سلسلة مقالات بحثية:
قُضَاةُ العَدْلِ: أَعْلَامٌ غَيَّرُوا وَجْهَ الأُمَّةِ”.
المقال الثاني عشر: شمس الدين الذهبي… عالم الحديث، والتاريخ الذي أثَّر في الوعي الإسلامي”.
بقلم/ الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
المقدمة: حين يصبح العلم ميزانًا للحق، وذاكرةً للأمة:
ليست عظمة العلماء فيما يحفظونه من نصوص فحسب، ولا فيما يتركونه من مؤلفات تُرصُّ على رفوف المكتبات، وإنما تكمن عظمتهم في قدرتهم على التمييز بين الصحيح ،والضعيف، والحق ،والباطل، والرواية الموثوقة، والخبر الذي يحتاج إلى تمحيص، وفي قدرتهم على نقل تجارب الأجيال إلى من يأتي بعدها، حتى لا تبدأ الأمة تاريخها من الصفر مع كل جيل.
ومن بين أولئك الأعلام الذين جمعوا بين دقة المحدِّث، وبصيرة الناقد، وعمق المؤرخ، يبرز الإمام شمس الدين الذهبي، أحد كبار أئمة الإسلام في القرن الثامن الهجري، الذي سخَّر عمره لخدمة الحديث النبوي، وتمييز أحوال الرواة، وتدوين التاريخ، وترجمة العلماء والقادة والعبَّاد وأصحاب التأثير في مسيرة الحضارة الإسلامية.
لم يكن الذهبي مجرد ناقلٍ لأخبار الرجال، بل كان صاحب مشروع علمي يقوم على جمع المادة، وفحص الروايات، والموازنة بين الأقوال، وإبراز محاسن الشخصيات، وأخطائها، بما يساعد القارئ على فهم التاريخ بعيدًا عن التقديس المطلق أو التشويه المتعمد.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الشخصية في سلسلة «قضاة العدل»، لا باعتباره قاضيًا رسميًّا تولَّى منصب القضاء، بل باعتباره قاضيًا علميًّا في ميدان الرواية والنقد والتاريخ؛ يزن الأخبار بميزان المعرفة، ويفحص أحوال الرجال وفق قواعد علمية، ويترك للباحثين تراثًا يساعدهم على تكوين وعي تاريخي أكثر نضجًا وإنصافًا.
أولًا: اسمه ونسبه والعصر الذي عاش فيه:
هو الإمام الحافظ المؤرخ الناقد أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، وُلد سنة 673هـ، الموافق نحو 1274م، في كفر بطنا من غوطة دمشق، وتوفي بدمشق سنة 748هـ، الموافق 1348م.
وعاش الذهبي في مرحلة تاريخية شهدت تحولات سياسية، وعسكرية، وثقافية كبيرة في العالم الإسلامي، في أعقاب الغزو المغولي وما ترتب عليه من تغيرات عميقة في مراكز الحكم ،والعلم، مع استمرار ازدهار حلقات الحديث، والمدارس العلمية في دمشق وغيرها من الحواضر الإسلامية.
وفي ذلك المناخ، أدرك العلماء أن حفظ تراث الأمة لا يتحقق بمجرد جمع الكتب، بل يحتاج إلى نقد الروايات، وضبط الأسانيد، وتوثيق أسماء الرجال، وتسجيل الوقائع، وتمييز مراتب الأخبار.
وقد وجد الذهبي في هذه العلوم ميدانًا واسعًا للعمل، فصار من أبرز أعلام عصره في الحديث والتاريخ والتراجم.
ثانيًا: طلب العلم وصناعة العالم الناقد:
لم يصل الذهبي إلى مكانته العلمية بطريق المصادفة، بل من خلال رحلة طويلة في طلب العلم، والسماع من الشيوخ، ودراسة الحديث ورجاله، والاشتغال بالتاريخ والطبقات.
وتلقى العلم عن عدد من كبار المحدثين، ومن أبرزهم الحافظ جمال الدين المِزِّي، صاحب كتاب «تهذيب الكمال»، الذي كان له أثر مهم في تكوينه العلمي، ولا سيما في معرفة الرجال ،وطبقات الرواة.
وقد تميز الذهبي بقدرة على الجمع بين سعة الحفظ، ودقة النظر، فلم تكن معرفته بالأسماء والتواريخ غاية مستقلة، وإنما كانت وسيلة لفهم الروايات، ومقارنة الأخبار، والكشف عن مواطن الوهم، والخلل.
وكانت صناعة المحدِّث عنده تتطلب أكثر من معرفة ظاهر السند؛ إذ تحتاج إلى النظر في أحوال الرواة، ومدى ضبطهم، واتصال الرواية، والقرائن التي تعين على قبول الخبر أو رده.
وهذه العقلية النقدية هي التي جعلت مؤلفاته مراجع مهمة للباحثين في الحديث، والتاريخ الإسلامي.
ثالثًا: الذهبي وعلم الحديث… حين تصبح الأمانة العلمية مسؤولية الأمة
يمثل علم الحديث أحد أهم ميادين خدمة السنة النبوية؛ لأنه يبحث في ثبوت الروايات التي تُنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعين على التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح.
وقد برع الذهبي في علم الرجال، والجرح، والتعديل، وهو العلم الذي يدرس أحوال رواة الحديث من حيث العدالة،والضبط، ويبحث في مراتبهم، وأثر ذلك في الحكم على الروايات.
ولم يكن النقد عنده قائمًا على الانطباع الشخصي وحده، بل على معرفة واسعة بأقوال أئمة الحديث، ومقارنة أحكامهم، والنظر في القرائن المتصلة بالرواة ومروياتهم.
ومن أشهر كتبه في هذا المجال «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، الذي جمع فيه تراجم عدد كبير من الرواة الذين تكلَّم العلماء فيهم، مع عرض أقوال النقاد، ومناقشة أحوالهم.
كما ألَّف كتاب «تذكرة الحفاظ»، الذي يُعد من أبرز المصادر في تراجم كبار حفاظ الحديث، وما اتصل بسيرتهم العلمية ومكانتهم في نقل السنة.
وتتجلى قيمة هذا العمل في أن الرواية الدينية لا يجوز أن تُقبل لمجرد شيوعها، ولا أن تُرفض لمجرد غرابتها، بل ينبغي أن تخضع لقواعد العلم والتحقيق.
وهنا تتصل رسالة الذهبي بمبدأ قرآني عظيم، هو ضرورة التثبت من الأخبار، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.،[الحجرات: 6]
فالآية تؤسس لواجب التثبت، والتمييز بين الخبر الموثوق والخبر الذي يحتاج إلى فحص، وهي قيمة تتجلى في جوهر المنهج النقدي الذي خدم به المحدثون السنة النبوية.
وليس معنى ذلك أن كل أحكام الذهبي معصومة من المراجعة، أو أن كل ما أورده في كتبه حكم نهائي لا يُناقش؛ فالعلماء أنفسهم قد يختلفون في تقويم بعض الرواة والأخبار، وتظل المراجعة العلمية جزءًا أصيلًا من حياة العلوم.
رابعًا: «سير أعلام النبلاء»… موسوعة صنعت ذاكرةً حية للأمة:
إذا كان للذهبي كتاب يكشف بوضوح عن عبقريته في كتابة التراجم، فهو كتابه العظيم «سير أعلام النبلاء».
فهذا المصنف ليس مجرد سجل للأسماء، والوفيات، بل موسوعة واسعة تضم تراجم الأنبياء، والصحابة ،والتابعين، والعلماء، والفقهاء، والمحدثين، والعباد، والقادة وشخصيات متعددة من التاريخ الإسلامي.
وقد رتَّب الذهبي مادته في طبقات، وعرض في تراجم الشخصيات جوانب من حياتهم، وشيوخهم، وتلاميذهم، ومكانتهم العلمية، وأقوال العلماء فيهم، مع إيراد أخبار، ومواقف تساعد على فهم شخصياتهم، وسياقاتهم التاريخية.
وتكمن أهمية الكتاب في عدة أمور:
1)حفظ الذاكرة العلمية: فقد أسهم في إبقاء أسماء عدد كبير من العلماء والشخصيات حاضرة في الوعي الإسلامي، مع معلومات عن حياتهم وآثارهم.
2) الجمع بين العلم، والإنسان: لم يجعل الترجمة مجرد قائمة بالمؤلفات والمناصب، بل أورد أخبارًا ومواقف تكشف جوانب من أخلاق أصحابها ،وسلوكهم ،وعلاقاتهم العلمية.
3) المقارنة بين الأقوال: نقل آراء متعددة في عدد من الشخصيات، وأبدى أحكامه وملاحظاته بحسب ما توافر لديه من مادة علمية.
4) إتاحة التاريخ للباحثين: أصبح الكتاب من المصادر الأساسية التي يرجع إليها الدارسون في تراجم الأعلام، وتاريخ العلوم الإسلامية.
5) ربط الأجيال بعضها ببعض: فمن خلاله يتعرف القارئ إلى سلسلة طويلة من العلماء، وكيف انتقلت المعارف بين الشيوخ والتلاميذ عبر القرون.
إن «سير أعلام النبلاء» يعلّمنا أن الأمة التي لا تحفظ سير علمائها وتجاربهم تفقد جانبًا مهمًّا من ذاكرتها، وأن كتابة التاريخ ليست ترفًا ثقافيًّا، بل وسيلة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
خامسًا: «تاريخ الإسلام»… قراءة واسعة في حركة الزمن
من أعظم آثار الذهبي كذلك كتابه «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام»، الذي يمثل مشروعًا تاريخيًّا واسعًا لتسجيل الأحداث والوفيات وتراجم الشخصيات عبر مراحل متعددة من التاريخ الإسلامي.
ويكشف هذا العمل عن اهتمامه بالتاريخ باعتباره علمًا يحتاج إلى ترتيب الأخبار، وربط الشخصيات بأزمنتها، ومراعاة اختلاف الروايات، وعدم الاكتفاء بسرد الأحداث من غير نقد.
فالتاريخ عند الباحث الجاد ليس حكايات تُروى لإثارة الإعجاب أو الحزن، بل مادة تُدرس لفهم أسباب القوة والضعف، وأحوال المجتمعات، وتأثير العلماء والحكام، وتحولات الفكر والسياسة والثقافة.
وقد منح الذهبي القارئ مادة غنية تساعده على إدراك أن الشخصيات لا تُفهم بمعزل عن عصرها، وأن الوقائع التاريخية تحتاج إلى المقارنة والتحقيق، وأن الروايات المتداولة ليست كلها في مرتبة واحدة من الثبوت.
ومن هنا أصبح «تاريخ الإسلام» من المراجع المهمة لمن يريد دراسة التاريخ الإسلامي دراسة تتجاوز التواريخ المجردة إلى تراجم الأشخاص وأحوالهم وأثرهم.
سادسًا: «العِبَر في خبر من غَبَر»… دروس الماضي، ومسؤولية الحاضر:
ومن مؤلفاته التاريخية المعروفة كتاب «العِبَر في خبر من غَبَر»، الذي يعكس اهتمامه بتسجيل أخبار الأمم والشخصيات والوفيات، والنظر إلى حركة التاريخ عبر تعاقب الأجيال.
والعبرة من التاريخ ليست أن نكرر أسماء المنتصرين، أو نرثي الدول التي زالت، بل أن نفهم العوامل التي صنعت التحولات، وأن نتعلم كيف تؤثر المعرفة والعدل والأخلاق في بناء المجتمعات.
فالحضارات لا تقوم على القوة وحدها، ولا تحفظ مكانتها بمجرد أمجاد الماضي، وإنما تحتاج إلى علم متجدد، ومؤسسات عادلة، ووعي يميز بين الحقائق والأوهام.
ومن خلال مشروعه التاريخي، يضعنا الذهبي أمام سؤال دائم: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
قد تزول المناصب، وتتغير الدول، وتتبدل موازين القوة، لكن العلم النافع يظل قادرًا على عبور القرون، إذا حفظته الأمة ودرسته بعقل ناقد.
سابعًا: هل كان الذهبي مؤرخًا محايدًا؟: قراءة علمية في منهجه
من الإنصاف العلمي ألا نكتفي بمدح الذهبي، بل أن ندرس منهجه وخصائصه وحدوده أيضًا.
فقد جمع في عدد من كتبه بين نقل أقوال الآخرين وإبداء الرأي والنقد، ولم يكن مجرد ناسخ للأخبار؛ بل كان يقارن ويناقش ويرجح في مواضع متعددة.
ومن سمات منهجه:
١)العناية بالنقد: ولا سيما نقد الرواة والأخبار المتصلة بعلوم الحديث.
٢)الاهتمام بالتوثيق الزمني: من خلال ضبط الوفيات والطبقات وتحديد مواقع الشخصيات في التاريخ.
٣)الجمع بين الروايات: وإيراد أقوال متعددة في بعض التراجم، بما يسمح للقارئ بفهم جانب من الخلاف العلمي.
٤)إظهار المآثر والمآخذ: فلم تكن التراجم عنده مجرد مدائح، بل اشتملت أحيانًا على نقد للأخطاء والمواقف.
٥)الاستناد إلى التراث السابق: فقد أفاد من جهود العلماء الذين سبقوه، وطوّر المادة التي جمعها ضمن مشروعاته العلمية.
ومع ذلك، ينبغي ألا نفهم الإنصاف بمعنى أن المؤرخ يستطيع التحرر الكامل من سياق عصره أو اجتهاداته أو ميوله العلمية. فقد تتباين أحكام العلماء في بعض الشخصيات والقضايا، كما قد تحتاج بعض الروايات التاريخية إلى مراجعة في ضوء مصادر أخرى.
ولذلك فإن القراءة الرشيدة للذهبي تقتضي احترام مكانته، مع إخضاع أحكامه للمقارنة والتحقيق عند البحث المتخصص.
فالإنصاف لا يعني أن نمنح العالم العصمة، بل أن نعطيه قدره، ونفهم منهجه، ونراجع ما يحتاج إلى المراجعة بأدوات العلم.
ثامنًا: الذهبي ،والوعي الإسلامي… كيف: يؤثر العالم في أجيال لم يعش بينها؟
لم يقتصر أثر الذهبي على عصره، بل امتد عبر كتبه إلى أجيال متعاقبة من العلماء والباحثين وطلاب العلم.
وقد أسهمت مؤلفاته في تشكيل جانب مهم من معرفة المسلمين برجال الحديث، وتاريخ العلماء، وطبقات المحدثين، وسير الشخصيات التي تركت أثرًا في الحضارة الإسلامية.
ويظهر هذا الأثر في ثلاثة مستويات رئيسية:
المستوى الأول: الوعي الديني:
فمن خلال كتبه في الرجال، والحديث، أسهم في ترسيخ أهمية التثبت من الروايات، والتمييز بين مراتب الرواة، والرجوع إلى أهل الاختصاص في تقويم الأخبار المنسوبة إلى الدين.
المستوى الثاني: الوعي التاريخي:
فقد ساعدت كتبه في حفظ تفاصيل واسعة عن حياة العلماء ،والأعلام، وربط إنجازاتهم بأزمانهم وشيوخهم، وتلاميذهم، مما أتاح للباحثين فهمًا أعمق لتطور العلوم الإسلامية.
المستوى الثالث: الوعي الأخلاقي:
فالسير ،والتراجم تقدم للقارئ نماذج بشرية متنوعة، فيها الاجتهاد، والنجاح، وفيها الخطأ والقصور، وفيها مواقف تستحق الاقتداء، وأخرى تستحق الاعتبار.
وهنا ينبغي أن ننتبه إلى أن قراءة سير العلماء لا تعني تحويلهم إلى شخصيات فوق النقد، ولا التعامل مع كتب التراجم بوصفها أحكامًا نهائية في كل قضية؛ بل تعني الاستفادة من خبراتهم، وتمييز ما ثبت من أخبارهم، واستخلاص الدروس من تجاربهم.
إن الأمة الواعية لا تكتفي بحفظ تاريخها، بل تحسن قراءته، ولا تكتفي بالاحتفاء بعلمائها، بل تتعلم من مناهجهم في البحث والتثبت.
تاسعًا: الذهبي وأخلاق الاختلاف، والإنصاف:
من الدروس المهمة التي يمكن استلهامها من دراسة أعمال الذهبي أن الحكم على الأشخاص مسؤولية علمية وأخلاقية.
فقد يختلف العلماء في تقويم راوٍ أو شخصية تاريخية، لكن هذا الاختلاف ينبغي أن يُدرس في سياقه، مع التمييز بين نقد الرواية والطعن في النيات، وبين تقويم الفكرة وإهدار كرامة صاحبها.
والمنهج العلمي الرصين لا يقتضي إخفاء الأخطاء، كما لا يجيز تضخيمها أو اجتزاء الوقائع من سياقها.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى قيمة العدل حتى مع وجود الخلاف، فقال الله تعالى:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.،[المائدة: 8]
وهذه قاعدة أخلاقية عظيمة تصلح أساسًا للتعامل مع التاريخ ،والأفكار، والأشخاص: فلا ينبغي أن يحملنا الحب على إخفاء الحقيقة، ولا أن يحملنا الخلاف على الظلم.
وإذا كان الذهبي قد ترك تراثًا واسعًا في نقد الرجال والأخبار، فإن واجبنا اليوم أن نستفيد من روح التحقيق، وأن نبتعد عن الأحكام المتسرعة، وأن نجعل الدليل مقدمًا على الانطباع.
عاشرًا: أبرز مؤلفات الإمام الذهبي:
ترك الإمام الذهبي مؤلفات كثيرة في الحديث والتاريخ والتراجم والرجال، ومن أشهرها:
1) سير أعلام النبلاء: موسوعة واسعة في تراجم الأعلام عبر العصور الإسلامية.
2) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام: من أهم مصنفاته التاريخية.
3) ميزان الاعتدال في نقد الرجال: كتاب بارز في دراسة أحوال الرواة الذين نوقشت عدالتهم أو درجة ضبطهم.
4) تذكرة الحفاظ: مرجع في تراجم حفاظ الحديث ومكانتهم العلمية.
5) العبر في خبر من غبر: من مصنفاته التي تعنى بالتاريخ والوفيات.
6)المغني في الضعفاء: من كتبه المتعلقة بنقد الرواة.
7) ديوان الضعفاء، والمتروكين: من مؤلفاته في أحوال الرواة، ومراتبهم.
وتدل هذه الكتب على اتساع مشروعه العلمي؛ فقد جمع بين الحديث والتاريخ والتراجم، وربط دراسة الأشخاص بنقد الروايات، فكانت مؤلفاته ذات قيمة خاصة للباحثين في تاريخ الثقافة الإسلامية.
الحادي عشر: ما الذي نتعلمه من الإمام الذهبي في عصر المعلومات؟:
نعيش اليوم في زمن تنتشر فيه الأخبار والشائعات والمقاطع المبتورة والاقتباسات المنسوبة إلى أصحابها من غير دليل. وقد يصل الخبر إلى ملايين الناس قبل أن يسأل أحد عن مصدره أو صحته.
ومن هنا تبدو دروس الذهبي ذات أهمية معاصرة، ويمكن تلخيصها في خمس قواعد:
القاعدة الأولى: لا تنشر قبل أن تتحقق. فسرعة انتشار الخبر لا تعني صحته.
القاعدة الثانية: ارجع إلى المصادر الأصلية. ولا تكتفِ بالنقول المجهولة أو العناوين المثيرة.
القاعدة الثالثة: ميِّز بين الخبر والرأي. فما يرويه المؤرخ ليس بالضرورة حكمًا نهائيًّا على الواقعة، وما ينقله عن غيره لا يعني أنه يوافقه في كل ما قال.
القاعدة الرابعة: أنصف من تختلف معه. فالمخالفة الفكرية لا تبرر تحريف الكلام أو اجتزاء السياق.
القاعدة الخامسة: راجع أحكامك عند ظهور الدليل. فالتراجع عن الخطأ فضيلة علمية، وليس انتقاصًا من صاحبه.
وهذه القواعد لا تجعلنا محدثين أو مؤرخين بمجرد تطبيقها، لكنها تعيننا على بناء ثقافة عامة تحترم الدليل، وتقاوم التضليل، وتدرك أن الحقيقة تحتاج إلى بحث وصبر.
الثاني عشر: لماذا يستحق الذهبي أن يبقى حاضرًا في ذاكرة الأمة؟:
يستحق الإمام الذهبي مكانته لأنه جمع بين سعة المادة العلمية ودقة النقد، وترك تراثًا ضخمًا خدم به الحديث والتاريخ والتراجم.
ولأنه أدرك أن أسماء العلماء ليست مجرد معلومات عابرة، بل حلقات في سلسلة انتقال المعرفة بين الأجيال.
ولأن كتبه تقدم للباحث مادة غنية لفهم الشخصيات التاريخية، ومقارنة الأخبار، ودراسة تطور العلوم الإسلامية.
ولأن أثره يذكرنا بأن بناء الوعي لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى معرفة موثقة، وعقل ناقد، وأمانة في نقل الأقوال، وشجاعة في الاعتراف بما لا نعلم.
ومع ذلك، فإن الوفاء الحقيقي له لا يكون بترديد اسمه فحسب، بل بقراءة كتبه، وفهم منهجه، وتعلم قواعد التحقيق، ومواصلة البحث في تراث الأمة بعقل منفتح على الأدلة.
خاتمة: العلماء الذين يحفظون الحقيقة يصنعون مستقبل الأمة:
رحل شمس الدين الذهبي عن الدنيا منذ قرون، لكن كتبه ما زالت حاضرة في المكتبات، ومباحث الحديث، ودراسات التاريخ الإسلامي، وقراءات الباحثين في تراجم الأعلام.
وهذه هي إحدى علامات الأثر العلمي الحقيقي: أن يرحل صاحبه ويبقى عمله قادرًا على تعليم أجيال لم يرها ولم يعش بين أفرادها.
لقد خدم الذهبي الأمة بعلمه ،وقلمه، وجعل من التراجم، والتاريخ، والحديث ميادين لحفظ الذاكرة، وتمييز الروايات، وترك لنا شاهدًا على أن المعرفة مسؤولية، وأن النقد المنضبط ضرورة، وأن الإنصاف لا يقل أهمية عن سعة الاطلاع.
وإذا أردنا أن نكرم هذا الإمام حقًّا، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى القراءة الجادة، والتحقيق العلمي، واحترام التخصص، وأن نعلِّم أبناءنا ألا يقبلوا كل ما يسمعون، وألا يرفضوا كل ما يخالف أهواءهم، بل أن يسألوا عن الدليل، ويفهموا السياق، ويحكموا بقدر ما لديهم من معرفة.
فالعدل ليس في ساحات القضاء وحدها؛ بل هو أيضًا عدلٌ في نقل الأخبار، وإنصافٌ في الحكم على الرجال، وأمانةٌ في كتابة التاريخ.
ومن هنا نستحضر شمس الدين الذهبي في سلسلة «قضاة العدل»، لا بوصفه قاضيًا تقلد منصب القضاء، بل بوصفه إمامًا في ميزان الرواية والنقد والتاريخ، أسهم في خدمة الوعي الإسلامي، وأثبت أن القلم حين يخضع للعلم والأمانة يستطيع أن يحفظ للأمة ذاكرتها، ويضيء لها طريق المستقبل.
رحم الله الإمام شمس الدين الذهبي، وجزاه عن العلم ،وأهله خير الجزاء، وجعلنا ممن ينصفون في القول، ويتثبتون في النقل، ويخلصون في طلب الحقيقة.
المصادر ،والمراجع:
١)الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، 1405هـ/1985م.
٢)الذهبي، شمس الدين، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام.
٣)الذهبي، شمس الدين، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، 1382هـ/1963م.
٤)الذهبي، شمس الدين، تذكرة الحفاظ.
الذهبي، شمس الدين، العبر في خبر من غبر.
٥)الموسوعة التاريخية، الدرر السنية، ترجمة وفاة الإمام شمس الدين الذهبي سنة 748هـ..

