بين الحب والطمأنينة
هناك لحظة في العمر، نكتشف فيها أن القلب لا يحتاج إلى الحب وحده، بل يحتاج أيضا إلى سلام يستطيع أن يعيش فيه.
فليس كل حب يمنحنا الدفء، وليس كل هدوء يعني أن شيئا فينا قد انطفأ. قد نحب بصدق، ثم نكتشف أننا نفقد أنفسنا في سبيل البقاء، ونمنح من أرواحنا أكثر مما تحتمل، حتى يصبح القرب وجعا، وتغدو الكلمات التي انتظرناها طويلا سببا في صمتنا.
كنت أظن أن الحب يستحق منا الاحتمال دائما، حتى أدركت أن بعض ما نحتمله لا يقوّي قلوبنا، بل يستنزفها على مهل، وأن الإنسان لا ينبغي أن يدفع من طمأنينته ثمنا لإثبات صدق مشاعره.
فالطمأنينة ليست برودا، ولا عجزا عن الحب، بل أن تعود إلى نفسك فلا تشعر بالغربة فيها، وأن تجد في قلبك متسعا للحياة، دون أن تعتذر عن احتياجك إلى الوضوح، أو تخجل من رغبتك في السلام.
وقد قال الله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
وهنا أفهم أن للطمأنينة أصلا أعمق من تقلبات البشر؛ إنها سكينة يهبها الله للقلب حين يتصل به، فلا يعود أسيرا لخوف الفقد، ولا معلّقا سلامه بما قد تمنحه الحياة أو تحجبه عنه.
ولست أرى أن علينا الاختيار بين الحب والطمأنينة، فالحب الجميل لا ينبغي أن يكون خصما لسلامنا، ولا الطمأنينة بابا نغلق خلفه قلوبنا. إنما النضج أن نحب دون أن نفقد أنفسنا، وأن نمنح مشاعرنا بصدق، دون أن ننسى أن لنا روحا تستحق الرفق أيضا.
وهكذا يعلّمنا الخريف أن سقوط بعض الأوراق ليس نهاية الشجرة، وأن ما يغادر أغصاننا قد يترك فيها متسعا لحياة أخرى. فلكل موسم ما يأخذه منا، وما يتركه فينا، وما يهيئنا لاستقباله.
وربما لا تكون الحكمة في أن نختار بين الحب والطمأنينة، بل في أن نعرف أي حب يستحق أن نحمله معنا، وأي تعلق آن له أن يهدأ، حتى لا نخسر أنفسنا ونحن نحاول الاحتفاظ بغيرنا.
فأجمل ما يصل إليه القلب ليس أن يكف عن الحب، ولا أن يتشبث بكل ما أحب، بل أن يبلغ من الوعي ما يجعله يحب بصدق، ويترك ما يؤذيه بسلام، ويمضي مطمئنا إلى أن ما كتبه الله له لن يخطئه.
𓂃♡𓂃
بقلمى
صاحب الأثر

