقَةٍ مُتَتَالِيَةٍ لِتَضْيِيقِ الْخِنَاقِ الْمَادِّيِّ، وَالتَّمَسُّكِ بِحَقِّ الْحَضَانَةِ وَالْكَفَالَةِ كَدِرْعٍ لإِغْلاقِ كُلِّ أَبْوَابِ التَّوَاصُلِ، وَصُولًا إِلَى وَسَائِلَ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ كَتَغْيِيرِ أَرْقَامِ الْهَوَاتِفِ وَنَقْلِ مَكَانِ الإِقَامَةِ دُونَ إِعْلامٍ، وَغَرْسِ خِطَابِ الْكَرَاهِيَةِ فِي نُفُوسِ الصِّغَارِ ضِدَّ الطَّرَفِ الْغَائِبِ. وَهَكَذَا تَتَحَوَّلُ قَاعَاتُ الْمَحَاكِمِ إِلَى سَاحَاتِ ثَأْرٍ، وَيُصْبِحُ الطِّفْلُ سِلْعَةً تُسَاوَمُ عَلَيْهَا، وَتَغِيبُ “مَصْلَحَتُهُ الْعُلْيَا” خَلْفَ سِتَارِ الأَنَا وَالْعِنَادِ، فَيَكُونُ هُوَ حَطَبَ الْمَحْرَقَةِ الْأَوَّلَ وَالْأَخِيرَ.

وَأَمَامَ هَذَا الْوَاقِعِ الْمُرِّ لا يَجُوزُ لِلدَّوْلَةِ أَنْ تَبْقَى فِي مَوْقِفِ الْمُتَفَرِّجِ أَوِ الْمُكْتَفِيَةِ بِنُصُوصٍ قَانُونِيَّةٍ جَامِدَةٍ لا تُرَاعِي دِينَامِيكِيَّةَ الصِّرَاعِ. بَلْ يَجِبُ أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى دَوْرِ “الْوَلِيِّ الْمُنْقِذِ” الَّذِي يَتَدَخَّلُ حِينَ يَعْجَزُ الْوَالِدَانِ عَنْ حِمَايَةِ فِلْذَاتِ أَكْبَادِهِمَا. وَقَدْ دَلَّتِ التَّجَارِبُ الْمُقَارَنَةُ عَلَى أَنَّ التَّدَخُّلَ الْمُبَكِّرَ وَالْمُؤَسَّسَاتِيَّ يُؤْتِي أُكُلَهُ. فَفِي مَمْلَكَةِ السُّوِيدِ فُرِضَ “الإِرْشَادُ الأُسَرِيُّ الإِجْبَارِيُّ” قَبْلَ إِقْرَارِ الطَّلاقِ النِّهَائِيِّ، وَأُنْشِئَتْ “مَرَاكِزُ تَسْلِيمٍ وَاسْتِلَامٍ مُحَايِدَةٌ” تُشْرِفُ عَلَيْهَا وَزَارَةُ الشُّؤُونِ الاجْتِمَاعِيَّةِ يَتِمُّ فِيهَا تَبَادُلُ الأَطْفَالِ بِحُضُورِ أَخْصَائِيٍّ نَفْسِيٍّ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى اسْتِخْدَامِهِمْ كَوَرَقَةِ ضَغْطٍ. وَفِي فَرَنْسَا جُرِّمَ مَنْعُ الرُّؤْيَةِ بِدُونِ مُبَرِّرٍ قَاهِرٍ وَتَمَّ رَبْطُهُ بِعُقُوبَاتٍ مَالِيَّةٍ وَسَحْبٍ مُؤَقَّتٍ لِلْحَضَانَةِ. وَفِي الدُّوَلِ الإِسْكَنْدِنَافِيَّةِ تَقُومُ “صَنَادِيقُ دَعْمٍ لِأَبْنَاءِ الْمُطَلَّقِينَ” بِتَغْطِيَةِ النَّفَقَاتِ الدِّرَاسِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ، مِمَّا قَلَّلَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعَامِلِ الاقْتِصَادِيِّ الَّذِي يُعَدُّ أَحَدَ أَهَمِّ الْمُحَرِّكَاتِ لِتَفَكُّكِ الأُسَرِ. وَعَلَى الْمُسْتَوَى التَّرْبَوِيِّ، سَاهَمَ تَفْعِيلُ دَوْرِ الْمُرْشِدِ النَّفْسِيِّ فِي الْمَدْرَسَةِ وَإِنْشَاءُ “دُورِ رِعَايَةٍ نَهَارِيَّةٍ” تُقَدِّمُ دَعْمًا دِرَاسِيًّا وَنَفْسِيًّا بَعْدَ أَوْقَاتِ الدِّرَاسَةِ فِي تَعْوِيضِ جُزْءٍ مِنَ النَّقْصِ الْعَاطِفِيِّ وَخَلْقِ بِيئَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ تَضْمَنُ لِلطِّفْلِ اسْتِمْرَارَهُ فِي إِطَارِ التَّوَازُنِ الْجَدِيدِ.

وَخُلاصَةُ الأَمْرِ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ التُّونِسِيَّ وَالْمُجْتَمَعَاتِ الْعَرَبِيَّةَ تَقِفُ الْيَوْمَ عَلَى مُفْتَرَقِ طُرُقٍ خَطِيرٍ. فَالْقَوَانِينُ وَحْدَهَا لَمْ تَعُدْ تُجْدِي نَفْعًا، بَلْ إِنَّهَا أَصْبَحَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ أَدَاةً بِيَدِ الْمُتَمَرِّدِ الَّذِي لا يُبَالِي حَتَّى وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ هُوَ ضَيَاعَ أَبْنَائِهِ أَوِ السِّجْنَ. وَإِنَّ التَّشْخِيصَ الْعِلْمِيَّ يُشِيرُ بِوُضُوحٍ إِلَى أَنَّ “الْوَضْعَ الاقْتِصَادِيَّ وَالاجْتِمَاعِيَّ لِلْعَائِلاتِ” هُوَ الْبُؤْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ الَّتِي تَتَفَجَّرُ مِنْهَا غَالِبُ حَالاتِ الطَّلاقِ. لِذَلِكَ فَإِنَّنَا نُطْلِقُهَا صَيْحَةَ فَزَعٍ مُدَوِّيَةً: عَلَى الدَّوْلَةِ أَنْ تَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّتَهَا كَامِلَةً فِي حِمَايَةِ الأُسْرَةِ مِنْ كُلِّ الْمَخَاطِرِ الَّتِي تُهَدِّدُ تَوَازُنَهَا الدَّاخِلِيَّ بِالتَّفَتُّتِ وَالانْهِيَارِ. وَأَنْ تَنْتَقِلَ مِنَ التَّشْرِيعِ النَّظَرِيِّ إِلَى الْفِعْلِ الْمُؤَسَّسَاتِيِّ الْمُبَاشِرِ، وَأَنْ تَضَعَ الطِّفْلَ فِي قَلْبِ كُلِّ سِيَاسَةٍ عَامَّةٍ، فَهُوَ لَيْسَ طَرَفًا فِي النِّزَاعِ وَلا جَائِزَةَ انْتِصَارٍ، بَلْ هُوَ مَسْؤُولِيَّةُ وَطَنٍ بِأَكْمَلِهِ.

فَالسُّؤَالُ الْكَبِيرُ الَّذِي نَتْرُكُهُ مَفْتُوحًا لِلنِّقَاشِ الْأَكَادِيمِيِّ وَالْمُجْتَمَعِيِّ هُوَ: هَلْ سَنَنْتَظِرُ حَتَّى نَفْقِدَ جِيلًا كَامِلًا فِي مَعَارِكِ الْكِبَارِ، أَمْ أَنَّ لَدَيْنَا الْآنَ الْجُرْأَةَ السِّيَاسِيَّةَ وَالْأَخْلاقِيَّةَ لِنُعِيدَ تَعْرِيفَ الأُسْرَةِ وَحِمَايَتِهَا كَأَوْلَوِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ قُصْوَى؟

_النهاية_

💠 التعريف بالكاتب:

الكيلاني بن عبدالله بوستة: شاعر وكاتب ومفكر تونسي، مهتمٌّ بقضايا الأسرة والمجتمع والأدب المقاوم. يكتب نصًّا يجمع بين الرؤية الفكرية والهمّ الاجتماعي، وينطلق من إيمان بأنّ الكلمة مسؤولية في زمن التفكّك.

له مساهمات ثقافية على عديد المواقع الأدبية والفكرية، وتتميّز كتاباته بالربط بين الواقع المعيش والبعد القيمي الإنساني.

في مشهد .. للشاعرة د . نور محمد

في مشهد

وكانها تلفظ أنفاسها الاخيرة ..

. قالت له هل يتجرد الجسد عن الروح

واطرقت براسها كانها تفارق الحياة

هل كنت يوما .. لك وطن

إم كنت امراة عابرة تمر بحياتك

كم تمر الشهور

.. هل كنت حقا حبيبتك

وان كنت كذالك لما ذا تركتني احترق ببطىء

ولما تركت الدموع تحرق وجناتي

حتى ذهب بريق وجهي واصبحت كانني عجوز

قد تفارق الحياة

لماذا جعلت من تجاعيد وجهي قصيدة

لأمراة عاشقه او بقايا عشق ذهب هو كذالك مع الريح .. ولماذا جعلت الارض تحتي تتحرك

ام انني لا اقدر على الوقوف

ورفوف مكتبتي اصبحت خالية كالجسد بلا روح

وكأس مائي اصبح فارغا

وفنجان قهوتي اصبح يروي لي قصصا

واصبح مرآتي ارى فيه صورتك

كل صباح

حتى اصبح الفنجان هو والقهوة

يواسيان وحدتي

هل ..تعلم ان القهوة اصبحت لا تطاق مثل يومي

وهل تعلم بان الفنجان اصبح باردا

لان حرارة اللقاء اصبحت بعيدة عندما تركت فنجاني وتركت قهوتي

وهل تعلم بان روحي اصبحت تسافر اليك وتتركني اصارع المرض وحدي

نعم اني مرضت بعدما كنت حديقة عامرة

ذبلت كل ورودها واصبحت اوراق اشجارها في كل مكان متناثرة اذا كانت الاشجار هكذا

فكيف بقلبي ياترى

اصارع مرضي وانفاسي الاخيرة

اليك راحلة

اتعدني بالبقاء. وانت رحلت

اين العهد ياسيدي

واين الوعد

هل رحلت النجوم من سمائنا ام ان القمر اصبح لاينير دربنا

ام ان الحب اختفى من زماننا

انظر لقصائدي ..واخبرني عن بيت القصيد

اين رحل واين رحلت تلك السطور

تراب كتبي يبكي اليك ياسيد الشعراء. مابك

هل رحل الشعر منك

ام انت تركت الشعر ورحلت

تركتني جثة هامدة ..وانا استرق النظر بين كل الحضور ..لعلي اراك آتيا

ولعلي اراك

اخر

مرة فتفيض

روحي بين يديك..إلى ربها راجعة

نور محمد

أطلت والياسمين يراقصها .. للشاعر عيسى نجيب حداد

أَطَلَّتْ وَاليَاسَمِينُ يُرَاقِصُهَا

أَتَتْنِي بِفَرْحَتِهَا،

سَلَّمَتْ بِهَمْسِهَا

الخَجُولِ تَنَاغَمَ،

لِتَطْرَحَ الابْتِسَامَ

عَلَى وَجْهٍ بَشُوشٍ.

بِغَمْزَةِ عَيْنِهَا ذَوَّبَتْنِي،

بِغَمْرِ فَيَافٍ وَاسِعَةِ العُبُورِ.

أَجُوبُ أَرْوِقَةَ الحُرُوفِ لِأَبْحَثَ

لَهَا عَنْ قَصِيدٍ يَلِيقُ بِحَفْلِ هَذَا السَّهَرِ،

بِتُّ أَدُقُّ أَعْنَاقَ اللَّيَالِي عَسَايَ أَنْ أَجِدَ قُرْبَانًا

بَهِيًّا نَنْزِفُهُ عَلَى عُرْسِ لَحْظَتِنَا المَرْسُومَةِ بِلَهْفَةٍ.

هُنَا يَا حَبِيبَتِي تَعَالَيْ نُهَدِّبُ وِسَادَاتِ اللَّيْلِ كَنَذْرٍ،

نَتَعَانَقُ بِشَغَفِ مُحِبِّينَ نُكَرِّرُ قِصَصَ عُشَّاقٍ بِالبَرِّيَّةِ،

حَيْثُ تَمْتَزِجُ الطَّبِيعَةُ بِرَاحَةِ النَّفْسِ وَسُكْنَى رُوحٍ.

بَيْنَ الكَلِمَاتِ مَوْجُودٌ رَهْنُ قَلْبِي الصَّارِخِ فِي هَوَاكِ،

هُنَاكَ كُنْتُ أُنَادِلُ الفَرَاشَ وَكُؤُوسَ خَمْرَتِي بِجُنُونٍ،

تَكْبُرُنِي أَحْلَامِي بِسَفَرٍ بَيْنَ أَحْضَانِكِ مُنْتَشِيَ الطَّلَّةِ،

أَلْهُو بِجَدَائِلِ صَبِيَّتِكِ الشَّقْرَاءِ فَأَغْدُو سَكِيرًا عِرْبِيدًا،

أُغَازِلُ بِهَمْسِي زُهُورَ الحُقُولِ وَأَصِفُهَا بِجَمَالِ حُلْمٍ.

بِتَفَاصِيلَ مِنْ شُرُودِي يَكْبُرُ اللِّقَاءُ لِيُحَاضِنَ فَرَحَكِ،

مَمْزُوجٌ بِالسُّرُورِ وَمُمْتَنٌّ لِرَهْنٍ مِنَ الوَاقِعِ مَلْمُوسٍ،

عَلَى سُطُورِ خُطَانَا تَسِيرُ مُعْلِنَةً صِدْقَ هَذَا العِشْقِ،

مُبَارَكٌ فَرَحُ آخِرِ اللَّيْلِ الرَّاقِصِ عَلَى مُوسِيقَى غَزَلٍ.

دَنْدَنَ وَتَرُ العُودِ لَحْنًا عَذْبًا دَغْدَغَ مِنَّا كُلَّ مَشَاعِرِنَا،

إِلَى حَيْثُ البَوَّابَةُ لِلنَّسِيمِ العَلِيلِ نَادَتْنِي الطِّيُوبُ،

لِتَغْسِلَنِي مِنْ هُمُومِ السِّنِينَ أَنَامُ عَلَى سَرِيرِ الأَمَلِ،

مُتْقِنٌ وَصْفَ بَوْحِي غَازَلَ بِكِ جُنُونَ لِقُرْبِ الذِّكْرَى،

نَقَشْتُ عَلَى مَنَافِذِ الإِحْسَاسِ لِتَرْسُمَ سَاعَةً لِلزَّمَانِ،

فِيهَا الثَّوَانِي ثَمِينَةٌ إِذَا اقْتَنَصْنَاهَا مِنْ فُوَّهَةِ بُرْكَانٍ،

هُنَاكَ عَلَى سَاحِ الرَّجَاءِ لِنُشْعِلَ شُمُوعَ تَوَاصُلِنَا مَعًا،

مَوْهُوبٌ هُنَا التَّغْرِيدُ لِلْهَوَاةِ هَدِيَّةً مِنْ دَرْسِ العِشْقِ.

المُفَكِّرُ العَرَبِيُّ

عِيسَى نَجِيب حَدَّاد

مَوْسُوعَةُ رَاعِي الحُرُوفِ

شيليني من ذكرياتك .. للشاعر سيد الحلواني

شيلينى من ذكرياتك

أنا عمرى ماكون مغرور

لكن ثاير على هواكى

ماهو قلبى كمان معذور

وقادر برضو ينساكى

أشوف الضحكه ف عنيكى

وعلى صوت دمعتى تغنى

لا همك حد ………حواليكى

ولا حتى قادره……تستنى

دنا اللى ف عز ماحزنتى

بكيت. وكأنك أنا إنتى

يا غلطه ف عمرى عدتها

قاسيت. وشربت أناتك

شوفيلك حاجه غير قلبى

تسلى بيها ……….أوقاتك

خلاص قررت البعاد عنك

ومعرفكيش

لعاد أسفك بيألمنى

وقلبك شئ …..مايلزمنيش

شيلينى ………من ذكرياتك

أنا عمرى ماكون مغرور

لكنى نويت أكون ذكرى

لحب قديم. أوى. فاتك

سيد الحلوانى

يا أنت يا رائعة الجمال تمثلت بشرا .. للشاعر السيد الطباخ

ياأنت يا رائعة الجمال تمثلت بشرا

وجه كفلقة الاصباح جماله مشرقا

و قدٌّ ممشوقا الجمال يموج سحرا

أ أنت عنوان الجمال لمن ضل تائها

ام أنت يناببع الجمال فاض منتهرا

صباحك يا كل الدلال يموج سحرا

بشذا عطور الورود يجول منتشرا

فصباح ما له مثال لم يعهده بشرا

صباح الفل مليكتي وباقاتي حرفا

هلا تردي صبحي فتحي لي القلبا

بقلمي

السيد الطباخ

رسائل مصلوبة على سفح الكلام .. للشاعر خلف بقنه

رسائل مصلوبه على سفح الكلام

قيد ومفتاح وأمل

وسنبلة ودودة

تحمل قلمًا من ذاكرتنا

مع قمة عالية جدًا

في بلاد السراة

مكان الأناشيد والدعاء

أتى ذاك الصباح متثائبًا متفائلًا

يجدد الحياة

واحتسى شايًا بطعم الزهور والتفاح

مع تلك البواقي فينا

همس للريح

بأن الوقت لا يزال فيه اتساع

فيه امتحان

فيه إجلال

أمس الهارب أتى وسجل

وداعًا هادئًا بطعم الامتعاض والنجاح

الأمس لم ينسى أطفاله

واليوم

ما زال

يكتب

تقارير ذاك النهار

النهار قصتان

ثالثها

نحن والجُناة

الأغصان ما زالت تبحث

كتب

خلف بُقنه

لو كانت تكفي كلماتي .. للشاعر ماهر نصري

لو كانت تكفي كلماتي

لعبرت بها بحر الظلمات

ولماذا أغير حركاتي

والمعنى مطموس الحركات

لا يكفي في زمن عاتي

ايقاد النور من الشمعات

فإذا جلسنا هنا حيرى

نستاف العطف من اللفتات

والحب قد ملأ الدنيا

وخطط أرصفة الطرقات

وأضحى الموت بلا لون

عن لون الموت سل الأموات

فستنشأ مرحلة عظمى

هي كل الأوجه واللمحات

فنفرق بين تقاصيها

وتداني أنظمة الشارات

لا يمكن أن ينشأ شعر

والسيف عدو للكلمات

بقلمي ماهر نصري

ماذا حدث للصداقة حين دخلت المصللحة على الخط – من سلسلة ماذا حدث لنا .. للدكتور عيد كامل حافظ النوقي

سِلْسِلَةُ: «مَاذَا حَدَثَ لَنَا؟»

قراءةٌ فكريةٌ في الإنسانِ والمجتمعِ والحياةِ

المقالُ السابعُ:

“مَاذَا حَدَثَ لِلصَّدَاقَةِ حِينَ دَخَلَتِ المَصْلَحَةُ عَلَى الخَطِّ؟”

بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

المقدمة :

لم تكن الصداقةُ يومًا مجردَ لقاءاتٍ عابرة، ولا كلماتٍ جميلة تُقال في أوقات الفراغ، وإنما كانت في أصلها علاقةً إنسانيةً تقوم على الثقة، والوفاء، والمساندة، وحفظ الغياب قبل حضور الصديق.

كان الصديقُ قديمًا هو الذي يعرف ضعفك ولا يستغله، ويعرف أسرارك ولا يبيعها، ويرى سقوطك فيمدُّ يده ليعينك على النهوض، ويشاركك فرحك دون أن يشعر أن نجاحك ينتقص من نجاحه.

لكن شيئًا ما تغيَّر.

دخلتِ المصلحةُ على خط الصداقة، فتحوَّلت بعض العلاقات من سؤالٍ صادق: «كيف حالك؟» إلى سؤالٍ خفي: «ماذا أستطيع أن أحصل منك؟».

وهنا بدأ الخلل.

أولًا: حين أصبح الإنسانُ يُقاس بما يملك لا بما يكون:

من أخطر التحولات التي أصابت العلاقات الإنسانية أن قيمة الإنسان بدأت عند البعض تُقاس بمنصبه، أو ماله، أو نفوذه، أو عدد علاقاته، أو قدرته على تحقيق المصالح.

فأصبح بعض الناس يقتربون ممن يملكون، ويبتعدون عمّن لا يملكون.

يُفتح الباب أمام صاحب النفوذ، وتُغلق الأبواب أمام الإنسان البسيط.

تُرفع قيمة الصداقة ما دام وراءها منفعة، فإذا انتهت المنفعة انتهى معها التواصل، وكأن العلاقة لم تكن يومًا علاقةَ أرواح، وإنما كانت صفقةً مؤجلة.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا بصدق:

هل نحن نحب الإنسان لذاته، أم لما يستطيع أن يقدمه لنا؟

إن كان وجود الصديق مرتبطًا بما يمنحه لنا، فهذه ليست صداقةً كاملة؛ إنها علاقة مصلحة ارتدت ثوب الصداقة.

ثانيًا: الصداقة الحقيقية لا تحتاج إلى دفتر حسابات:

الصداقةُ الصادقة لا تقول:

«أنا فعلت لك كذا، وأنت ماذا فعلت لي؟»

ولا تقيس المحبة بعدد الهدايا، ولا المواقف بالأرقام، ولا المعروف بما سيعود على صاحبه من منفعة.

الصديق الحقيقي يعطي لأنه يحب، ويساند لأنه إنسان، ويقف إلى جانب صديقه لأن الوفاء عنده قيمة، لا لأن وراء الموقف مكافأة.

أما حين يصبح كل معروفٍ له ثمن، وكل مساعدةٍ لها مقابل، وكل موقفٍ يحتاج إلى ردٍّ محسوب، فإن العلاقة تفقد أجمل ما فيها: العفوية الإنسانية.

فالصداقة لا تزدهر في بيئة الحسابات، وإنما تزدهر في أرض الثقة.

ثالثًا: أخطر ما تفعله المصلحة أنها تكشف حقيقة العلاقات:

أحيانًا لا نكتشف حقيقة الأشخاص إلا عندما تتغير الظروف.

قد يظل الإنسان محاطًا بعشرات الأشخاص ما دام قويًا، غنيًا، مشهورًا، أو قادرًا على تقديم شيء لهم.

لكن جرّب أن تمر بمرحلة ضعف.

جرّب أن تفقد منصبك.

جرّب أن تتعثر.

جرّب أن تحتاج إلى من يسمعك دون أن تطلب منه مالًا أو واسطة أو خدمة.

عندها ستكتشف أن بعض الذين كنت تظنهم أصدقاء لم يكونوا أصدقاء، وإنما كانوا قريبين من امتيازاتك.

وفي المقابل، قد يظهر شخصٌ واحد لم يكن كثير الحضور، لكنه يكون أول من يطرق بابك عندما يغيب عنك الجميع.

وهنا تعرف الفرق بين:

من يحبك، ومن يحب ما عندك.

رابعًا: وسائل التواصل قرَّبت المسافات وأبعدت القلوب:

المفارقة أننا نعيش في عصر لم يعد فيه الوصول إلى الآخرين يحتاج إلى سفر، ومع ذلك أصبح الوصول إلى قلوبهم أصعب.

لدينا مئات الأصدقاء على مواقع التواصل، لكن كم واحدًا منهم يمكن أن نلجأ إليه في لحظة انكسار؟

نضغط «إعجاب»، ونكتب تعليقًا، ونرسل رمزًا تعبيريًا، ونظن أننا بذلك حافظنا على العلاقات.

لكن الصداقة ليست عددًا في قائمة الأصدقاء.

الصداقة موقف.

الصداقة حضور.

الصداقة أن تتذكر صديقك عندما لا يراك أحد.

أن تسأل عنه حين لا يملك لك شيئًا.

أن تفرح لنجاحه دون غيرة.

أن تنصحه دون تجريح.

وأن تحفظ سره حتى لو انتهت العلاقة بينكما.

خامسًا: ليست كل مصلحة عيبًا:

ومن الإنصاف ألا نضع كل علاقة فيها منفعة تحت عنوان «المصلحة المذمومة».

فالإنسان بطبيعته يتعاون مع الآخرين، وقد تنشأ بين الناس علاقاتٌ تحقق مصالح مشتركة، وهذا أمر طبيعي ما دام قائمًا على الصدق والاحترام والوضوح.

المشكلة ليست في وجود المنفعة، وإنما في أن تصبح المنفعة هي السبب الوحيد للعلاقة.

هناك فرق كبير بين صديقٍ تنتفع منه وتحبّه، وبين شخصٍ لا تحبه إلا لأنك تنتفع منه.

الأولى علاقة إنسانية طبيعية، أما الثانية فهي علاقة مصلحية قد تنهار بمجرد انتهاء المنفعة.

سادسًا: الصديق الحقيقي لا يخاف من نجاح صديقه:

ومن علامات الصداقة الناضجة أن يفرح الإنسان لنجاح صديقه كما يفرح لنجاحه.

أما حين تتحول الصداقة إلى منافسة مَرَضية، يصبح نجاح أحد الطرفين تهديدًا للآخر.

فيبدأ الحسد الصامت، والتقليل من الإنجاز، والبحث عن العيوب، وتفسير النجاح بأنه حظ أو واسطة أو صدفة.

وهنا لا تكون المشكلة في النجاح، بل في قلبٍ لم يعد قادرًا على رؤية الخير في غيره.

الصداقة الحقيقية تقول:

«نجاحك لا يسلبني شيئًا، بل يسعدني لأنك صديقي.»

سابعًا: نحن بحاجة إلى إعادة تعريف الصداقة:

ربما لم تختفِ الصداقة من حياتنا، لكنها أصبحت تحتاج إلى إنقاذ.

نحتاج أن نعيد بناء علاقاتنا على أساس:

الصدق بدل المجاملة،

والوفاء بدل المنفعة،

والثقة بدل الشك،

والرحمة بدل الاستغلال،

والحضور بدل الرسائل العابرة.

علينا أن نعلّم أبناءنا أن كثرة المعارف ليست دليلًا على كثرة الأصدقاء، وأن الإنسان قد يعرف ألف شخص ولا يجد بينهم قلبًا واحدًا صادقًا.

وعلينا نحن أيضًا أن نسأل أنفسنا:

هل كنت صديقًا حقيقيًا؟

أم كنت أقترب من الناس عندما أحتاج إليهم، وأبتعد عندما تنتهي حاجتي؟

فالقضية ليست فقط: ماذا حدث لأصدقائنا؟

بل السؤال الأعمق:

ماذا حدث لنا نحن حتى أصبحنا نبحث عن الإنسان من خلال ما يملك، لا من خلال ما يحمل في قلبه؟

رسالة المقال

أيها الإنسان…

لا تجعل المصلحة تسرق منك أجمل ما فيك.

لا تحوّل كل علاقة إلى صفقة، ولا كل صداقة إلى مشروع استثمار.

فالأموال قد تعود، والمناصب قد تتغير، والفرص قد تأتي وتذهب، لكن الصديق الصادق إذا خسرته قد لا تستطيع الحياة أن تعوّضك عنه.

احتفظ بمن وقف معك حين لم يكن لديك ما تقدمه.

احتفظ بمن عرف عيوبك ولم يستخدمها ضدك.

احتفظ بمن فرح لفرحك، وحزن لحزنك، ونصحك حين أخطأت، ودافع عنك في غيابك.

فهذا هو الصديق الذي لا يُشترى.

وهذه هي الصداقة التي لا تنتهي بانتهاء المصلحة.

الخاتمة :

ربما لم تكن المشكلة أن المصلحة دخلت على خط الصداقة، وإنما المشكلة أننا سمحنا لها أن تجلس في المقعد الأول.

فحين تتقدم المصلحة وتتراجع القيم، تتحول الصداقة إلى صفقة.

وحين يتقدم الوفاء وتتراجع الحسابات، تعود الصداقة إلى معناها الجميل.

ولذلك، قبل أن نبحث عن صديقٍ صادق، فلنكن نحن أولًا أصدقاء صادقين.

فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من العلاقات الكثيرة بقدر ما يحتاج إلى علاقاتٍ قليلة، لكنها حقيقية.

قد لا تحتاج في حياتك إلى مئة صديق؛

قد تحتاج فقط إلى قلبٍ واحد، إذا ضاقت بك الدنيا، قال لك: أنا هنا… ولن أتركك.

وهذا القلب، في زمن المصالح، أصبح من أثمن ما يمكن أن يملكه الإنسان.