رواية الحرب والسلام لليوتولستوي .. للكاتب د. محمود شعبان

د. محمود شعبان

#د محمود _شعبان

-رواية “الحرب والسلام” لليو تولستوي .

( ما أفدح الثمن الذي ندفعه حين نترك الآخرين يفكرون نيابة عنا !!! ) .

أحيانا نقرأ رواية فننتهي من صفحاتها ونتركها وراءنا ، وأحيانا أخرى تظل الرواية معنا، وتثير في داخلنا أسئلة لا تنتهي بانتهاء القراءة.

– هذا ما حدث لي مع “الحرب والسلام” لليو تولستوي ؛ فقد وجدت نفسي لا أفكر في الحرب وحدها، بل في الإنسان، وفي قدرته على التفكير ،

(وفي اللحظة التي يمكن أن يتنازل فيها عن قناعته) لمجرد أن شخصا أعلى منه سلطة قد قرر نيابة عنه.

-أكثر ما استوقفني هو كلام (رستوف) عن واجب الجندي في القتال دون تفكير، وعن ثقته بأن الإمبراطور لا بد أن يكون على صواب، مهما تغيرت قراراته.

-توقفت أمام هذا الكلام طويلا، وسألت نفسي:

هل يمكن أن يصل الإنسان إلى درجة يطمئن فيها إلى قرارات غيره أكثر من اطمئنانه إلى عقله؟ !!! .

وهل يصبح التفكير خطرا لمجرد أنه قد يدفعنا إلى مراجعة ما آمنا به طويلا؟

-هنا تذكرت قول الله تعالى: “ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا” الإسراء ٣٦. فالإنسان مسؤول عن سمعه وبصره وفؤاده، وليس مجرد تابع يعفي نفسه من المسؤولية بحجة أنه ينفذ الأوامر أو أنه عبد المأمور كما يقولون .

-أنا لا أرى أن الطاعة خطأ في حد ذاتها، ولا أن كل قرار يجب أن يتحول إلى موضع جدل ،

لكنني أرى أن المشكلة تبدأ حين نتوقف عن السؤال، وحين نعتبر مجرد التفكير خروجا عن الواجب ، فالإنسان قد يطيع لأنه مقتنع، وقد يطيع لأنه يخشى أن يواجه نفسه بالحقيقة ، والفرق بين الحالتين كبير .

-من هنا وجدتني أفكر في الحروب:

من يشعلها، ومن يدفع ثمنها؟

قد يتحدث أصحاب القرار عن المجد والمصالح والانتصارات، لكن هناك دائما (إنسانا يذهب إلى المعركة) ، وأسرة تنتظر عودته ،

وأناس تتغير حياتهم إلى الأبد (بسبب قرار لم يشاركوا في صنعه).

-وكلما تأملت في الحروب، وجدتني أمام مفارقة مؤلمة:

(أن الحرب قد يشعل نارها القادة ، لكن الجنود هم الذين يحترقون بها) ،

وأن الذين يتخذون قراراتها ليسوا دائما هم الذين يدفعون أثمانها ، حيث يجلس البعض ليرسموا خرائط المعارك ويحسبوا المكاسب والخسائر ، بينما يواجه آخرون الرصاص والخوف والموت، وتبقى خلفهم أسر تنتظر خبرا قد لا يأتي أبدا.

-لا يعني ذلك أن كل قائد يسعى إلى الحرب، أو أن كل جندي ضحية بلا إرادة، فالتاريخ أكثر تعقيدا من الأحكام المطلقة .

-لكن المؤلم أن:( الإنسان قد يجد نفسه يقاتل ويموت في صراع لم يختره) ، (ودفاعا عن قرار لم يشارك في صنعه ، وربما لا يعرف عنه إلا ما قيل له) .

-وهنا أتساءل:

كم من الدماء كان يمكن تجنيبها للبشر لو أن من يملكون قرار الحرب تحملوا قبل اتخاذه مسؤولية كل روح قد تزهق بسببه؟

وكم من أم فقدت ابنها، وكم من طفل فقد أباه، وكم من إنسان ضاعت حياته، بينما ظل أصحاب القرارات بعيدين عن النار التي أشعلوها؟ .

لعل هذه إحدى المآسي الكبرى للحروب: أن قرارا قد يصدر في لحظة ، لكن آثاره قد تمتد إلى أجيال ، وأن الذين يدفعون الثمن ليسوا هم دائما الذين اختاروا المواجهة.

-ومع ذلك لا تختزل “الحرب والسلام” في الحرب وحدها ، فما أعجبني فيها أنها تقترب من الشخصيات وتكشف حيرتها وطموحاتها وتناقضاتها ، وتجعلنا نرى (كيف يتغير الإنسان مع التجربة) ، وكيف يبحث عن معنى لحياته، ثم :

(يكتشف أحيانا أن ما سعى إليه طويلا لم يكن هو ما يحتاج إليه فعلا) .

وهذا ما يجعل شخصيات مثل (بيير بيزوخوف والأمير أندريه بولكونسكي) أكثر من مجرد شخصيات في رواية تاريخية ، إنهما صورتان لإنسان يحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله .

-خرجت من الرواية وأنا أعود إلى عبارة (رستوف): “أن نقاتل ولا نفكر” .

وبقدر ما فهمت ما وراءها من انضباط وولاء ، ظللت أرى خطورتها حين تتحول إلى (قاعدة عامة في الحياة) .

فهل يمكن أن نؤدي واجبنا حقا إذا تخلينا عن مسؤولية التفكير؟

وهل يكون الإنسان وفيا لمجرد أنه لا يعترض ؟ ، حتى لو كان في داخله ما يدعوه إلى المراجعة؟! .

-يحضرني هنا قول النبي(ص):

“لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف” (متفق عليه).

وهو معنى يذكرنا بأن الطاعة ليست مطلقة ، وأنها لا تلغي مسؤولية الإنسان الأخلاقية .

–لا أملك إجابات نهائية عن كل هذه الأسئلة ، لكنني أعتقد أن قيمة الأدب العظيم ليست في أن يمنحنا إجابات جاهزة ، بل في أنه يثير في نفوسنا تساؤلات كبرى .

-لهذا لم أشعر أنني انتهيت من “الحرب والسلام” بمجرد أن أغلقت الكتاب ، حيث

بقي معي سؤال أراه أهم من الانتصار والهزيمة هو :

( ماذا يحدث للإنسان حين يتخلى عن حقه في التفكير؟ ) .

-وربما لهذا تحديدا تظل الرواية حاضرة رغم مرور الزمن ؛ لأنها لا تحكي لنا عما حدث في الماضي فقط ، بل تدعونا إلى التأمل في أنفسنا ، وفي اختياراتنا ،

(وفي الثمن الذي قد ندفعه حين نترك الآخرين يفكرون نيابة عنا) .

د.محمود شعبان

اترك تعليقًا