مُعادلاتُ النُّورِ في مِحْبرَةِ الظِّلال: حين ينطق الجبر بشجون الإنسان
بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب – جامعة بورسعيد – مصر
مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات (الرياضيات الأدبية)
حين يتأمل العقل البشري مرآة الوجود، يظن للوهلة الأولى أن لغة الأرقام وصرامة المعادلات قارة غريبة عن جزر العواطف والأشجان. غير أن أدب الرياضيات يأتي ليحطم هذا الوهم القديم، ليثبت أن الرمز الرياضي ليس سوى وعاء دقيق لنبض الروح، وأن الجبر والتكامل والنهايات والمحددات ليست إلا تراتيل صامتة تعبر عن قلق الإنسان، وتوقه، وانكساراته، ثم قيامته الجديدة من ركام الألم.
وفي قصيدتي (مُعادلاتُ النُّورِ في مِحْبرَةِ الظِّلال)، تتحول الرموز إلى كائنات حية تتنفس؛ فالسين والصاد واللام والنون والمشتقات والتكاملات، كلها أدوات لترتيب فوضى الوجود الإنساني وصياغة ملحمة البقاء.
أولًا: جبر الألم واستقامة الأشواق
تبدأ الرحلة من قلب المعادلة التي تنتصب في وجه الحزن، حيث تجري لغة الجبر على وتر الأوهام لتنسكب ألمًا ووعيًا:
أنا المعادلة التي في الحزن تنتصب، تجري على وتر الأوهام تنسكب.
أسير في جبر آلامي وأكتبها، فلتستقيم على الأشواق تحت شهبِ.
ه هنا يرتدي الجبر ثوب الصبر؛ فنحن لا نحل المعادلات لنصل إلى مجرد أرقام صماء، بل لنعيد ترتيب آلامنا، نجذر الحلم في صحراء الذاكرة القاحلة، ونقسم الصمت بالأوجاع والغضب، لنصنع من التصدعات هندسة جديدة للثبات.
ثانيًا: رموز الحروف ومعادلات النبض (س، ص، ل، ن)
تتخذ الحروف الهجائية في هذا العمل أبعادًا دلالية ورياضية عميقة؛ فالسين رمز للمجهول والبحث والأحلام الضائعة، والصاد نبض القلب وانكساراته مع السحب، واللام نور في الأكوان ينسطب، والنون اشتعال للروح وهطول للأمل:
أضعت سينًا بأحلامي، فصِرتُ لها مُعادلاً في دروب الصبر واللهَبِ.
وصادُ قلبي إذا ما الحبُّ أسكنه، يميل نحو انكساراتٍ من السُّحُبِ.
أحبُّ لامًا تنادي في معادلاتي، كأنها النور في الأكوان ينتسب.
ونونُ نفسي إذا ما الشوق أشعلها، تميل نحو انحناء الحلم واللَّعبِ.
إنها محاولة فذة لأسطرة الرموز؛ حيث يتماهى المجهول (السين) مع ذواتنا التائهة، وحين نصل إلى اللام والنون تتلألأ معادلة النور لتجلو عتمة الغياب.
ثالثًا: العمليات الحسابية بوصفها استعارات وجودية
لا تتعامل القصيدة مع الجمع، والقسمة، والضرب، والجذر، والتكامل بوصفها عمليات حسابية جافة، بل تراها تجليات لفلسفة الحياة:
• في القسمة والجمع: يُجيد الشاعر قسمة الزمن والتناقي، ويجمع الشتات بحيث يصبح لكل غائب في القلب نَصيب.
• في الجذور والضرب: حين يموت الحب وتشتد الوجيعة، يضرب الشاعر جذر الأسى فيفاجأ بالأسى يهتز طربًا وتحولاً إلى طاقة إيجابية.
• في المتغيرات والإضافات: حين يضيق الصدر بالوجود، يضيف متغيرًا جديدًا ينتمي بالكامل لعالم الحب الواسع.
رابعًا: فك القفص وإشعاع الأرقام
حين يتوه الإنسان في قفص الاستبداد أو يضيع الحق في لجة الوهن، لا تقف الرياضيات مكتوفة الأيدي؛ بل تتحول إلى أداة تحرر:
أنا الذي حين ضاع الحرُّ في قَفَصٍ، فككتُهُ بمعادلاتي، فانفتح السببُ.
أنا الذي حين ضاع الضوءُ في ألمٍ، أشعتهُ في مدى الأرقام ينتسبُ.
هنا يرتفع أدب الرياضيات ليكون منارة للحرية؛ فالمعادلة تصبح مفتاحًا للباب الموصوص، والتكامل والتقاطع والنهايات تصبح مساحات رحبة نلتقي فيها بمن نحبهم، لنستعيد معًا معنى الإنسانية المكتمل.
إن مُعادلاتُ النُّورِ في مِحْبرَةِ الظِّلال ليست مجرد قصيدة، بل هي بيان تأسيسي لعشق الفكر والبيان، حيث يدان للرياضيات بالجمال، ويدان للشعر بالبرهان، لتبقى معادلة الإنسان الأبدية ناطقة بالنور في وجه كل ظلال الفناء.

