الرجل الذي لم يبكِ
تأليف :
عقل عقل
لم يكن الرجل قاسي القلب ، كما ظنّ الناس ، لكنه كان يخشى أن يراه أحدٌ وهو ينكسر .
منذ مات أبوه ، وهو في العاشرة من عمره ، سمع أمه تقول له ذات مساء ، وهي تمسح دموعها بطرف ثوبها :
أنت رجل البيت الآن يا بني ، والرجال لا يبكون .
ومنذ تلك الليلة ، دفن طفولته في صدره ، وتعلّم كيف يبتلع غصّته ، وكيف يبتسم وفوق قلبه جبلٌ من الحزن .
كبر ، واصبح أبًا .
كان يعود من عمله متعبًا ، يخلع حذاءه عند الباب ، ثم يجلس صامتًا كأن روحه تركض خلف شيءٍ لا يستطيع الإمساك به . وحين تسأله زوجته عن وجعه ، يجيب دائمًا :
لا شيء ، مجرد تعب .
حتى جاء اليوم الذي ماتت فيه أمه .
وقف أمام قبرها جامدًا ، يستقبل مواساة الناس بإيماءةٍ باردة . قال أحدهم :
ما شاء الله ، رجلٌ صلب ، لم تذرف عيناه دمعة .
لم يعرفوا أن شيئًا داخله كان ينهار بصمت ، وأنه كان يودّ لو يستطيع البكاء ، ولو مرة ، دون أن يشعر بالخجل من نفسه .
عاد إلى بيتها بعد الدفن . كانت رائحتها ما تزال عالقةً في الوسادة ، وكوب الشاي الذي اعتادت أن تشرب فيه موضوعًا قرب النافذة . مرّر يده على أشيائها ببطء ، كأنه يخشى أن يوقظ الغياب .
ثم وجد تحت وسادتها ورقةً صغيرة ، كُتب فيها بخطّها المرتجف :
( يا بني، كنت أتمنى لو بكيتَ أمامي مرة، لا لأنني أحب رؤية دموعك، بل لأنني كنت أخاف أن تكبر وأنت تظن أن الحزن عيب. كنتَ طفلًا يحتاج إلى حضن، لا رجلًا يحتاج إلى أن يكون قويًا طوال الوقت ) .
قرأ الرسالة مرة ، ثم أعاد قراءتها ، حتى تشوّشت الكلمات أمام عينيه .
جلس على الأرض ، وضمّ الورقة إلى صدره ، ارتجفت شفتاه ، وانحنى ظهره ، وخرجت من أعماقه شهقةٌ قديمة ، كأنها كانت تنتظر هذا الإذن منذ ثلاثين عامًا .
بكى أمه ، وبكى أباه ، وبكى الطفل الذي عاش عمره يخاف أن يراه أحدٌ ضعيفًا .
وحين دخل ابنه الصغير ووجده يبكي، اقترب منه مذعورًا فسحبه الرجل إلى صدره وقال بين دموعه :
لا تخف يا حبيبي … أنا فقط أفتقد جدتك .
مسح الطفل دموع أبيه بكفّه الصغيرة، ثم همس :
ابكِ يا أبي ، أنا لن أخبر أحدًا .
عندها احتضنه الرجل بقوة ، وأغمض عينيه ، وشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن صدره لم يعد سجنًا .
فليس كل من لا يبكي قويًّا ، وليس كل من يبكي ضعيفًا ، بعض الدموع لا تهزم الإنسان ، بل تعيد إليه الجزء الذي ظلّ مفقودًا منه طوال العمر .

