الذين لا يصفّق لهم أحد
تأليف :
عقل عقل
في كل صباح ، كان يدخل المدرسة من الباب الخلفي رجلٌ خمسينيّ ، يحمل ممسحةً ودلو ماء ، وينحني طويلًا ليمحو آثار أقدام الآخرين .
كان الطلاب يمرّون بجانبه دون أن ينظروا إليه ، وبعضهم يترك الأوراق خلفه ، وآخرون يضحكون حين يسمعونه يقول:
صباح الخير .
لم يكن اسمه معروفًا إلا في سجلّ الموظفين ، أما في المدرسة ، فكانوا ينادونه :
عامل النظافة .
ذات يوم ، طلبت المعلمة من طلابها كتابة موضوع بعنوان : ماذا تريد أن تصبح في المستقبل ؟
كتب أحدهم :
طبيبًا ، وآخر مهندسًا ، وثالثًا طيارًا .
أما طفلٌ يجلس قرب النافذةو، فكتب :
أريد أن أصبح رجلًا لا يجعل أحدًا يشعر بأنه غير مرئي .
استغربت المعلمة إجابته ، فسألته عن السبب .
قال الطفل :
لأن أبي يعمل في تنظيف الشوارع. كل ليلة يعود متعبا ، ورائحته تحمل تعب المدينة ، لكن الناس يبتعدون عنه في الحافلة ، وكأن الأوساخ في ملابسه أكثر قذارةً من قسوة قلوبهم. ذات مرة ، رأيته يمسح حذاءه قبل أن يعانقني ، حتى لا تتسخ ملابسي … فبكيت ، لأنني تمنيت لو أن العالم يغسل عنه تعبه بدلًا من أن يخجل منه .
ساد الصمت في الصف .
وفي اليوم التالي ، دخلت المعلمة إلى المدرسة ، فوجدت الطلاب يقفون عند الباب الخلفي .
كانوا ينتظرون الرجل .
وحين وصل ، اقترب الطفل منه ، واحتضنه أمام الجميع ، ثم قال بصوت مرتجف :
أبي، أريد أن أكون مثلك … لا في مهنتك ، بل في قدرتك على أن تبقى إنسانًا طيبًا في عالم لا يراك .
تجمّع الطلاب حوله ، ولأول مرة ، لم يحمل الرجل دلوه وحده ، حمل معه دموعًا ظلّ يخفيها سنوات .
ابتسم، ومسح رأس ابنه، ثم عاد إلى عمله.
لكنه في ذلك الصباح، كان يمسح الأرض وظهره مستقيم.
فبعض الناس لا يحتاجون إلى أن نمنحهم مكانةً أعلى ، بل إلى أن نتوقف عن معاملتهم وكأنهم أقلّ منّا .
ليس الفقر أن تعمل بيديك ، ولا الكرامة أن ترتدي ثيابًا أنيقة ، الفقر الحقيقي أن تمرّ بجوار إنسانٍ أنهكه التعب، فلا ترى فيه إلا مهنته، وتنسى أن له قلبًا يتألم ، وطفلًا يفخر به ، وحلمًا صغيرًا بأن يُحترم .
بقلم: عقل عقل

