*غَزَالَتِي بَعْدَ الغِيَابِ*
محمود الجدلي ![]()
شاعر وكاتب روائي
بَعْدَ الغِيَابِ أطَلَّتِ الغَزَالَةُ
فَاهْتَزَّ قَلْبِي وَاسْتَفَاقَ حَنِينَا
هَدَمَتْ حِصُونَ الصَّبْرِ فِيَّ، كَأَنَّهَا
رِيحٌ أَتَتْ كَيْ تُعْدِمَ التَّكْوِينَا
وَمَضَتْ تَفَتِّشُ فِي الضُّلُوعِ عَنِ الهَوَى
حَتَّى تَمَزَّقَ فِي يَدَيَّ وَتِينَا
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ قَلْبِي قَدْ نَجَا
حَتَّى رَأَيْتُكِ، فَاسْتَبَاحَ يَقِينَا
عَادَتْ مَلَامِحُكِ الَّتِي أَخْفَيْتُهَا
فغَدَوْتُ أَبْحَثُ فِي المَرَايَا عِينَا
وَالبَابُ يَسْأَلُ، وَالوِسَادَةُ تَشْتَكِي
وَالعِطْرُ يُوقِظُ فِي المَسَاءِ أَنِينَا
كَمْ مَرَّ يَوْمٌ قُلْتُ: لَنْ أَشْتَاقَهَا
حَتَّى أَتَى طَيْفٌ فَأَبْكَى جُفُونَا
وَأَرَى الوُجُوهَ، فَلَا أَرَى إلّا الَّتِي
كَانَتْ إذَا ابْتَسَمَتْ أَضَاءَتْ كَوْنَا
وَأَمُرُّ بِالمَقْهَى القَدِيمِ، كَأَنَّنِي
أَرْجُو المَكَانَ يُعِيدُ لِي تَمْكِينَا
يَا غَائِبًا تَرَكَ الغِيَابُ مَكَانَهُ
وَمَضَى، فَأَبْقَى فِي الفَرَاغِ ظُنُونَا
لَوْ تَعْلَمِينَ بِأَنَّنِي أُخْفِي الأَسَى
وَأَصُونُ وَجْهًا لَا يَبُوحُ شُجُونَا
أَمْشِي مَعَ الأَصْحَابِ، أَضْحَكُ مِثْلَهُمْ
وَالقَلْبُ وَحْدَهُ لَا يَزَالُ رَهِينَا
إنْ عُدْتِ لَا تَسْأَلِي الفُؤَادَ عَنِ الَّذِي
قَدْ مَرَّ، يَكْفِي أَنْ تَعُودِي لِينَا
سَأَضُمُّ كَفَّكِ لَا لِأَمْنَعَ رِحْلَةً
بَلْ كَيْ أُصَدِّقَ أَنَّكِ المَأْمُونَا
فأَنَا الَّذِي أَخْفَى الحَنِينَ تَوَهُّمًا
حَتَّى بَدَا وَجْهُ الحَبِيبِ بَانَا
بَعْدَ الغِيَابِ أطَلَّتِ الغَزَالَةُ
فَانْهَارَ مَا قَدْ شَيَّدَتْهُ سِنُونَا

